بعد محاولة ترامب تصفية القضية الفلسطينية ذوبان الحدود وفك وتركيب خريطة الإقليم والعالم وإسقاط الأمم المتحدة أولوية «وعد بلفور» الجديد مصر أحبطت مشروع التهجير مع إدارة جو بايدن وتتصدى لدونالد ترامب للدفاع عن «أم القضايا»
لم يكترث بنيامين نتنياهو خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكى دونالد ترامب بالدائرة الضيقة التى تحيطه، فلدى نتنياهو كما قال فى غرف مغلقة أدوات التعامل مع دائرة ترامب وإقناعها بكل ما يشغل تل أبيب؛ لكنه اهتم حينها فقط بتحذير حاشيته من إثارة حفيظة الرئيس الجمهوري، لتفادى ردود أفعاله وقرارته الارتجالية. وحسب الكاتب الإسرائيلى باراك رافيد، فطن نتنياهو إلى حتمية السيطرة على الهامسين فى أذن دونالد ترامب، لا سيما وأن الأخير ضيق الأفق، ويستعيض عن خبرته السياسية بإبرام الصفقات السريعة، التى تضاهى على حد قوله «بيع الفطيرة وهى ساخنة». ولا شك أن سوابق الماضى غير البعيد لا تغاير هذا المفهوم.
دونالد ترامب المحاط بدائرة واسعة من المستشارين لا ينشغل نهائيًا بالتفاصيل حتى إذا تعلق الأمر بإذابة الحدود وتفكيك سيادات الدول، ولعل ذلك كان واضحًا قبل وبعد بداية أيامه فى البيت الأبيض خلال المرحلتين الأولى والحالية؛ فتطلعاته على سبيل المثال لاحتلال جزيرة «جرين لاند»، وهى تقسيم إدارى ذاتى الحكم داخل مملكة الدنمارك، وأكبر جزيرة فى العالم، انضوت فقط فى إطار لغة الصفقات وتحقيق مكاسب اقتصادية من ورائها، خاصة وأن الجزيرة تخفى فى باطنها ثروات بكر هائلة، من بينها النفط، اليورانيوم، الألومنيوم، النيكل، البلاتين، التنجستن، التيتانيوم، والنحاس.
ولا يخفى ترامب سطحية خبرته بواقع الأوضاع أو حتى جغرافيتها فى منطقة الشرق الأوسط، ويكتفى بتسليم أذنيه لمستشاريه ورجال ثقته، وكان من بين هذه الدائرة خلال ولايته الرئاسية الأولى سفيره لدى تل أبيب ديفيد فريدمان. الأخير كان أكثر ولاءً لإسرائيل من القائمين على معسكر الاستيطان، وما برح همسًا فى أذن ترامب بحتمية ضم هضبة الجولان السورية لإسرائيل، وحرَّض جماعات الضغط على ضرورة إقناع الرئيس بالخطوة سريعاً، خاصة فى ظل تزامنها فى حينه مع الانتخابات العامة فى إسرائيل، وتأثيرها الإيجابى الكبير على نجاح نتنياهو.
موقع استراتيجي
حينها أجرى ترامب اتصالًا هاتفيًا بسفير بلاده لدى تل أبيب المحامى ديفيد فريدمان، وقال له نصًا: «يمكنك إلقاء محاضرة لا تزيد عن خمس دقائق لشرح أهمية الجولان بالنسبة لإسرائيل». استهل فريدمان الشرح، وقبل أن ينتهى قاطعه الرئيس: «حسنًا.. أنت تتحدث عن موقع استراتيجي، شاهق الارتفاع، وأرض زراعية خصبة، ومتَّسع استيطانى جديد»، وأغلق خط الاتصال. بعدها بأيام صدر قرار أمريكى بفرض السيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان.
تنسحب وتيرة سياسات الرئيس الجمهورى على القضايا كافة، وليس ثمة شك فى حضور مصير غزة المأمول إسرائيليًا على الطاولة قبل وبعد نتائج الانتخابات الأخيرة التى أعادت ترامب للمكتب البيضاوي. وربما لم يتحكم الرئيس الجمهورى فى زلات لسانه وهو يتحدث عن عدوان إسرائيل على قطاع غزة، ويتطرق دون قصد للرؤية التى تغذى بها رأسه عبر الهامسين. بقوله: «غزة منطقة مهمة، ولا بد من إعادة النظر فى أسلوب إعادة إعمارها»، لكنه خرج عن طور التلميحات، وطرح مقترحًا طالب فيه بـ«تهجير أو نقل سكان قطاع غزة إلى مصر والأردن ودولة آسيوية».
دلالات الطرح
وبعيدًا عن رفض مصر والأردن القاطع للاقتراح غير المدروس، لابد من الالتفات إلى دلالات طرح ترامب التى لا تقتصر فقط على تفريغ القضية الفلسطينية من مضمونها، وإنما تنفتح على «وعد بلفور جديد»، حرَّكته منذ فترة ليست بالقصيرة قوى اليمين المتطرف فى إسرائيل والولايات المتحدة، ومارست ضغوطات مستميتة لتمريره قبل انتخاب ترامب أو حتى عملية «طوفان الأقصى» فى 7 أكتوبر 2023.
بعد مرور أكثر من 100 عام على وعد بلفور الأول، لا يمكن الفصل بين دونالد ترامب والمصرفى البريطاني، أكبر زعماء اليهود فى بريطانيا اللورد ليونيل والتر روتشيلد، فعند العودة إلى 1917، تروى صفحات التاريخ تلقى روتشيلد فى 2 نوفمبر من العام ذاته رسالة من وزير الخارجية البريطانى آرثر بلفور، تعهَّد فيها الأخير بوقوف بريطانيا إلى جانب الحركة الصهيونية فى سعيها لإقامة وطن لليهود فى فلسطين. ربما لا يختلف اليوم عن البارحة؛ فالعائلة اليهودية التى هيمنت حينها على اقتصاد أوروبا وبريطانيا تحديدًا، هى ذاتها التى لم يسقط الاقتصاد الأمريكى من متاعها؛ وإذا كانت ترغب قبل 100 عام فى إقامة وطن ليهود العالم على أرض فلسطين، فانطلاقاتها التوسعية الراهنة تؤسس لدولة يهودية «من النيل إلى الفرات»، ولعل ذلك لن يقتصر على قطاع غزة والضفة الغربية، وإنما يمتد إلى لبنان وسوريا، وهو ما عكس مدى ترحيب اليمين الإسرائيلى المتطرف باقتراح ترامب إخلاء قطاع غزة من قاطنيه.
قيود القانون
إذا كان ذلك على المستوى الإقليمى فسنوات ترامب الأربع أو الثمانية إذا أعيد انتخابه لرئاسة البيت الأبيض تؤشر إلى حتمية تنفيذ أجندة العائلة اليهودية القديمة – الحديثة، ومن بين أهدافها: تفكيك وإعادة تجميع خريطة الشرق الأوسط والعالم بما يخدم مصالح إسرائيل ورعاة مشروعها، وإسقاط الأمم المتحدة للخلاص من قيود القانون الدولي، والتحرر من المؤسسات الدولية التى تكبل الولايات المتحدة - وفقًا للمنظور الرأسمالى - بالتزامات مالية. لم يغب ذلك عن عين المراقبين حين انسحب دونالد ترامب من منظمة الصحة العالمية، ووكالة المناخ التابعة للأمم المتحدة، وقبلهما منظمة الأونروا. وربما تنبأت صحيفة «إيكونوميست» البريطانية بجانب من تلك التحولات، مشيرة فى عددها الصادر بتاريخ 18 نوفمبر 2023 إلى أن «نجاح ترامب فى انتخابات الرئاسة فى 2024 يمثل كارثة على العالم أجمع؛ ففى الشرق الأوسط لن يتراجع ترامب عن خدمة إسرائيل دون حد ودون علاقة بمدى إثارتها للمواجهة فى المنطقة».
إذا احتل الحديث عن مصير قطاع غزة بعد اقتراح ترامب المريب محور اهتمام العقل الجمعى الإقليمى والدولي، وحمل معه احتمالية صدام (خشن أو ناعم)، فلا ينبغى تجاهل اندماج الإدارتين الأمريكيتين (الديمقراطية السابقة والجمهورية الحالية) فى سابقة هى الأولى من نوعها لحلحلة الأزمة قبل تنصيب دونالد ترامب، ويمكن ملاحظة ذلك خلال اجتماعات التوصل لوقف إطلاق نار فى غزة بالعاصمة القطرية الدوحة؛ وإذا عزا خطاب واشنطن الكلاسيكى هذا الاندماج إلى ديمقراطية البيت الأبيض بغض النظر عن هوية قاطنه، فالواقع غير المعلن يؤكد أن العدوان على غزة، ومحاولات إخلائه من الفلسطينيين، هو بالأساس مشروع أمريكي، حتى إذا احتفت به إسرائيل، ونالت قسطًا من عوائده، حسب اعتراف البروفيسور الإسرائيلى العقيد احتياط حنان شى فى لقاء مع إذاعة «كان» الإسرائيلية بتاريخ 31 أكتوبر 2023.
محور الديمقراطية
يقول الضابط الإسرائيلى نصًا: «الحرب التى نخوضها فى قطاع غزة ليست بيننا والفلسطينيين أو حتى حماس، وإنما هى جزء من مشروع الرئيس جو بايدن، الرامى إلى تفريغ القطاع لمد محور نقل التجارة والطاقة وغيرها من المحيط الهادئ عن طريق الهند إلى إسرائيل وربطه بحوض المحيط الأطلنطي، وهو المحور الذى يطلق عليه محور الديمقراطية، وينافس المحور الروسى ونظيره الصينى (الحرير) لربط الصين بحوض البحر المتوسط عبر أفغانستان وباكستان وإيران. بايدن أعد خطة عملاقة، ولعبت فيها إسرائيل دوراً حاسمًا، ولكى تصبح طرفًا محوريًا فى المشروع بات لزامًا عليها تحقيق انتصار حاسم فى قطاع غزة وإخلائه من قاطنيه».
نظرًا للدور الإسرائيلى فى المخطط الأمريكي، الذى يعد جزءًا أصيلًا فى «وعد بلفور الجديد»، لم يكن مستغربًا دفع الدوائر الرسمية وغيرها فى تل أبيب لتمرير مشروع تهجير سكان قطاع غزة. بتاريخ 28 أكتوبر 2023، نشر موقع «سيحا مكوميت» العبري، والمحسوب على معسكر اليسار الإسرائيلى وثيقة، أعدتها وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية (ليبية الأصل) جيلا جملائيل، وأوصت فيها بـ«تهجير سكان قطاع غزة قسرًا» إلى سيناء، ودعوة المجتمع الدولى إلى تأييد الخطوة، فضلًا عن «توعية سكان القطاع عبر برامج إسرائيلية بحتمية الهجرة من القطاع». ووفق ما جاء فى التقرير، دعت وثيقة الوزيرة الإسرائيلية أجهزة الأمن الإسرائيلية إلى تنفيذ عملية تهجير كامل سكان قطاع غزة إلى شمال سيناء. كما أوصت الوثيقة إسرائيل بسرعة التحرك لإجلاء سكان غزة إلى سيناء خلال فترة الحرب، وإنشاء مخيمات أو مدن جديدة فى شمال سيناء، لاستيعاب الغزاويين المرحَّلين. وبعد ذلك «إنشاء منطقة معقمة لعدة كيلومترات داخل مصر»؛ والحيلولة دون السماح للسكان الفلسطينيين بالعودة إلى القطاع أو الإقامة بالقرب من الحدود الإسرائيلية. وفى الوقت نفسه، يجب تسخير دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لتمرير الخطوة.
وثيقة معتمدة
الوثيقة التى تألفت من 10 صفحات، حملت تاريخ 13 أكتوبر 2023، (بعد أيام من طوفان الأقصى) ويظهر عليها شعار وزارة الاستخبارات الإسرائيلية. ونقل موقع «سيحا مكوميت» عن مسئول فى وزارة الاستخبارات الإسرائيلية أن «هذه الوثيقة صحيحة، وتم توزيعها على الجهاز الأمنى نيابة عن شعبة السياسات فى الوزارة، ولم يكن من المفترض وصولها إلى وسائل الإعلام».
وحسب ما جاء فى الوثيقة، تنقسم خطة ترحيل الغزاويين إلى عدة مراحل: فى المرحلة الأولى، يجب «إخلاء سكان غزة إلى الجنوب»، فى حين تركز ضربات سلاح الجو الإسرائيلى على شمال القطاع. وفى المرحلة الثانية، يبدأ اجتياح القطاع بريًا واحتلال كامل القطاع من الشمال إلى الجنوب، و«تطهير شبكة الأنفاق من مقاتلى حماس». ومع احتلال كامل القطاع، وفقًا لمراحل الخطة، ينتقل سكان القطاع تحت ضغوطات القصف الإسرائيلى إلى الأراضى المصرية، ولا يُسمح لهم (إسرائيليًا) بالعودة نهائيًا؛ وخلصت الوثيقة فى هذا الصدد إلى أنه «يتحتم ترك ممرات آمنة وصالحة للاستخدام باتجاه الجنوب، للسماح بإخلاء السكان المدنيين باتجاه مدينة رفح المصرية».
واقترحت الوثيقة حينها ما وصفته بـ«حملة توعية الغزاويين» عبر برامج إسرائيلية، تحرضهم على التجاوب مع الخطوة، والتخلى عن أرض القطاع، نظرًا لأنه «لم يعد هناك أى أمل فى العودة إلى الأراضى التى تحتلها إسرائيل. ونصت توصيات الوثيقة على خطاب الغزاويين بأسلوب واضح وصريح: «تسببت حماس فى خسارتكم لهذه الأرض، وليس هناك خيار سوى الانتقال إلى مكان آخر بمساعدة إخوانكم المسلمين» (فى سيناء).
حملة دولية
وأوصت الوثيقة أيضًا الحكومة الإسرائيلية بتسويق حملة دولية لترويج فكرة التهجير بطريقة لا تحرض ضد إسرائيل أو تشوه صورتها على اعتبار أن الخطوة ضرورية إنسانيًا وتحظى بتأييد العالم، لأنها تفضى إلى «سقوط عدد أقل من الضحايا بين السكان المدنيين».
ونصت وثيقة وزارة الاستخبارات الإسرائيلية فى حينه على حتمية تسخير الولايات المتحدة لتمرير الخطوة حتى تتمكن من الضغط على مصر لاستقبال سكان غزة، وتسخير الدول الأوروبية الأخرى، وخاصة اليونان، وإسبانيا، وكندا، للمساعدة فى القبول بتهجير سكان غزة. بالإضافة إلى ذلك، دعت الوثيقة إلى أن يكون لمصر «التزام بموجب القانون الدولى بالسماح بهجرة السكان الغزاويين إليها»؛ ومن الممكن أن تساهم الولايات المتحدة فى دفع الخطوة قدمًا عبر ممارسة «الضغط على مصر، وتركيا، وقطر، والسعودية، والإمارات للمساهمة فى المبادرة، سواء بالموارد أو باستقبال النازحين». وخلصت الوثيقة فى نهاية بنودها إلى أن «الهجرة الجماعية» للسكان من مناطق القتال هى «نتيجة طبيعية وضرورية» كما حدث أيضًا فى سوريا، وأفغانستان، وأوكرانيا؛ وأن ترحيل السكان وحده سيكون «ردًا مناسبًا» لتدشين قوة ردع كبيرة فى المنطقة بأكملها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...