فى مقدمتها «استراتيجية الطوق» أدلة تورط إسرائيل فى الإطاحة بالنظام السورى

علاقات سريَّة بين تل أبيب و «هيئة تحرير الشام » مهَّدت الطريق أمام قصر الرئاسة بدمشق

حتى دوائر الاستخبارات العالمية لم تتوقع سقوط نظام الأسد بهذه السرعة أمام تنظيم «هيئة تحرير الشام» والمتمردين، ما وشى بترتيبات ودعم غير معلن، ربما كان له بالغ الأثر فى تسريع وتيرة انهيار النظام السورى ورئيسه. تؤكد الشواهد أن إسرائيل التى صدَّرت فكرة «الثبات فى المحل»، والاكتفاء بمراقبة التطورات الحاصلة على الساحة السورية، لم تكن بعيدة عن صياغة مفردات المشهد القاتم، لا سيما حين أصرَّت على تحجيم القوى الراغبة فى الدفاع عن نظام الأسد. فمع اندلاع شرارة «طوفان الأسد»، وفقًا لتسمية الدكتورة كارميت ولنسي، وهى باحثة كبيرة فى معهد دراسات الأمن القومى الإسرائيلى (INSS)، ورئيس برنامج الجبهة الشمالية فى المعهد، حذرت تل أبيب طهران عبر رسائل سريَّة نقلتها محافل إقليمية من تدفق فيالق ومعدات عسكرية إيرانية للدفاع عن الأسد، لا سيما بعد احتلال الجماعات المسلحة مدينة حلب، التى تعد ثانى أكبر مدن سوريا.

ومع ضمان الحياد الإيراني، لم تخف إسرائيل تضامنًا وربما تحالفًا فى المقابل مع «قوات سوريا الديمقراطية» المناوئة لنظام الأسد، وهى قوات تتألف من أكراد سورييين، وتحظى بدعم عسكرى أمريكي. وخلال مراسم توليه حقيبة الخارجية خلفًا لوزير الدفاع الحالى يسرائيل كاتس، سوَّق وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر لحيادية حكومته عند التعليق على الأوضاع فى سوريا، وقال: «لا ننحاز لأى طرف فى سوريا»، لكنه تراجع سريعًا، وأردف: «الشعب الكردى أمة عظيمة، وواحدة من الأمم العظيمة التى لا تتمتع باستقلال سياسي. إنهم حلفاؤنا الطبيعيون».

عند حديثه عن تحالف إسرائيل مع أكراد سوريا، غض ساعر الطرف عما يُعرف بـ«نظرية الطوق»، وهى استراتيجية اختراق كلاسيكية إسرائيلية، ابتكرها الدبلوماسى المخضرم راؤوفين شيلوَّح، المستشار الأكثر قربًا من رئيس وزراء إسرائيل الأسبق دافيد بن جوريون. تهدف الاستراتيجية إلى دعم الأقليات والعرقيات غير العربية فى منطقة الشرق الأوسط للانقلاب على أنظمة الدول المعادية لإسرائيل؛ ولعبت النظرية ومعدوها دورًا كبيرًا فى دعم أكراد العراق ضد النظام البعثى خلال ستينيات القرن الماضي.

 نتنياهو يغرِّد

عبر النظرية ذاتها، لم ينقطع الدعم الإسرائيلى لأكراد سوريا؛ وبرغم سريَّة قنواته لكنه ظهر للعلن خلال هبوب رياح ما يعرف بـ«الربيع العربي»، وعبر تقارير صحفية تواترت من وقت لآخر حول تلقى أكراد شمال سوريا مساعدات لوجستية وإنسانية إسرائيلية.

فى أكتوبر 2019، وعلى خلفية بدء عملية عسكرية تركية شمال شرق سوريا، عُرفت حينها بـ«نبع السلام»، غرَّد بنيامين نتنياهو فى حسابه على موقع التواصل الاجتماعى X (تويتر سابقًا)، وبشكل يغاير السياسات الإسرائيلية السابقة إزاء العلاقات مع أكراد سوريا، أدان نتنياهو العملية التركية، محذرًا من مغبة ارتكاب جريمة تطهير عرقي؛ وأضاف أيضًا أن «إسرائيل ستبذل أقصى جهد لتقديم المساعدة للشعب الكردى الشجاع»، حسب كتاب «صعود وتراجع المشروع الكردى فى شمال سوريا» للباحثة هرييت أولسوب، والصحفى فلادمير ون فيلجنبورج.

حال العودة إلى سوابق الماضى غير البعيد، ربما لا ينبغى استبعاد نظرية «التحالف مع الشيطان» من معادلة الأمن الإسرائيلية، إذ أن ما يُعرف بـ«هيئة تحرير الشام»، هو نفس تنظيم «جبهة النصرة» قبل انشقاقه عن تنظيمه الأم «القاعدة». وفى أوْج الحرب الضروس بين التنظيم الإرهابى ونظام الأسد، ناقضت إسرائيل نزاهتها المعلنة عبر التحالف مع الأول ضد الثاني، وتبيَّن فى مارس 2015 خلال تحقيقات مع متهم إسرائيلى من سكان بلدة مجدل شمس فى الجولان أنه «سعى لتوثيق العلاقة الوطيدة بين إسرائيل و«جبهة النصرة». وانضمت الادعاءات إلى تقرير الأمم المتحدة، الذى أفاد حينها بتعاون إسرائيل مع الجماعات الإرهابية فى سوريا. ونشرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقريرًا بهذا الخصوص، أكدت فيه تلقى مصابى «جبهة النصرة» الرعاية الطبية فى مستشفيات إسرائيل، وصادقت على تقرير الصحيفة الأمريكية وسائل إعلام أخرى من بينها: موقعا VICE، وtimesofisrael.

 تقرير رسمي

معلومات الصحيفة الأمريكية أكدت حينها تقديم إسرائيل الرعاية الطبية لجرحى «جبهة النصرة»، واستشهد التقرير بتصريحات مسئول كبير فى جهاز الأمن الإسرائيلي، أكد فيها أن «إسرائيل قدمت الرعاية الطبية للجرحى دون التحقق من هويات القادمين من سوريا». واقتبست «وول ستريت جورنال» عن مصدر آخر أن «هناك تفاهمًا وألفة إسرائيلية مع القوى الموجودة فى الميدان السوري. لا أبالغ وأسمِّى ذلك تعاونًا. إنه تكتيكى تماما». وحسب التقرير، فإن معظم جرحى النزاع الدامى فى سوريا الذين تلقوا العلاج فى إسرائيل كانوا من تنظيم «جبهة النصرة»، وبعد استكمال علاجهم الطبى أعادتهم إسرائيل إلى حيث أتوا من الحدود السورية.

وينضم تقرير الصحيفة إلى تقرير رسمى للأمم المتحدة، تضمَّن أدلة على تقارب وتعاون إسرائيل مع الجماعات الإرهابية فى سوريا. وصف التقرير عدة وقائع كان فيها للجيش الإسرائيلى اتصالات مع الجماعات الإرهابية فى سوريا. على سبيل المثال، فى 27 أكتوبر 2014، رصدت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة «جنودًا من الجيش الإسرائيلى يفتحون بوَّابة ويسمحون لشخصين بالمرور من الجانب السورى إلى الجانب الإسرائيلي»، وتبيَّن أن الشخصين ينتميان إلى «جبهة النصرة». حينها أفادت أيضًا تغطية لصحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية بأنه «تم رصد ما لا يقل عن عشرة جرحى تم نقلهم إلى إسرائيل من قبل عناصر إرهابية مسلحة فى سوريا».

 منطقة مجنونة

بعد تحييد إيران، وضمان عجز روسيا عن حماية الأسد، خاصة فى ظل استنزاف قدراتها فى الحرب الأوكرانية، وربما دعم إسرائيلى غير معلن، أو على الأقل تعاون مع الجماعات المسلحة فى سوريا (قوات سوريا الديمقراطية، وهيئة تحرير الشام)، تدلَّت أقدام إسرائيل من مقعد وثير، وهى ترقب سقوط نظام الأسد، واعتبرت ما يجرى مجرَّد «تطورات حوْليَّة فى منطقة الشرق الأوسط، تحدث أحيانًا على شكل أشياء يستحيل رؤيتها بالعين المجرَّدة، لا سيما فى ظل عيش الجميع بـ«منطقة مجنونة»، لكل طرف فيها اهتمامات مختلفة، لا يرتبط بعضها دائمًا بالآخر»، حسب تعبير موقع «نتسيف»، المحسوب على دوائر أمنية فى تل أبيب.

الدكتور ميخائيل باراك، باحث أول فى المعهد الدولى لسياسات مكافحة الإرهاب، ومحاضر فى جامعة رايخمان، كان أكثر جرأة من غيره عند توصيف الحالة السورية الراهنة وعلاقتها بإسرائيل، مشيرًا إلى أنه ينبغى التريث بعد سقوط نظام الأسد، وأضاف: «الواقع يؤكد أننا أمام واقع قتل وافتراس، ولا ينبغى تجاهل انضمام فلسطينيين إلى صفوف «هيئة تحرير الشام»، وتطلعهم فى المستقبل – كما يقولون - إلى تحرير القدس. هناك الكثير من النغمات الإسلامية وعلماء الشريعة الذين نظموا حملات لدعم حماس، إلا أنه على المدى البعيد قد يكون العدو الضعيف المألوف أفضل من بديل راديكالى مجهول».

وفى حديثه لصحيفة «جلوبز» العبرية، اعترف الباحث المخضرم بالضلوع الإسرائيلى المباشر فى سوريا وغرض إسرائيل منه وسوابقه فى جبهات أخرى: «بمنظور إقليمى أيضًا، ضربنا حماس ولبنان، والآن سوريا، وبالتالى أصبحت القبضة الإيرانية أكثر ضعفًا، لكنه فى المقابل لا ينبغى استبدال (نظام سوري) شيعى متطرف بآخر سنِّى أكثر تطرفاً، لابد من قياس النبض دائمًا. والأهم من كل ذلك حاليًا هو الانتظار لرؤية مآلات ما بعد سقوط النظام».

 فرصة جيدة

الأيام وربما الساعات القليلة المقبلة تراها الأجهزة المعنية فى تل أبيب حاسمة بالنسبة للمستقبل السوري؛ ومن دون أدنى مبالغة قد تؤثر الأحداث على كامل المنطقة. وإلى جانب اجتماع تشاورى عاجل عقده رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو مع قادة أجهزته الأمنية فور أنباء سقوط نظام بشار الأسد، استشرفت دوائر إسرائيلية واقعًا دراماتيكيًا، لن يقتصر فى تأثيره على سوريا، أو خطوط تماسها مع دول الجوار، بل على منطقة الشرق الأوسط بأسرها. وفيما لم تعُد إسرائيل فى عجلة من أمرها إزاء ما يجرى فى سوريا، لكنها تدرك تموضعها أمام فرصة جيدة، زاد بها الموقف الإيرانى الإقليمى ضعفًا؛ وتود فى المقابل تفادى ثغرة الانفلات الأمنى المحتمل فى سوريا بعد رحيل الأسد.

فى هذا الخصوص يستعرض المحلل العسكرى الإسرائيلى يارون بن يشاى ما وصفه بالتهديد الأكثر خطورة، والذى يجب على إسرائيل تفاديه، وهو: تدحرُج منظومات الأسلحة، خاصة الصواريخ وربما الأسلحة الكيميائية الموجودة فى شمال ووسط سوريا إلى أيدى العناصر المتطرفة، بالإضافة إلى خطورة هيمنة الجماعات ذاتها على المناطق العسكرية، لا سيما المجمع الصناعى العسكرى ببلدة السفيرة جنوب شرق مدينة حلب.

ووفقًا لتقارير الرصد الإسرائيلية، ينتج المجمع الصناعى السورى صواريخ وقذائف تعتمد على خبرات إيرانية، بما فى ذلك صواريخ بالغة الدقة فى إصابة الهدف، فضلًا عن قدرات نوعية على إنتاج أسلحة كيميائية، وربما تكون هناك أيضًا كميات صغيرة من الأسلحة الكيميائية التى وفَّرها نظام بشار الأسد ليوم الحاجة.

 	محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

الطريق إلى المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مفروش بالألغام الداخلية

هلا أبو سعيد: حكومة الاحتلال تتغذى على الحروب.. والعدو لايلتزم باتفاقات حسن صبرا: «عبدالناصر» قالها زمان.. السلام بدون دفاع عنه...

القوات المسلحة تطلق سلسلة أفلام «حكاية بطل » تخليداً لبطولات الشهداء

أعلن المتحدث العسكري للقوات المسلحة عميد أركان حرب غريب عبد الحافظ غريب، إطلاق سلسة أفلام "حكاية بطل" على الصفحات الرسمية...

عبدالمنعم رياض.. قاهر الخونة والأعداء

سيد شهداء معارك الكرامة الوطنية

10 توجيهات رئاسية لمواجهة التداعيات الإقليمية وتأمين احتياجات المصريين

تحسين جودة الخدمات الموجهة للمواطنين.. والتوسع فى إقامة السلاسل التجارية تطوير الصناعات الدفاعية.. وتعزيز قدرات شركات الإنتاج الحربى