حين قهرنـا أسطورة العدو ..عوامل الانتصار فى معركة الأعوام الستة

الدولة المصرية تقف على أرض ثابتة.. بصلابة جيشها ووحدة شعبها أرواح شهداء أكتوبر ترفرف على أرض سيناء.. وأبطالنا على العهد والوعد خطة خداع العدو بالقمح الفاسد والمصابيح المهربة والدبابات المعطلة لا أحد يزايد على قدرات المصريين.. ونتائج المعارك تحسمها عزائم الأبطال

ها هى الذكرى الـ51 لحرب أكتوبر المجيدة تحلّ علينا، وسط صراعات وحروب يموج بها الإقليم من حولنا، فالمحتل الغاصب لا يعبأ بقوانين أو مواثيق أو عهود، ويواصل عربدته فى المنطقة بحماية "أمريكية ـ غربية". ها هى ذكرى الانتصار العظيم على العدو الصهيونى تهل علينا والدولة المصرية تقف صامدة فى مواجهة الأنواء العاتية التى تمر بها المنطقة والإقليم من حولنا، بفضل قوة جيشها ووحدة شعبها.

وإذا كان البعض نجح فى استغلال حالة الوهن والضعف التى تمر بها الأمة العربية فعليه أن يقف أمام قدرات الدولة المصرية وصلابة شعبها. وعلى الجميع أن يدرك جيدًا أن حرب أكتوبر لم تكن مجرد معركة خاضتها مصر وحققت فيها أكبر انتصاراتها، وإنما كانت اختبارًا تاريخيَا حاسمًا لقدرة الشعب المصرى على أن يفعل المستحيل، ويترجم الأمل المنشود إلى عمل.

على الجميع أن يعيد حساباته

لقد فرضت حرب أكتوبر على الخبراء والمحللين أن يراجعوا أنفسهم ويعيدوا حساباتهم وأن يأخذوا بعين الاعتبار أن نتائج المعارك لا تُحدّد فقط حسبما يتوافر لدى كل طرف من سلاح وعتاد، وإنما تتحدد أساسًا بإرادة الرجال وعزائم الأبطال؛ القادرين على اختراق أضخم الحصون وهز رواسخ الجبال. 

منذ أحداث "طوفان الأقصى" فى السابع من أكتوبر الماضي، وعلى مدار عام كامل لم يستطع جيش الاحتلال تحقيق أى من أهدافه الاستراتيجية، خاصة ما يتعلق منها بتنفيذ مخطط تهجير أهالى غزة إلى سيناء، ويرجع الفضل فى ذلك إلى صمود الموقف المصرى الرافض لأية محاولات من شأنها تفريغ القضية  الفلسطينية من مضمونها، أو حل المشاكل الإسرائيلية على حساب الدولة المصرية.

إذا كان المحتل الإسرائيلى يتناسى أو يتجاهل انكسار جيشه تحت أقدام جنودنا البواسل فى حرب التحرير والكرامة فعليه أن يراجع حساباته جيدًا قبل أن يفكر فى استفزاز المصريين، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بتراب أرض سيناء.

 ستظل أعلامنا مرفوعة

من المعلوم  بالضرورة، أنه بعد نكسة 1967؛ انكسرت إرادة الأمة العربية من المحيط إلى الخليج، ولكن لم تنكسر عزيمة رجالنا فى القوات المسلحة المصرية، وراح كل قائد فى موقعه يعيد ويرمم ما أفسدته ضربات العدو فى معركة لم يخضها جيشنا العظيم من الأصل. وقد صدق الرئيس السادات فى خطابه التاريخى حينما خاطب الشعب المصرى من تحت قبة البرلمان بعد العبور العظيم، قائلاً:" عاهدت نفسى وعاهدتكم على أن جيلنا لن يسلم أعلامه إلى جيل سوف يجيء بعده منكسة أو ذليلة، وإنما سوف نسلم أعلامنا مرتفعة هاماتها، عزيزة صواريها.. قد تكون مخضبة بالدماء، لكننا ظللنا نحتفظ برؤوسنا عالية فى السماء وقت أن كانت جباهنا تنزف الدم والألم والمرارة".

وها هى قواتنا المسلحة تقف شامخة الرأس، عالية الهامة بين جيوش العالم، بفضل تدريباتها الشاقة وتسليحها المتطور، وعيونها التى لا تنام عن أى خطر يتهدد الأمة ومقدرات شعبها. ولمناسبة الذكرى الحادية والخمسين لحرب أكتوبر المجيدة، وجدنا لزامًا علينا استعراض جانب من عوامل النصر المظفر الذى حققته قواتنا المسلحة على جيش الاحتلال فى حرب أكتوبر المجيدة.

 استخلاص الدروس والعبر

بداية نود التأكيد أن حرب أكتوبر 73 ستظل  مرجعا تاريخيا على المستويين العسكرى والسياسى لاستخلاص الدروس والخبرات من أحداثها، كما أن هناك حاجة ملحة لذلك الآن كى نتعلم كيفية مواجهة المشروع الاستعمارى الغربى  الإسرائيلي، الذى بدأ تنفيذه فى المنطقة.

وللوقوف على تأثير حرب أكتوبر عموما، لابد من عرض الفكر الاستراتيجى الذى بنى عليه التخطيط للحرب، والنتائج التى تحققت نتيجة استخدام وتنفيذ هذا الفكر، سواء فى التخطيط والإعداد للحرب، أو أثناء القتال والحرب ذاتها، ثم بعد الانتهاء من القتال، ووقف إطلاق النيران.

بعد نكسة 1967، رفض الشعب تنحى القيادة السياسية( الزعيم جمال عبد الناصر)، وأصر على استكمال الحرب لاستعادة وتحرير الأرض تحت القيادة نفسها، وتأييدها فى ما تتخذه من قرارات لاستعادة ما سلب من الأراضى المصرية. وقد استقرت القيادة السياسية على تحديد الأهداف الاستراتيجية لمعالجة آثار الهزيمة، والعمل على تحرير الأرض.

 ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة 

فى ضوء هذا التكليف الشعبي؛ وضعت القيادة السياسية (الزعيم جمال عبد الناصر) مبدأ عاما وهدفا رئيسيا، وهو "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة". وهو ما يعنى عدم الاعتراف بالهزيمة  التى تؤدى إلى الاستسلام، كما كانت  تريد الدولة الصهيونية والدول الداعمة لها. وفى ضوء مبدأ  "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"،  فرضت مصر أمرا واقعا، يقوم على  أن الصراع فى المنطقة سيظل مستمرا، مع تحويل مفهوم حرب يونيو إلى أنها ما هى إلا معركة من معارك الصراع "العربي- الإسرائيلي"، وأن الحرب بمفهومها الواسع لا تزال قائمة.

وجاء ذلك لتدعيم العقيدة العسكرية المصرية، التى ستبنى عليها العقائد التخصصية للقوات المسلحة بأفرعها المختلفة، وفى مجالاتها المختلفة أيضا مثل التدريب والتسليح، وما يلزم ذلك من إجراءات تنفيذية.

 علاج الاختلالات التشريعية

تسبب غياب المؤسسات التشريعية لشئون الدفاع عن الدولة مع تنظيم أسلوب القيادة والسيطرة على القوات المسلحة فى إحداث فجوة بين الاستراتيجية السياسية التى كان يتبعها رئيس الجمهورية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبين الاستراتيجية العسكرية التى كان يخطط لها ويديرها وزير الحربية، الأمر الذى أخل بالتوازن بين المستويين، وهبط بالاستراتيجية العسكرية، وجعلها دون مستوى الاستراتيجية السياسية، وفشلت فى مساندتها أو اللحاق بها؛ لذا، حدث تحول جديد فى الفكر الاستراتيجى الجديد، عندما رأت القيادة السياسية المصرية تطوير أسلوب اتخاذ القرارات الاستراتيجية باتباع النهج العلمى المؤسسي، وإتباع أحدث ما وصلت إليه العلوم الاستراتيجية، وذلك بإنشاء آليات جديدة لاتخاذ قرار الحرب.

ولتحقيق هذا الغرض صدرت عدة تشريعات  ساعدت على وضع السياسة العسكرية للدولة المصرية، ودراسة التحديات والتهديدات، وتقييم المخاطر ودرجاتها، وأنسب أسلوب لمواجهتها (إعداد دولة وقوات مسلحة - تكاليف الحرب المنتظرة ماديا وبشريا - توقيتها ومدتها اللازمة- الوضع السياسى المناسب)، واتخاذ قرار الحرب فى الوقت المناسب، وتأكيد أن قرار الحرب أصبح مؤسسيا، وليس فرديا.

 تهيئة المسرح السياسى للحرب

ركزت  السياسة الخارجية المصرية على رفض الهزيمة العسكرية، وعملت على كسب الوقت فى أى مباحثات أو مفاوضات، حتى تتم إعادة واستكمال القدرة العسكرية المصرية لتكون داعمة فى الوصول لحل المشكلة.

- عملت الدبلوماسية المصرية على إقناع الرأى العام العالمى بأن مصر لا تريد الحرب من أجل الحرب، وإنما من أجل استعادة أرض مغتصبة بالقوة، وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني.

وكان منهج ووسيلة العمل السياسى العربي، على الصعيدين الدولى والدبلوماسي، فى الفترة بين حربى 1967 و1973، أن أى مباحثات أو مفاوضات لمبادرات لحل الأزمة تتعامل من قاعدة الأساس، وهو قرار مجلس الأمن الدولي، المعروف بالرقم .242 الذى قبلته آنذاك كل من مصر والأردن، ورفضته سوريا. وعين الأمين العام للأمم المتحدة مبعوثا شخصيا له، هو السويدى جونار يارنج، ليقوم بالاتصالات مع مصر، والأردن، وإسرائيل، من أجل تنفيذ أحكام قرار مجلس الأمن. وقد استمر هذا الوسيط الدولى فى اتصالاته حتى نشبت حرب أكتوبر  1973 .

وإلى جانب مهمة الوسيط الدولى وجهوده، نشطت وساطات ومبادرات متعددة، انتهت جميعها، ومعها جهود الوسيط الدولي، إلى الفشل بسبب تعنت إسرائيل، وتهربها من الالتزام بأحكام القرار  242، خاصة ما يتعلق بالانسحاب من الأراضى المحتلة، وهو ما دعا مصر إلى اللجوء إلى مجلس الأمن فى يوليو 1973 لمناقشة  المأزق الذى وصلت إليه المساعى لحل الأزمة. وكانت تأمل القيادة السياسية فى استصدار قرار من المجلس، يوضح ويعدل القرار 242، فى شأن الانسحاب من الأراضى المحتلة وحقوق الشعب الفلسطيني؛ غير أن مشروع القرار، رغم الأكثرية اللازمة، سقط بحق الفيتو، الذى استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية، والذى استندت إليه واستخدمته مصر كمسوغ لبدء الحرب.

 إعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة

ما إن توقفت الحرب فى 10 يونيو عام 1967، حتى بدأت الدولة المصرية فى تعديل أوضاعها، ووضع الأسس والمبادئ السياسية والعسكرية السليمة لإعادة تنظيم وبناء القوات المسلحة على أسس علمية. وكانت أولى الخطوات هى البدء فى إعادة بناء القوات، والإعداد المعنوى والعملى للمقاتل، وكذا إعداد الجبهة الداخلية.  وأصدرت القيادة العسكرية المصرية توجيهات قبل أن ينتهى شهر يونيو 1967، كان أهمها عدم السماح بارتداد أى فرد أو أى معدة من الخطوط الدفاعية الحالية.

كما سارعت القوات المسلحة المصرية على امتداد الجبهة بتنظيم الدفاعات بما تيسر لها من قوات وإمكانيات، إضافة إلى ما وصل من مساعدات الدول العربية والصديقة، التى سارعت بإرسال أسلحة ومعدات، إلى جانب تنفيذ الاتحاد السوفيتى لبعض عقود صفقات أسلحة قديمة، مما مكّن من إنشاء وحدات فرعية، ووحدات وتشكيلات ميدانية جديدة لتصل كفاءة القوات المسلحة إلى نحو 50٪ من الكفاءة المقررة لها فى نهاية عام1967.

 تجهيز مسرح العمليات للحرب

استطاعت القوات المصرية أن تحشد، فى شهر نوفمبر 1967، خمسة ألوية مشاة، ولواءين مدرعين، وخمس كتائب صاعقة، على طول القناة، وتوالى الحشد  حتى أصبح النسق الدفاعى الأول بطول 170كم، وعمق  60كم.

وكان جهد القيادة المصرية منصبا على إعادة بناء القوات المسلحة، وتدريبها، وتسليحها. وكانت أولى المهام عدم تمكين العدو من عبور القناة غربا.

وتطلب ذلك تجهيز مسرح العمليات هندسيًا، ابتداء بما يسمى بـ"الحفر البرميلية" لكل فرد لتأمينه ضد نيران مدفعية وقذائف طائرات العدو، إلى جانب إنشاء تجهيزات إيواء وتأمين الأسلحة، وإنشاء الخنادق الدفاعية، ومرابض الاشتباك للأسلحة.

أما على المستوى الاستراتيجي، فقد تم إنشاء التجهيزات الميدانية لكتائب الصواريخ، ورادارات الإنذار لوحدات وتشكيلات قوات الدفاع الجوي، إلى جانب إقامة الطرق والمدقات الطولية والعرضية.

وتحت ضغط أعمال العدو اليومية، تمت إعادة تنظيم القوات المسلحة، وتجميع القوات المتيسرة فى منطقة القناة، وعلى ضفتها الغربية. كما تم تجهيز مسرح العمليات بما هو متاح من تجهيزات هندسية للمعدات، والأسلحة، والأفراد.

وتمت دراسة كل المشكلات والمصاعب التى ستواجه أى خطة لتحرير الأرض، فجاءت فكرة مضخات المياه، وسلالم الحبال للتغلب على الساتر الترابي، وفتح الثغرات فيه، وفكرة استخدام المركبات البرمائية، وإنشاء المصاطب العالية غرب القناة لمرابض النيران للدبابات. وقبل كل ذلك، تم اختيار توقيت العبور لتحقيق الهجوم مع القوات السورية فى توقيت واحد، والتغلب على الخصائص الطبيعية لقناة السويس من مد وجزر، وسرعة التيار.

 تهيئة الساحة الدولية لإعلان الحرب

أدى إغلاق قناة السويس إلى تأثر حركة التجارة العالمية، خاصة فى مجال النفط، لزيادة طول خطوط المواصلات، وتعرضها للمخاطر، وزيادة تكلفة الشحن، مما  دفع الدول الكبرى إلى القيام بمحاولات كثيرة لتحقيق السلام بين الأطراف المتصارعة. فقدمت الأمم المتحدة مبعوثها الخاص جونار يارنج، الذى بذل جهودا كبيرة لتقريب وجهات النظر، إلا أنه فشل بسبب التعنت الإسرائيلي. وقدمت الولايات المتحدة مقترحاتها للحل، وبعثت وزير خارجيتها "روجرز"، الذى ظل يعمل بين فشل ونجاح، حتى استطاع الوصول إلى وقف إطلاق النيران فى أغسطس عام 70، ثم تجمد الموقف على ذلك فى حالة الـ"لا سلم ولا حرب" بسبب الوفاق بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة. وتراجعت قضية الشرق الأوسط للأولوية الثالثة من الاهتمام الدولي، ووفقت الدول الغربية أوضاعها على تحمل آثار إغلاق قناة السويس، مما دفع إسرائيل للاستمرار فى التعنت ورفض السلام.

 الفكر الاستراتيجى فى حرب أكتوبر

اعتمدت مصر على ذاتها، ووضعت استراتيجيتها لتنفيذ مبدأ "ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"، فانتهجت حرب الاستنزاف منهجا وطريقا لإعادة بناء القوات المسلحة تنظيميا، وتدريبيا، ومعنويا، وبناء الدفاعات غرب القناة، مع استمرار القتال. كما استخدمت الدبلوماسية لإثبات أنها  تسعى إلى الانسحاب الإسرائيلى وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني، وإقناع العالم بصفة عامة، والاتحاد السوفيتى بصفة خاصة، بأننا لا نريد الحرب من أجل الحرب، مع المحافظة على صلابة الجبهة الداخلية، والتضامن العربي، وذلك لتهيئة المسرح السياسى الدولى والإقليمى لاسترداد الحقوق المشروعة.

 فرصة لخروج إسرائيل  من أزماتها

وجدت الولايات المتحدة أن استمرار الحرب لا يحقق مصالحها أو مصالح إسرائيل، لذلك قدمت مبادرة "روجرز"، التى جاء فى نصها: "تعلن أطراف النزاع فى الشرق الأوسط، وتنفذ وقفا محدودا لإطلاق النار، مدته تسعون يوما.

كانت المبادرة بهذه الصيغة المتوازنة تنبع من روح قرار مجلس الأمن 242، وقبلتها مصر لإعطاء فرصة للقوات المسلحة لاستعادة كفاءتها القتالية، بعد حرب متصلة استمرت قرابة الألف يوم. ووجدت فيها إسرائيل فرصة للخروج من أزمتها، وإيقاف نزيف الخسائر الذى تتعرض له ولاستعادة كفاءة خط بارليف. وقبلت الأطراف المبادرة، وأعلن وقف إطلاق النيران بدءا من يوم 8 أغسطس 1970. وكانت القوات الإسرائيلية قد فقدت خلال حرب الاستنزاف أربعين طيارا، و827 فردا فى القوات البرية، و3141 ما بين جريح وأسير. وفى المجال الاقتصادي، زاد حجم الإنفاق العسكرى بما مقداره 300٪ تحملها أفراد الكيان الصهيونى.

 تفاصيل خطة الخداع الاستراتيجي

تم تهيئة مسرح العمليات سياسيا وعسكريا واقتصاديًا، ولم يتبق سوى وضع خطة خداع استراتيجي؛ تسمح بالتفوق على التقدم التكنولوجى والتسليحى الذى يملكه العدو، وذلك عن طريق إخفاء أى علامات للاستعداد للحرب، حتى لا يقوم بضربة إجهاضية للقوات المصرية فى مرحلة الإعداد للحرب. واشتملت

  خطة الخداع على ستة محاور رئيسية:

المحور الأول قام على ضرورة  تكوين احتياطى استراتيجى من القمح لتأمين الجبهة الداخلية. وحتى لا يلتفت العدو لهذه الخطوة، تم اصطناع فضيحة إعلامية، تزعم أن أمطار الشتاء أتلفت محصول القمح فى الصوامع. وقد بلع العدو الطعم ولم يلتفت لكميات الأقماح التى استوردتها الدولة المصرية استعدادًا للحرب.

المحور الثانى فى خطة الخداع الاستراتيجي، ارتكز على إخلاء المستشفيات تحسبًا لحالات الطوارئ، ولتحقيق هذا الهدف تم  تسريح ضابط طبيب من الخدمة، وتعيينه بمستشفى "الدمرداش"، ليعلن عن اكتشافه تلوث المستشفى بميكروب، ووجوب إخلائه من المرضى لإجراء عمليات التطهير. وفى اليوم التالي، نشرت صحيفة الأهرام الخبر، معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوث قد وصل إلى مستشفيات أخرى، فصدر قرار بإجراء تفتيش على بعض المستشفيات، وإخلاء البعض الآخر.

المحور الثالث، انصب على استيراد مصادر بديلة للإضاءة، فى أثناء تقييد الإضاءة خلال الغارات، ولتحقيق ذلك قام أحد المندوبين بالتنسيق مع مهرب قطع غيار سيارات لتهريب صفقة كبيرة من المصابيح مختلفة الأحجام. وبمجرد وصول الشحنة، كان رجال حرس الحدود فى الانتظار، واستولوا عليها كاملة، وتم عرضها بالمجمعات الاستهلاكية.

 تضليل العدو بالدبابات المعطلة 

المحور الرابع والأهم فى خطة الخداع الاستراتيجي، تعلق بتضليل العدو لحين نقل المعدات القتالية للجبهة، وتم ذلك من خلال نقل ورش الصيانة إلى الجبهة، ودفع الدبابات إليها بحجة إصابتها بأعطال.

وبالنسبة لنقل معدات العبور والقوارب المطاطية، فقد سربت المخابرات الحربية تقريرا يطلب فيه الخبراء استيراد كمية مضاعفة من معدات العبور، مما أثار سخرية إسرائيل. وقد وصلت الشحنة بالفعل، وظلت ملقاة بإهمال على رصيف الميناء، فى ظل إجراءات أمنية توحى بالاستهتار واللامبالاة، حتى نقلت سيارات الجيش نصف الكمية إلى منطقة صحراوية بضاحية (حلوان)، وتم تكديسها وتغطيتها على مرمى البصر فوق مصاطب لتبدو ضعف حجمها الأصلي، فى ما قامت سيارات مقاولات مدنية بنقل الكمية الباقية للجبهة مباشرة.

المحور الخامس لخطة الخداع الاستراتيجي، تمثل فى إجراءات خداع ميدانية، حيث إنه فى يوليو 1972، صدر قرار بتسريح 30 ألفا من المجندين منذ عام 1967، وكان معظمهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية،  كما تم الإعلان عن مشروع استراتيجى تعبوى خلال الفترة من 22 إلى 25 سبتمبر، وهو مكرر فى خطة التدريب أكثر من مرة سنويًا، وتتم فيه الإجراءات كاملة من تحرك وفتح القوات، وقيامها برفع درجة الاستعداد القصوى للجيش، وإعلان حالة التأهب فى المطارات والقواعد الجوية، مما يضطر إسرائيل لرفع درجة استعداد قواتها، تحسبا لأى هجوم، ثم يعلن بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتيني، حتى جاء يوم 6 أكتوبر، فظنت المخابرات الإسرائيلية أنه مجرد تدريب آخر.

 من داخل غرفة العمليات

قبل ساعات من بدء الحرب، كانت الأوضاع تبدو هادئة، إلا أنه فى  تمام الساعة الثانية عشرة ظهرًا صدرت الأوامر إلى رئيس هيئة العمليات بإبلاغ القيادات بنزع خرائط المشروع الاستراتيجي، ووضع خرائط خطة العمليات الحقيقية، و تم إغلاق جميع الأبواب، وفى نفس الوقت توجه وزير الدفاع  اللواء احمد إسماعيل إلى قصر الطاهرة لاصطحاب الرئيس السادات إلى مركز العمليات دون علم أى أحد.

كان اللواء حسن الجريدلي، رئيس هيئة العمليات فى استقبال القائد الأعلى للقوات المسلحة بصحبة وزير الحربية، وكانت أعصابه مشدودة ـ حسب روايته ـ  حيث سيتقرر مصير تلك الأمة خلال ساعة واحدة فقط.

وقال "الجريدلي" للرئيس السادات: "بالتوفيق و بإذن الله ربنا سينصرنا فى معركتنا", فرد قائلا و هو يشد على يديه: على بركة الله.

اتجه الرئيس "السادات" إلى الغرفة الرئيسية و اتخذ موقعه على المنضدة الرئيسية وعلى يمينه الفريق أحمد إسماعيل وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة, وعلى يساره الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان وبجوار الفريق احمد إسماعيل، وقف اللواء "الجريدلي" و أمامه وسائل الاتصال المختلفة والخاصة بالقائد العام. بدأت العيون تتعلق بعقارب الساعة، فى انتظار ساعة الصفر الساعة 2 وخمس دقائق.

 بشائر نجاح الضربة الجوية

فى تمام الساعة الواحدة و خمسين دقيقة بدأ تسجيل خروج الطائرات من قواعدها و تمت الضربة الجوية الأولى بنجاح و بمكالمة بشر بها اللواء طيار محمد حسنى مبارك قائد القوات الجوية. و على المنضدة الرئيسية يحدث موقف قاس حيث همس الفريق احمد إسماعيل فى أذن الرئيس السادات وأبلغه باستشهاد شقيقه عاطف السادات، والذى رد بكل شجاعة بعدها: كلهم أولادى و كلهم شهداء فى الجنة. بعد قليل, دخل اللواء محمد سعيد الماحى قائد المدفعية ليعطى تمامًا ببدء تمهيد المدفعية..  (2000) مدفع ميدانى تطلق قذائفها معا على الضفة الشرقية ولمدة 53 دقيقة.

وقد صبت المدفعية على مواقع العدو ما يبلغ زنة(3000) طن من الذخيرة، وكان عدد دانات المدفعية فى الدقيقة الأولى (10500) دانة؛ بمعدل175 دانة كل ثانية. و ليبدأ بعدها عبور القناة بالقوارب المطاطية ليكون على الضفة الشرقية خلال الدقائق الأولى (8000) مقاتل بطل، وصلوا إلى 50 ألفًا قبل غروب يوم السادس من أكتوبر.

 معجزة على أعلى مقياس عسكرى

على الجميع أن يتذكر جيدًا، أنه فى حرب أكتوبر 1973،  قامت القوات المسلحة المصرية بمعجزة على أعلى مقياس عسكري، حيث استوعبت العصر كله تدريبًا وسلاحًا بل وعلمًا واقتدارًا،  وحينما صدر لها الأمر أن ترد على استفزاز العدو وان تكبح جماح غروره؛ أثبتت نفسها،  وأخذت  زمام المبادرة وحققت مفاجأة العدو وأفقدته توازنه بحركاتها السريعة.

إن التاريخ العسكرى سوف يتوقف طويلاً أمام عملية يوم 6 أكتوبر 1973، بالفحص والدرس، حيث تمكنت قواتنا  من اقتحام مانع قناة السويس الصعب واجتياز خط بارليف المنيع وعبور الضفة الشرقية من القناة بعد أن أفقدت العدو توازنه فى ست ساعات.

وعن المعجزة التى تحققت فى حرب السادس من أكتوبر؛ قال الرئيس السادات من (51) عامًا، ومن بعده نقول: لقد كانت المخاطرة كبيرة والتضحيات عظيمة خلال الساعات الست الأولى من الحرب.. لقد أفقدنا العدو توازنه خلال هذه الفترة القصيرة،  والواجب يقتضينا أن نسجل باسم هذا الشعب وباسم هذه الأمة ثقتنا المطلقة فى قواتنا المسلحة.. ثقتنا فى قياداتها التى خططت، وثقتنا فى شبابها وجنودها الذين نفذوا بالنار والدم.. ثقتنا فى إيمان هذه القوات المسلحة فى قدرتها على استيعاب هذا السلاح.. باختصار نؤكد  أن هذا الوطن عليه أن يطمئن ويأمن بعد أن أصبح له درع وسيف.

Katen Doe

مسعد جلال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

تحركات مصرية عاجلة لدعم الصومال وإعمار واستعادة استقرار السودان
خطاب عمره 52 عامًا يحدد آليات التعامل مـع الغطرسة الإسرائيلية فى المنط
وقائع الاستيلاء على موقع تبــة الشجرة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص