نعم.. سوف يأتى يوم نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه، كيف حمل كل منا أمانته وأدى دوره، كيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ساد فيها الظلام،
ليحملوا مشاعل النور، وليضيئوا الطريق حتى تستطيع أمتهم أن تعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء... كلمات أوردها الرئيس السادات فى خطاب نصر أكتوبر، وبقيت - على مدى السنين - حكمة متوارثة من جيل لجيل.
وبعد نصف قرن من الملحمة، نستدعى نماذج البطولة وأمثلة الفداء لجيل من عظماء العسكرية المصرية وفى قلبهم صورة الفدائى مرتضى موسى الملقب بـ "قاهر خليج السويس" والذى تم تكريمه فى مجلس الشعب عام 74، فمنحته القوات المسلحة نجمة سيناء العسكرية.. أرفع وسام يمنح للبطولات الاستثنائية فى حرب أكتوبر المجيدة.. معا نقلب صفحات حياته ونروى المزيد عن تفاصيل بطولته الخالدة.
حسناً فعلت جهات الاختصاص بقواتنا المسلحة حين سجلت تفاصيل إحدى أهم العمليات القتالية للبطل مرتضى موسى، حيث أصدرت - قبل سنوات بعيدة - كتيباً تحت عنوان "فدائى البحرية" وازدانت صفحاته بلمحات من سيرته وقطوف من بطولته، ليبقى الضابط "مرتضى" علما خالداً ضمن رجال الاستطلاع البحري، ويظل مشعلاً يضئ الطريق للأجيال التالية، فواصل العطاء حتى رحل عن دنيانا فى العاشر من سبتمبر عام 2021 تاركاً نموذجاً خالداً لمعنى التضحية والفداء.
ولد البطل مرتضى موسى بقرية "أتميده" إحدى قرى الدقهلية فى مارس من عام 1941، وتعلم القراءة والكتابة وحفظ ما تيسر من القرآن الكريم، ثم انتقل إلى إحدى المدارس الأميرية فى قرية مجاورة، وتدرج فى سنوات الدراسة إلى أن وصل إلى المرحلة الإعدادية، فتقدم للالتحاق بمدرسة كوم النور الثانوية، إلا أنه ما أن بدأت الدراسة حتى وقع العدوان الثلاثى على مصر عام 56، فأغلقت المدارس، وبدأ التدريب العسكرى بالمعسكرات للشباب، وتوالت الأخبار عما يرتكبه العدو الغاشم من قتل وسلب ونهب لأهالى سيناء وبورسعيد حين تكاتفت قوى البغى المتمثلة فى انجلترا وفرنسا واسرائيل فى محاولة لتدمير قواتنا المسلحة والنيل من ثورة يوليو المجيدة، وتوالت الأخبار عن بسالة أبناء بورسعيد فى الزود عنها.. كان ذلك بمثابة الشرارة التى أشعلت فى نفس "مرتضى" روح المقاومة، فما أن عادت الدراسة حتى أعلنت القوات المسلحة عن طلب متطوعين من حملة الشهادة الإعدادية للانضمام إلى القوات البحرية، فأبلغ مرتضى والده برغبته فى الانضمام للبحرية، واحتاز اختبار القبول بنجاح فى 5 أكتوبر 1959.
بدأ "مرتضى" مراحله تعليمه فى مركز التدريب البحري، وما كاد ينتهى من المرحلة التدريبية الأولى حتى تم الإعلان عن تشكيل الصاعقة البحرية لتكون مهمتها القيام بالأعمال الفدائية، فكان أول المتقدمين بطلب الانضمام إليها.
كان البطل ضمن الرجال الذين بعثت بهم مصر لمساندة الثورة اليمنية، واستمر يخدم فيها 11 شهراً ليعود إلى مصر، ثم رشحه بعض القادة ليسافر معهم مرة أخرى إلى اليمن لتظهر من جديد خبراته فى فن القتال وحسن التصرف، فيتم منحه ترقية استثنائية إلى درجة الرقيب.
عاد "مرتضى" من عمليات اليمن ولم يتوان عن التدريب، فتقدم لحضور فرقة القفز بالمظلات واجتازها باقتدار، وكان ترتيبه الأول على الفرقة، ثم التحق بفرقة الضفادع البشرية بالقوات البحرية، واجتازها بتقدير جيد جدا، وعاد إلى اليمن مرة ثالثة بطلا مؤمنا واثقا من نفسه وسلاحه وقادته.
اندلعت حرب الخامس من يونيو 67 وكان الرقيب "مرتضى" فى أجازة ميدانية، فقطع أجازته وقدم نفسه إلى قيادة القوات البحرية رغبة منه فى أن يشترك فى القتال، ولكن ما لبثت المعركة أن انتهت قبل أن تبدأ فلم يتحقق له ما أراد.. وتبع هذه الفترة إعادة تنظيم الصاعقة البحرية، فتم اختياره ضمن مجموعة للعمل خلف خطوط العدو تحت قيادة العميد الشهيد أركان حرب ابراهيم الرفاعي، وكان على هذه المجموعة إمداد القوات المسلحة بالمعلومات العسكرية عن موقف العدو فى الضفة الشرقية لقناة السويس من حيث أوضاعه ومعداته وتسليحه وإمكانياته، بالإضافة إلى بث الألغام على الطرق والمحاور شرق القناة لتدمير آلياته ومجنزراته.
وهكذا استمر الحال إلى أن تقرر تشكيل مجموعات استطلاع للعمل فى عمق العدو، ففضل مرتضى أن ينضم إليها.. وكان تدريب تلك المجموعات يجرى تحت إشراف اللواء محمد عبد الغنى الجمسى نائب مدير المخابرات الحربية والاستطلاع فى ذلك الوقت، ولطالما كان سيادته يشرف على التدريب بنفسه ويقوم بالتوجيه والتوعية ورفع معنويات الفدائيين من أجل ذلك اليوم العظيم الذى تلقن فيه قواتنا المسلحة العدو درساً لن ينساه، فكان ذلك يدفع مرتضى إلى بذل الجهد والعرق من أجل إنجاز المهام، فتم تكليفه بعدة عمليات تم إنجازها بنجاح تام.. وبذلك أكد خبراته القتالية وأضاف الجديد من المعلومات عن عقائد وأساليب العدو القتالية.
توالت الأيام وتم تشكيل سرية استطلاع بحرية بالاسكندرية، وكان أن تعين مرتضى رقيب أول لهذه السرية، إلى أن جاء يوم 28 سبتمبر 1973 وصدر الأمر برفع درجة استعداد وحدته الفرعية للتحرك من الاسكندرية تمهيداً لتنفيذ مشروع فى منطقة البحر الأحمر، فما كان منه إلا أن قام بتنفيذ أوامر وتعليمات رفع درجات الاستعداد بدقة متناهية، واندفع بين رجاله يراقبهم ويتأكد من تمام استعدادهم ويرفع معنوياتهم إلى أن تم التحرك إلى منطقة الهايكستب بالقاهرة فى السادس من أكتوبر، ثم إلى إلى منطقة البحر الأحمر العسكرية.. وتم تقسيم الوحدة إلى مجموعات قتال تقوم بالاستطلاع خلف خطوط العدو عند خليج السويس، وكذا القيام بالتقاط مجموعات الاستطلاع بعد انتهاء مهامها القتالية.
فى الساعة الثامنة مساء يوم 10 أكتوبر تعين "مرتضى" ضمن أحد المجموعات لالتقاط مجموعة استطلاع، وكان توزيع القوة فى قاربين على أن يكون حكمداراً للقارب الثانى متابعا قائد المجموعة المتواجد فى القارب الأول.. وكانت الليلة ذات ظروف جوية سيئة وأمواج الخليج عالية.. وبينما كانت القوة فى عرض الخليج إذا بعطل يصيب محرك قارب "مرتضى"، ويصعب على الميكانيكى الموجود إصلاحه، فأبلغ "مرتضى" قائد المجموعة بالموقف فكانت أوامره بعودة القارب الثانى إلى قاعدة قواتنا، والتقاط مجموعة استطلاع المؤخرة الموجودة فى شرق الخليج والتى يتحتم الوصول إليها فى مكان وزمان محددين من قبل. وعاد "مرتضى" بقاربه ومجموعته إلى نقطة التمركز مرة ثانية.
عادت استطلاع المؤخرة سالمة ذلك اليوم عدا مجموعة واحدة، وهى التى كانت مجموعة مرتضى مكلفة بالتقاطها، حيث لم يجدها القائد فى مكانها.. وعلى ذلك صدرت الأوامر بقيام إحدى المجموعات - والتى كان البطل ضمن قوتها – لالتقاط هذه المجموعة، فكان على مرتضى أن يجهز أفرادها ويلقنهم المهام ويدربهم عليها استعدادا لمواجهة جميع الاحتمالات المنتظرة أثناء تأدية المهمة.
فى الساعة العاشرة صباح يوم 20 أكتوبر تحركت المجموعة فى قاربين إلى منطقة جبل أبو دربة، وكان مرتضى قائد ثان المجموعة، ويركب القارب الثانى ليتبع القارب الأول حيث تكون مهمته التأمين والحراسة أثناء الإبحار، وعند الوصول إلى الشاطئ البعيد.. ورغم أن الوقت كان ليلا، والبرد قارصاً، وأمواج الخليج متلاطمة شديدة الهياج، والرياح تعصف ولا يسهل الإبحار بالقوارب الخفيفة، إلا أنه تم إبحار المجموعة، وكان مرتضى يتبع القارب الأول فى خط السير حتى لا يضل عنه، وتحتم أن يكون على مدى الرؤية فلا تتجاوز المسافة 20 متراُ. وكان عليه أن يكون منتبها لإشارته حتى تصل المجموعة إلى مكانها المحدد بفضل ما مع القارب الأمامى من وسائل ملاحية وكذا دليل ملاحي.
أمضى الرجال نحو 4 ساعات فى كفاح ونضال ضد أمواج القناة حتى أمكنهم أن يقطعوا مسافة 35 كيلومترا.. وما أن وصلوا قرب الشاطئ حتى بدأ إرسال إشارات التعارف بين قائد المجموعة ومجموعة الرجال المقرر التقاطهم.. وفجأة توقف القائد عن تبادل الإشارات، حيث ظهر أن رد الاشارات لم يكن بالدقة المتفق عليها.. وعلى ذلك قام قائد المجموعة بإنزال أحد أفراد قاربه إلى الشاطئ للاقتراب منهم والتأكد من طبيعة القوة الموجودة.. وما أن وصل المقاتل إلى الشاطئ حتى انهالت على القاربين طلقات الرصاص، فتأكد لأفراد القاربين أن العدو نصب كميناً لهم على الشاطئ.
كانت مهمة مرتضى هى توفير الحماية للقارب الأول وكان لزاما عليه أن يقوم بالقضاء على كمين العدو دون تردد.. وجال فى خاطره أن الفرصة لاحت ليحقق حلما طالما تمناه وانتظره، وهو لقاء العدو الاسرائيلي.. وعلى الفور أعطى "مرتضى" تعليماته السريعة لأفراد طاقمه بالاستعداد لضرب العدو، وردد الجميع "الله أكبر" ودعوا الله أن يبارك خطاهم.
قرر "مرتضى" على الفور إجراء مناورة سريعة ناجحة بقاربه ليشغل العدو عن القارب الأول حتى لا يكون هدفاً ثابتا يسهل إصابته. وبالفعل نجح "مرتضى" فى شغل العدو وجذب نيرانه بعيداً عن القارب الأول، وأصبحت النيران كلها موجهة فى اتجاهه، لكنه - بمهارة فائقة - تمكن من الهروب منها بفضل مناورته السريعة.
اقترب "مرتضى" من الشاطئ، ثم أصدر أوامره للطاقم بسرعة النزول واقتحام الكمين المعادي، بعد أن حدد لكل فرد مهمته وعلى وجه الخصوص قاذف الـ "آر بى جي" ليكون هدفه هو سرعة تدمير رشاش العدو النصف بوصة.. وفى الحال كانت المنطقة تعج بنيران رجال "مرتضى" وتم إسكات نيران الكمين والقضاء على القوة الاسرائيلية.
جمع "مرتضى" أفراده، وبدأ فى رحلة العودة.. كان الطريق بعد القتال أشد وأصعب، بل كان يتوقف على رحلة العودة نجاح العملية وإنقاذ أرواح مجموعة القتال المصرية، حيث فقد مرتضى اتصاله بقائده، ولاسبيل إلى رؤيته فى الظلام الدامس، وكيف له السبيل فى النجاة بمن معه وهو يعلم من أساليب قتال العدو أنه غادر.. توقع "مرتضى" أن يكون العدو قد أعد كمينا آخر بالقرب من طريق العودة، فقرر أن يقدر موقفه على ضوء توقعاته وإمكانياته على النحو التالي:
- احتمال أن يكون الكمين فى عرض الخليج أو عند الشاطئ الغربي.
- كيفية العودة دون توافر الوسائل الملاحية أو الدليل الملاحي.
- كمية الأخيرة المتيسرة.
وكانت استنتاجات مرتضى على النحو التالي:
- بالنسبة لتوقع مكان كمين العدو، فإن احتمال وجود الكمين على الشاطئ الغربى أكثر من وجوده فى عرض الخليج.
- نظراً لعدم وجود الدليل الملاحي، قرر مرتضى أن يتخذ النجوم دليلاً، وتكون نجمة الصبح (النجمة ذات الذيل) هى دليله.
- يعاد توزيع ما بحوذة مجموعة القتال من ذخيرة وقنابل يدوية.
وأخيراً توصل مرتضى فى النهاية إلى القرار التالي:
- يعاد توزيع الذخيرة على كل من فى القارب.
- يتحرك القارب بأقل سرعة ممكنة حتى تهدأ نفوس الجميع وترتفع معنوياتهم، وبذلك يتغلب على شدة وهياج أمواج الخليج.
- تكون نجمة الصبح دليلاً فى توجيه القارب نحو الشاطئ الغربى لوصول قوتنا.
- يراعى عدم الوصول إلى الشاطئ الغربى قبل الضوء الأول حتى يضمن خلو الشاطئ من كمين العدو.
أصدر "مرتضى" أوامره للجميع، فتولى كل أفراد القارب تنفيذها، وواصل الجميع كفاحهم حتى وصلوا الشاطئ الغربى فى أول ضوء كما كان مقرراً.
وهكذا ظهرت بطولة "مرتضى" وقوة احتماله وصبره على الشدائد، وقدرته على السيطرة على من معه، وخلق الروح المعنوية العالية لديهم، الأمر الذى أدى إلى نجاح مهمتهم فى تدمير العدو والعودة سالمين، فاستحق بذلك تكريم الوطن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق
فرحات: موازين القوى تميل لصالح المحور الأمريكى الإسرائيلى لكن إيران تراهن على تحويل المنطقة إلى حقل ألغام الشيخ: إيران تتحرك...
إسماعيل: الصين ترى إيران شريان طاقة.. وروسيا تعتبرها حليفاً لكسر طوق حلف الناتو مكاوي: القوى الكبرى تتصارع على «المسرح الإيرانى»...
أزمة خانقة تواجه المحور الأمريكى - الإسرائيلى.. وإطالة الحرب ليس فى مصلحة أحد