بركان حرب رمضان: ذاكرة حية وبطولة تتحدى الزمن

بدا كل شيء هادئاً على الجبهة ظهر العاشر من رمضان الموافق للسادس من أكتوبر عام 1973، وما كان أحد يتوقع أنه السكون الذى يسبق العاصفة. كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية

بدا كل شيء هادئاً على الجبهة ظهر العاشر من رمضان الموافق للسادس من أكتوبر عام 1973، وما كان أحد يتوقع أنه السكون الذى يسبق العاصفة.

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية ظهراً، فيما كانت الضفة الغربية للقناة قد تهيأت لاستقبال طوفان بشرى مصرى كاسح أمكنه أن يقلب موازين الصراع العربى الاسرائيلى بأروع عبور وأذكى اقتحام مُدَبَر لأصعب مانع مائى عرفه التاريخ.

انطلق الرجال الصائمون شرق قناة السويس فى موجات متتالية اجتازوا خلالها المستحيل، وحطموا إلى الأبد أسطورة الجيش الذى لا يقهر.. وفى ذلك صور لن تنمحى من ذاكرة الأمة عن أقوى معارك الأسلحة المشتركة فى العصر الحديث.

 وما كان لنصر الصائمين أن يحدث على هذا النحو الأمثل إلا بتحقيق ركائز الخطة الهجومية "بدر" ومن بينها عناصر:  المفاجأة والسريّة والخداع، فضلاً عن اختيار وتحديد أنسب يوم وأنسب ساعة لبدء الهجوم.

 وما أعمق تفاصيل الحرب حين تأتينا ضمن محاضرة وافية كان قد ألقاها المشير محمد عبد الغنى الجمسى وزير الدفاع الأسبق، شغل موقع رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة أثناء حرب أكتوبر.

والذى كان ذلك فى شهر أكتوبر 1998، حين ألقى المشير الجمسى محاضرته "التخطيط للحرب" وذلك ضمن المحور العسكرى للندوة الاستراتيجية "حرب أكتوبر بعد 25 عاماً " فجاء ماذكره شهاده تاريخية عن الظروف السياسية والعسكرية التى أفضت إلى الحرب، انطلاقاً من مقدمة شارحة استعرض فيها الدروس المستفادة من جولات الصراع العربى الاسرائيلي، ليصل إلى أربع ركائز أساسية لتحقيق النصر وهى:  تدارك أخطاء حرب يونيو 67، وتحدى نظرية الأمن الاسرائيلى، وإعداد الدولة للحرب، وحشد الطاقات العربية لتحقيق قومية المعركة.

فى تلك الورقة البحثية انطلق المشير الجمسى متحدثاً بعمق وبساطة عن الفكرة العامة للخطة الهجومية "بدر" والتى قضت بأن تقوم القوات الجوية فى كل من مصر وسوريا بتوجيه ضربة جوية فى وقت واحد ضد الأهداف العسكرية المعادية فى سيناء والجولان. وتحت ستر تمهيد نيرانى بالمدفعية فى كل من الجبهتين، تقوم القوات المصرية بالهجوم واقتحام قناة السويس، وتقوم القوات السورية بالهجوم فى الجولان.

 وكانت فكرة الخطة المصرية هى اقتحام قناة السويس بالجيشين الثانى والثالث على طول مواجهة القناة (حوالى 175 كيلومترا) وإنشاء رؤوس كبارى جيوش تشمل خمس فرق وقوة قطاع بورسعيد بعمق 15 : 20 كيلومترا مؤمنة بواسطة الدفاع الجوى.. وبعد وقفة تعبوية - أو بدونها - يتم تطوير الهجوم شرقاً حتى خط المضايق الجبلية لاحتلاله والتشبث به وتأمينه.. وبذلك تصبح القوات الاسرائيلية فى أرض مكشوفة فى وسط سيناء، ولا تتمكن من إنشاء خطوط دفاعية بها نظراً للعوامل الطبوغرافية من جهة، وعدم قدرتها على توفير القوات اللازمة لذلك من جهة أخرى، وتعرضها للهجمات المصرية - شرق المضايق - حسب تطور الموقف.

وطبقاً لفكرة الخطة، تقوم القوات البحرية بتأمين سواحلنا البحرية، والتعرض لخطوط المواصلات الاسرائيلية فى مضيق باب المندب لإيقاف الملاحة من وإلى إيلات، مما يؤثر على اقتصاد اسرائيل ويحرمها من الإمداد بالبترول، وتنفيذا لهذه الفكرة، كان علينا التغلب على كل المشاكل التى تواجه القوات المسلحة تخطيطاً وتنفيذاً.

ويضيف المشير الجمسي: شهد عام 1972 خطوات سريعة نحو الحرب، فقد كان من الضرورى أن يتخذ الرئيس السادات عدة قرارات هامة خلال ذلك العام لشن الحرب فى أقصر وقت ممكن ومن بينها: إنهاء مهمة المستشارين السوفيت (يوليو 1972)، فالأمور كانت تسير فى مجراها الطبيعى فوق السطح، إلا أن العلاقات السياسية بين مصر والاتحاد السوفيتى كانت تتطور تدريجياً إلى الأسوأ نتيجة لإحجام الاتحاد السوفيتى عن تزويدنا بالأسلحة التى نريد الحصول عليها لشن الحرب..

وكانت الخطوة الثانية للإسراع فى الطريق إلى حرب أكتوبر هى القرار الذى اتخذه الرئيس السادات بأن ندخل الحرب بما لدينا من أسلحة، ففى 24 أكتوبر 1972 عُقدَ المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى مكتب الرئيس السادات بمنزله فى الجيزة، وفيه شرح الرئيس السادات الموقف السياسى وتطور العلاقة بين مصر والاتحاد السوفيتى منذ عام 1971، ولماذا لم يتم الحسم فى عام 1971 لعدم وصول الأسلحة التى طلبتها مصر من الاتحاد السوفيتى. وشرح أسباب إنهاء مهمة المستشارين السوفيت لأنه لم يقبل وجود المستشارين والقوات الصديقة السوفيتية على أرض مصر عند قيام الحرب.

وينقلنا المشير الجمسى إلى الخطوة الثالثة للإسراع نحو حرب أكتوبر وهى تعيين الفريق أول أحمد اسماعيل وزيراً للحربية وقائداً عاماً للقوات المسلحة فى 26 أكتوبر 1972، حيث جاء لينادى بما نادى به السادات، فقد أعلن فى القوات التى يزورها أثناء مروره عليها الآتي:

- ضرورة الاستعداد لدخول الحرب فى أقصر وقت ممكن، حيث فشلت الجهود السلمية ولا بديل عن الحرب لتحرير أراضينا.

- لا انتظار لأسلحة تصلنا.

- المهام التى تُخصص للقوات تكون فى حدود قدراتها.

ويضيف المشير الجمسي: ناقشنى الفريق أول اسماعيل عن كفاءة القوات المسلحة وما وصلنا إليه فى التخطيط وإعداد القوات للحرب والتعاون العسكرى مع سوريا. وكنت صريحاً معه عن حقائق الموقف، وقلت له إننا نحتاج إلى عام لتحقيق الآتى:

- التدريب المركز على المعارك فى كل أفرع القوات المسلحة والتعاون بينها.

- استكمال التعاون مع القوات السورية، لإنها عملية مطولة ودقيقة قطعنا فيها مراحل، ومازال أمامنا مراحل أخرى تحتاج إلى التنسيق واتفاق محدد بين القيادة العسكرية المصرية والقيادة السورية. كما أن العمل العسكرى المشترك يحتاج إلى قرارات سياسية على مستوى الرئيسين السادات والأسد.

وكانت الخطوة الرابعة: التعاون العسكرى بين مصر وسوريا.. وكان وزير الحربية فى مصر- بحكم اتفاقية مصر وسوريا - هو القائد العام لقوات الجبهتين المصرية والسورية، وهو الذى يتولى مسئولية تعاون قوات الجبهتين فى العمل العسكرى المشترك. والحق يقال أنه لولا الاتفاق والتعاون بين القيادة السياسية للدولتين لما أمكن إيجاد التعاون العسكرى ووضعه موضع التنفيذ واتخاذ قرار الحرب بقرار مشترك.

وتحت عنوان «متى نحارب» يواصل المشير الجمسي: وصلنا فى أوائل عام 1973 إلى أن عامل الوقت ضدنا، وازداد اقتناعى منذ مؤتمر الجيزة يوم 24 أكتوبر 1972 أننا نقترب من شن الحرب، ولفت نظرى ما قاله الرئيس السادات فى هذا المؤتمر: "إن الحلول التى تُعرض كلها من منطق أننا لن نحارب .. أمام الشعب وأمام العدو والصديق لازم نثبت أننا نستطيع أن نضحى ونناضل.. بما لدينا نرسم ونخطط .. مع الجميع سنغير شأننا أو ستنتهى القضية إلى السكون والموت"

وإلى أن يتم الاتفاق بين الرئيسين السادات والأسد على بدء الحرب بتعاون مصر وسوريا، كان من الضرورى أن نقوم فى هيئة عمليات القوات المسلحة بتحديد أنسب التوقيتات للقيام بالعملية الهجومية خلال عام 1973 حتى توضع أمام الرئيس السادات ليكون أمامه حرية الاختيار على ضوء الموقف السياسى المناسب والاتفاق مع الرئيس الأسد عليه، وبذلك يكون العمل العسكرى متماشيا مع العمل السياسي، ويكون العمل السياسى مُنسقاً مع العمل العسكري.

 وضعنا فى هيئة العمليات - بمبادأة من الهيئة - دراسة تعمل على تحقيق أنسب الظروف لنجاح العملية، وتحقق أسوأ الظروف لإسرائيل.

وضعنا هذه الدراسة على ضوء الموقف العسكرى للعدو وقواتنا، وفكرة العملية الهجومية، والمواصفات الفنية والطبيعية لقناة السويس من حيث المد والجذر وسرعة التيار واتجاهه، وساعات الظلام وضوء القمر، والأحوال الجوية، وحالة البحرين الأبيض والأحمر وعوامل أخرى.. ودرسنا كل شهور السنة لاختيار أفضل الشهور لاقتحام وعبور القناة فوجدنا الآتي:

- فارق المنسوب بين أعلى مد وأدنى جذر هو 80 سنتيمترا فى القطاع الشمالى للقناة (الاسماعيلية - بورسعيد) بينما فرق المنسوب فى القطاع الجنوبى بين الاسماعيلية والسويس هو متران.

- سرعة التيار فى القطاع الشمالى 18 مترا فى الدقيقة، بينما سرعته فى القطاع الجنوبى هو 90 مترا فى الدقيقة.

- أما اتجاه التيار فإنه يتغير دورياً كل 6 ساعات من الشمال للجنوب وبالعكس.. درسنا طول الليل يوميا لاختيار الليالى بحيث يكون النصف الأول منه فى ضوء القمر والنصف الثانى فى حالة إظلام، حتى يسهل تركيب وإنشاء الكبارى فى ضوء القمر، ويكون عبور القوات والأسلحة والمعدات فى الظلام، وكان من الضرورى دراسة حالة الأرصاد الجوية المناسبة لعمل القوات الجوية، وحالة البحرين الأبيض والأحمر لمعرفة أنسبها لعمل القوات البحرية.

اشتملت الدراسة أيضاً على جميع أيام العطلات الرسمية فى اسرائيل بخلاف يوم السبت وهو يوم إجازتهم الأسبوعية، حيث تكون القوات المعادية أقل استعداداً للحرب، فوجدنا أن لديهم ثمانية أعياد فى السنة منها ثلاثة أعياد فى شهر أكتوبر 1973، وهى عيد الغفران (يوم كيبور) وعيد المظلات وعيد التوراة.. ولكل عيد من هذه الأعياد تقاليد وإجراءات يقومون بها تختلف من عيد لآخر، وكان يهمنا فى هذا الموضوع معرفة تأثير كل عطلة على إجراءات التعبئة فى اسرائيل التى تعتمد اعتماداً رئيسياُ فى الحرب على قوات الاحتياطي، وكما يقولون فإن جيش اسرائيل يشبه جبل الجليد " قمته الظاهرة هى الجيش العامل أما قاعدته العريضة فى القاع فهى القوات الاحتياطية،  ولإسرائيل وسائل مختلفة لاستدعاء الاحتياطى بوسائل غير علنية وأخرى علنية تكون بإذاعة كلمات أو جمل رمزية عن طريق الإذاعة والتليفزيون. ووجدنا أن يوم عيد الغفران - يوم كيبور- هو يوم سبت، والأهم من ذلك هو اليوم الوحيد خلال العام الذى تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث كجزء من تقاليد هذا العيد الذى يعتبر يوم سكون كامل، أى أن استدعاء قوات الاحتياطى بالطريقة العلنية السريعة غير مستخدمة، وبالتالى يستخدمون وسائل أخرى تتطلب وقتاً أطول لتنفيذ تعبئة الاحتياطي.

ثم انتقلنا إلى دراسة الموقف الداخلى فى اسرائيل، حيث كانت تجرى انتخابات اتحاد العمال "هيستدروت" فى شهر سبتمبر، وتجرى انتخابات البرلمان الاسرائيلى "الكنيست" يوم 28 أكتوبر 1973، ومن المعروف أن الحملة الانتخابية تجذب أفراد الشعب لها، علماً بأن أغلب الشعب يشكل الجيش الاحتياطى مع تعبئة الدولة أثناء الحرب، ومن هنا كان من المفيد أن يوضع شهر أكتوبر فى الاعتبار كشهر مناسب للحرب إذا كانت العوامل الأخرى السابق شرحها تعتبر مناسبة للعملية الهجومية.

وعن الوقت المناسب للهجوم فى الجبهة السورية، فقد كان لا يجب أن يتأخر بعد شهر أكتوبر 1973، حيث أن حالة الطقس والجو تصبح غير مناسبة نظراً لبدء تساقط الجليد، فوصلنا من هذه الدراسة المستفيضة إلى تحديد أنسب الشهور خلال عام 1973 للقيام بالعملية الهجومية، وكان أنسبها  توقيتات هى مايو أو أغسطس أو سبتمبر أو أكتوبر.

واستكملنا فى نفس الدراسة الطويلة اختيار اليوم المناسب فى كل شهر وقع عليه الاختيار بحيث يكون عطلة رسمية، وأن يكون فرق المنسوب بين المد والجزر فى القناة أقل ما يمكن لتوفير ظروف أفضل لعبور وتشغيل المعديات وإنشاء الكبارى ليلا فى ضوء القمر، ثم يبدأ عبور القوات فى الظلام خلال النصف الثانى من الليل.. وكان يوم السبت - عيد الغفران - 6 أكتوبر 1973 ( 10 رمضان 1393 هجرية) هو أحد الأيام المناسبة.

سلمت الدراسة بنفسى مكتوبة بخط اليد - لضمان سريتها - للفريق أول أحمد اسماعيل الذى قال لى إنه عرضها وناقشها مع الرئيس فى برج العرب غرب الاسكندرية فى أوائل ابريل 1973، وعبر الفريق أول احمد اسماعيل عن شكره لهيئة عمليات القوات المسلحة لمجهودها فى إعداد هذه الوثيقة الهامة، وكان تعليقه عليها - مسجلاً - بقوله: "لقد كان تحديد (يوم الهجوم) عملاً علمياً على مستوى رفيع، إن هذا العمل سوف يأخذ حقه من التقدير، وسوف يدخل التاريخ العلمى للحروب كنموذج من نماذج الدقة المتناهية والبحث الأمين".

وتحت عنوان "قرار الحرب" يواصل المشير الجمسي: استمرت عجلة الاستعداد للحرب دون أن تتوقف لحظة.. وفى يوم 30 سبتمبر 73 اجتمع مجلس الأمن القومى بدعوة مفاجئة من الرئيس السادات، وهو الاجتماع الذى تم فيه استعراض للموقف من الجانب السياسى والعسكري، وحضره وزير الحربية المشير أحمد اسماعيل الذى شرح تصوره عن المعركة وأجاب على ما أثير من ملاحظات.

ويواصل المشير الجمسى حديثه بالقول: كانت عملية الاستعداد لشن الحرب تدور بسرعة وفى سرية مطلقة داخل القوات المسلحة دون أن تتوقف، إلى أن جاء اليوم الأول من أكتوبر 1973، وفيه بدأ تنفيذ المشروع التدريبى الذى يتم تحت ستره اللمسات الأخيرة للاستعداد للهجوم بواسطة القوات فى جبهة القناة وفى كل فروع القوات المسلحة..

فتح مركز عمليات القوات المسلحة وبدأ العمل فيه، وفى مساء هذا اليوم الأول من أكتوبر- الموافق 5 رمضان 1393 هجرية اجتمع المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة الرئيس السادات فى وزارة الحربية، واستمع الرئيس إلى تقارير القادة، ثم تحدث عن الحرب، وطلب الالتزام بخطة العمليات الموضوعة، وأن يعمل القادة بهدوء وحرية، وقال: "على كل واحد أن يؤدى واجبه، وأنا أتحمل المسئولية كاملة تاريخياً ومادياً ومعنوياً، وأقولها بصراحة وفى نفس الوقت: أثق ثقة كاملة فيكم، وعلى هذا الأساس تصرفوا بكل ثقة واطمئنان وحرية"

وفى هذا اليوم أصدر الرئيس السادات قراره بالحرب تحت عنوان "توجيه صادر إلى القائد العام للقوات المسلحة وزير الحربية الفريق أول أحمد اسماعيل على موقعاً بتاريخ 5 رمضان 1393 هجرية -أول أكتوبر 1973- حدد فيه تقديره للموقف السياسى والهدف الاستراتيجى للقوات المسلحة، وكان هذا التوجيه يعبر تعبيراً دقيقاً عن الوضع العام، واستراتيجية العدو، واستراتيجية مصر فى تلك المرحلة، وأن الوقت ملائم كل الملاءمة من وجهة النظر السياسية لتنفيذ استراتيجية مصر.

وتحت عنوان " نص التوجيه المؤرخ 5 أكتوبر- 9 رمضان" يواصل المشير الجمسي: كانت قواتنا المسلحة فى أقصى درجات استعدادها القتالى، كما كنا فى مركز العمليات نتابع نشاط العدو أولاً بأول، فلم يبق سوى 24 ساعة وتبدأ الحرب.. وفى هذا اليوم أصدر الرئيس السادات توجيهاً استراتيجياً إلى الفريق أول أحمد اسماعيل ونصه الآتي:

أ-  بناء على التوجيه السياسى العسكرى الصادر منى فى أول أكتوبر 1973، وبناء على الظروف المحيطة بالموقف السياسى والاستراتيجى، قررت تكليف القوات المسلحة بتنفيذ المهام الاستراتيجية الآتية:

1- إزالة الجمود العسكرى بكسر وقف إطلاق النار اعتباراً من يوم 6 أكتوبر 1973.

2- تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنه فى الأفراد والأسلحة والمعدات.

3- العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات قدرات القوات المسلحة.

ب- تُنفذ هذه المهام بواسطة القوات المسلحة منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية.

وتحت عنوان "المفاجأة" يقول المشير الجمسي: كان على قواتنا أن تدخل حرب أكتوبر 1973 فى ظروف عسكرية صعبة ومعقدة لهدم نظرية الأمن التى وضعتها إسرائيل لتكون ستاراً لتحقيق أهدافها التوسعية وفرض الأمر الواقع على العرب.. ولعلنا لا ننسى ما قاله ديان قبل الحرب بحوالى شهر ونصف "إن السلام الذى تريده اسرائيل تحقق منذ عام 1967، وأن السلام الرسمى مع العرب يضر بالحالة التى تحرص عليها اسرائيل وهى تثبيت الأمر الواقع الذى فرضته تلك الحرب"

يواصل المشير الجمسي: كان على قواتنا خوض الحرب مهما كانت المصاعب ومهما كانت التضحيات لاستعادة أراضينا..

كنا سندخل الحرب بينما العدو له التفوق العسكري، والوضع الطبيعى أن يكون المهاجم متفوقاً على المدافع، وكان من الضرورى تحدى هذا التفوق العسكرى فى المرحلة الافتتاحية للحرب، وهى مرحلة الهجوم مع اقتحام قناة السويس.

كنا سندخل الحرب، بينما يستند العدو إلى خط بارليف على الضفة الشرقية للقناة، وله القوات المدربة على أنساق متتالية فى سيناء، وكان لابد من نجاح العملية الهجومية، وبذلك يتم تحدى نظرية الأمن الاسرائيلي.

وكنا سندخل الحرب ونقدر أن الاقتحام المُدَبر لقناة السويس بقوة جيشين (حوالى مائة ألف مقاتل) يعتبر من أصعب العمليات العسكرية، فإن أصعب الموانع المائية اثنان لا ثالث لهما فى العالم هما قناة السويس وقناة بنما.

وكنا سندخل الحرب، ونحن نعلم أن نجاح العبور يتطلب كبارى وتشغيل معديات، فإذا تحققت المفاجأة يمكننا كسب الوقت ومنع العدو من التدخل السريع لعرقلة عمل الفتحات فى الساتر الترابى أو إنشاء الكبارى وبالتالى يتم العبور.

وكنا سندخل الحرب ضد عدو لديه جهاز مخابرات اشتهر بتعاونه مع أجهزة المخابرات الأمريكية لمعرفة كل ما يدور فى الوطن العربى، فإذا اكتشفت هذه الأجهزة نوايانا الهجومية فإن اسرائيل ستبادر بتوجيه ضربة وقائية - ضربة إحباط - تجعل عمليتنا الهجومية أكثر صعوبة وأشد تعقيداً، مع تعبئة الاحتياطى الاسرائيلى وإرساله للجبهتين المصرية والسورية خلال يومين.

ولكل هذه الأسباب، كان من الضرورى أن نبذل كل جهد ممكن لتحقيق المفاجأة حتى تكون المبادأة لنا لأول مرة فى الحرب ضد اسرائيل، وحرمان العدو من فترة الإنذار اللازمة للتعبئة، وعدم إعطائه فرصة توجيه ضربة وقائية، وضمان نجاح العبور والهجوم - وكذلك فى الجولان - بأقل خسائر ممكنة.. لذلك فقد اشترك فى وضع خطة المفاجأة عدد محدود جدا من ضباط هيئة العمليات، وكتبت بخط اليد كخطة العمليات تماماً، واشتملت الخطة على إجراءات وأعمال كثيرة فى مجالات مختلفة بحيث تتكون صورة كاملة أمام العدو أن قواتنا فى مصر وسوريا ليس لديها نية للهجوم، بل نعمل لتقوية دفاعاتنا واستعدادنا ضد هجوم محتمل تقوم به اسرائيل.

تحدث المشير الجمسى فى تلك الورقة البحثية عن الأعمال الخداعية التى تمت لتحقيق عنصر المفاجأة ومن بينها: إجراء مناورات للتدريب، وأداء بعض الجنود للعمرة والإعلان عنها بالصحف، مع اعتماد السرية المطلقة فى التخطيط، وصولاً لتحديد يوم وساعة الهجوم.

ويصل بنا المشير الجمسى إلى اللحظات الحرجة قبيل الحرب، ففى يوم 4 أكتوبر الموافق 8 رمضان علمت اسرائيل برحيل العائلات السوفيتية بالطائرات من مصر وسوريا، وفى يوم الجمعة 5 أكتوبر (9 رمضان) قامت جولدا مائير رئيس وزراء اسرائيل بعقد اجتماع وزراء مصغر، وكان تقدير مدير المخابرات ورئيس الأركان - كما يقول ديان - كالتالي: السوريون والمصريون فى حالة طوارئ تصلح تماما للدفاع والهجوم.. عدم احتمال شن أى هجوم .. وقال مدير المخابرات الاسرائيلية: "من غير المحتمل إلى أبعد حد أن يعبر المصريون القناة بقوات كبيرة، ولكنهم قد يفتحون النيران ويحاولون القيام بغارات".. أما تقدير المخابرات الأمريكية فأكد أنه " ليس فى نية كل من مصر وسوريا شن هجوم فى المستقبل القريب".. واتصلت "مائير" ليلا برئيس الأركان فأكد لها أن "عبور المصريين للقناة مستحيل"

صباح السبت 6 أكتوبر/ 10 رمضان قام ديان وزير الدفاع الاسرائيلى بزيارة لخط بارليف.. وفى الساعة 1405 من ظهر اليوم نفسه حدث الانفجار على الجبهتين المصرية والسورية بتنفيذ العملية "بدر"

يخلص المشير الجمسى من هذا العرض الموجز إلى تحقيق المفاجأة الاستراتيجية، حيث أصبح لنا المبادأة فى الحروب ضد اسرائيل، وحرمانها من تعبئة الاحتياطى أو توجيه ضربة وقائية، واقتحام القناة والهجوم فى الجولان فى ظروف أفضل وبأقل خسائر ممكنة.

قال ديان: "كان الهجوم المصرى السورى فى "يوم كيبور" مفاجأة لنا برغم أنه كان متوقعاً..  لقد شنوا هجوما بكفاءة أكبر مما كان مقدراً" أما ديفيد بن أليعازر رئيس أركان الجيش الاسرائيلى فقال: "إن حرب أكتوبر تختلف عن كل الحروب التى خضناها- المفاجأة لنا - أننا كنا ندافع".. أما دكتور وليم كوانت مساعد وزير الخارجية الأمريكية هنرى كيسنجر فقال: "كان نشوب حرب أكتوبر مفاجئاً لاسرائيل والدول العربية والعالم بما فى ذلك الولايات المتحدة الامريكية حيث لم تتوقع أغلب دول العالم نشوبها".


 	محمد مسعد

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

التحذير الأخير للمتآمرين على وحدة السودان

تعد اللحظة الراهنة في السودان هي الأخطر منذ اندلاع الصراع المسلح، حيث تحولت الأراضي السودانية من ساحة نزاع داخلى إلى...

رغم المخططات الصهيونية.. مصر واحة الأمن ومعدلات السياحة الوافدة خير دليل

عبدالرحيم ريحان: الرئيس «السيسى» يُرسخ لدولة الأمن والأمان.. والإحصائيات لا تكذب مجدى شاكر: بلدنا ضمن المراكز السبعة الأولى فى السياحة...

رسائل الرئيس السيسى فى أسبوع الاضطرابات الإقليمية..

مصر تدعم الأشقاء وتتمسك بإقامة الدولة الفلسطينية وحل سياسى لأزمة السودان تداعيات وخيمة ستطول الجميع جراء التصعيد فى منطقة الخليج...

مخططات الاحتلال لإنقاذ «نتنياهو» من مقصلة المحاكمات عبر حرق لبنان وغزة

أسامة الهتيمى: إسرائيل تواصل جريمة الإبادة الجماعية في غزة.. ونتنياهو يشع جبهة لبنان للفرار من المحاكمة ماهر صافى: الاحتلال يواصل...