ليست كل الرحلات تُقاس بمسافات الأميال، ولا تُوزن بما تحمله الطائرات من أمتعة؛ فثمّة رحلاتٌ لا يكتب التاريخ فاتحتها إلا حين يظن البعض أن نهايتها كُتبت سلفًا. بعضها لا يولد من رحم الأمنيات، بل من بين جدران الشك، ولا يشقّ طريقه وسط التصفيق، بل عبر ضجيج الأصوات التي تُحصي عثراته قبل أن يخطو خطوته الأولى. هي رحلاتٌ لا يخطها الحبر، بل ينحتها العرق فوق العشب، فتحوّل الشكّ يقينًا، والمجهول حقيقةً، والمستحيل فصلاً طارئًا في كتاب المجد.
قبل أشهرٍ قليلة، كان المنتخب المصريّ يقف على أعتاب المونديال، تتنازعه الأسئلة أكثر مما تُسانده الإجابات. وما إن اتسعت أبواب البطولة لأول مرةٍ أمام ثمانيةٍ وأربعين منتخبًا، حتى انبرت أقلام التشكيك لتختزل رحلة الفراعنة كلّها في زيادة عدد المقاعد، وكأن الطريق إلى كأس العالم لم يكن ثمرة كدٍّ وعمل، بل هبةً منحتها النظم الجديدة. وسرعان ما راجت مقولةٌ أخرى، تزعم أن ما بدا إنجازًا لم يكن سوى أثرٍ جانبيٍّ لتغيير اللوائح، وأن الطريق الذي قاد مصر إلى المونديال لم يكن إلا ممرًّا اتسع بالمصادفة، لا دربًا شقته الجدارة.
ولأن كرة القدم، في جوهرها، لا تخلو من أحكامٍ تُصدرها التوقعات قبل أن تُفصح عنها الملاعب، فما إن وضعت القرعة أوزارها، حتى انقسمت القراءات على نفسها. رأى فريقٌ أن الحظ لم يكتفِ بأن يصافح المنتخب في طريق التصفيات المؤهلة إلى المونديال، بل أبى إلا أن يرافقه حتى في دور المجموعات، وأن الطريق بات أقل وعورةً مما كان يُظن. وعلى الضفة الأخرى، رأى آخرون أن هذا الاطمئنان ليس سوى وهمٍ مبكر، وأن القرعة تُخفي وراء هدوئها امتحانًا بالغ القسوة.
تفاقمت أسئلة الارتياب، وطفقت الشكوك تقتفي كلّ يومٍ مبررًا يُشفي غليل الخيبة قبل أوان وقوعها؛ قبل أن تدور الكرة، وتستردّ حقّها في حجب أسرارها؛ فالتوقعات أبدًا ما كانت إلا أحكامًا مسبقةً، تُطلق صيحتها قبل أن تُعلن الملاعب عن الحقيقة.
كانت المجموعة، في ظاهرها، أشبه برقعة شطرنجٍ لا تحتمل خطأً واحدًا؛ نقلةٌ محسوبة قد تفتح أبواب المجد، وأخرى عابرة قد تُسقط حلمًا امتد سنوات. فهذه بلجيكا .. تاسعة العالم، واسمٌ لم يغب يومًا عن دفاتر المرشحين للمجد، يحمل من وفرة النجوم ما يكفي لأن يفرض هيبته. وهذه إيران .. خصمٌ عنيدٌ لا يهوى الاستعراض بقدر ما يجيد تعقيد الحسابات، حتى تصبح مواجهته معركة صبرٍ قبل أن تكون مباراة كرة قدم. وهذه نيوزيلندا، التي بدت على الورق، أقل الأسماء رهبةً، لكنها كانت تمثل ذلك الخصم الذي كثيرًا ما يخدع من يستهين به، ويحوّل أبسط الحسابات إلى أكثرها تعقيدًا.
وأمام هذا المشهد، انشغل المحللون، ولم تستقر قراءاتهم على رأيٍ واحد. فبين من رأى في هذه المجموعة فرصةً تاريخيةً لعبور الدور الأول للمرة الأولى في تاريخ المشاركات، ومن عدَّ توازنها مكمن الخطر الحقيقي في مجموعةٍ لا يمتلك فيها أحدٌ أفضليةً مطلقة، ظلّت خرائط العبور تُرسم كل صباح، ثم تُمحى مع كل تحليلٍ جديد؛ فبطولةٌ كهذه قادرةٌ على أن تُسقط أحلام سنواتٍ بتفصيلٍ صغير، بقدر ما تفتح أبواب التاريخ في مباراةٍ واحدة.
ولم تسلم حتى المباريات التحضيرية أمام السعودية وإسبانيا وروسيا والبرازيل من سهام التقليل، فوُصفت بأنها مجرد تجارب وديةٍ تفتقر إلى حرارة المنافسة، ولا تصلح ميزانًا للحكم على فريقٍ لم يدخل بعد امتحانه الحقيقي, حين تدقّ ساعة الامتحان الكبير. وهكذا، بدا وكأن كل ما يحيط بالمنتخب يُقرأ بعين الظن؛ التأهل، والقرعة، والاستعداد، وحتى مؤشرات الأداء.
غير أن الملاعب كانت تُعِدّ روايةً أخرى .. روايةً لم يكن أحدٌ قد قرأ فصلها الأول بعد.
فصولٌ لم تُدوّنها أقلام الشك
وهناك، حين فُتحت أبواب المونديال تحت أضواء ملاعب اتشحت بألوان دول العالم، تهاوت نبوءات الورق أمام سطوة الواقع، لتفسح المجال لحقائقٍ كُتبت بمداد العرق، ففقدت خرائط المحللين قدرتها على استباق ما سيخطّه العشب الأخضر. ومنذ دوّت صافرة البداية، بدأ المنتخب يدوّن حكايته بهدوء الواثق، متجاوزًا صخب التوقعات الباهتة بعاصفة كروية فرضت على الجميع إعادة قراءة المشهد من جديد.
لقد أضمر "الفراعنة" في حشايا قلوبهم غير ما أضمرته الحسابات الجافة؛ نسجوا في صمتٍ مهيب ما لم تعِهِ استديوهات التحليل، مُعدّين روايةً لم تكن الأرقام قادرة على التنبؤ بفصولها. كانوا يعلمون أن الأمجاد لا تُمنح على الورق، بل تُنتزع في تلك المسافة الضيقة بين رفع العلم وصافرة الحكم؛ مسافةٌ لا يقطعها إلا الرجال، فلم تكن البطولةُ عندهم "سجلاً" يُحرر، بل كانت "نداءً" يُلبّى.
وبمجرد أن التفتت الأنظار نحوهم، تبدّلت قواعد الاشتباك؛ فلم تعد الكرة مجرد أداةٍ للعب، بل غدت لغةً حواريةً تتجاوز حدود المنطق التحليلي. كل التحامٍ على أرض الميدان كان بمثابة حجةٍ دامغة، وكل لمسةٍ للكرة كانت صرخةً تُعلن انحياز الواقع لصالح من آمنوا بقوتهم لا بما قيل عنهم. ومع تعاقب الساعات، وتوالي المواحهات, بدأت الجدران العازلة التي بناها المشككون تتصدع، لتكشف عن فريقٍ لا يكتفي بالمشاركة، بل يُعيد تعريف مفهوم الإرادة في أرقى صورها.
سافروا لا يحملون ألقابًا ترهبُ المنافسين، ولا إرثًا يُلقي الرهبة في القلوب، بل حملوا "اسمَ مصر"؛ ثقلاً لا تستوعبه الحقائب، وحُلمًا لا تحده جغرافيا. لم يبحثوا عن "حضورٍ بروتوكولي"، بل ساروا بوقار من يكتب حكايةً ظنّ الواهمون أنها تستمد شرعيتها من تاريخٍ غابر, فخلع المنتخب ثوب "المشارك" ليرتدي عباءة "الظاهرة".
كانت ضربة البداية أمام بلجيكا؛ تاسعة العالم، وأحد الأسماء التي لم تغب يومًا عن قوائم المرشحين للذهاب بعيدًا والمنافسة على اللقب. يومها، لم ينظر المصريون إلى التصنيف، ولم يرتضوا لأنفسهم دور الخصم الثانوي، بل خاضوا اللقاء نِدّاً لنِدّ، بعقلٍ باردٍ وقلبٍ مشتعل. بادروا بالتسجيل بقدم "إمام عاشور"، ثم أطبقوا على إيقاع المباراة، أحرجوا كبرياء المنافس, أربكوا حسابات أحد الكبار، حتى بدا المنتخب البلجيكي ــ بكل ما يحمله من ثقلٍ وأسماء ــ هو المطالب بإثبات أحقيته بما كُتب عنه في الصحف. وحين انتزعوا التعادل في الأمتار الأخيرة، لم تكن مصر قد خسرت نقطتين، بل ربحت احترام العالم بأسره، تاركةً الجميع في حالة ترقبٍ للفصل التالي من الحكاية. لتثبت الأيام التالية أن قيمة ذلك الأداء تكبر كلما واصل البلجيكيون تقدمهم في البطولة.
جاءت ثاني المواجهات أمام نيوزيلندا، فإذا بالمباراة تتحول إلى لوحةٍ هجوميةٍ بديعة؛ لا تُقرأ بالأرقام وحدها، بل بما حملته من ثقةٍ وشخصيةٍ وروح. لم يكن مجرد انتصار، بل كان إعلانًا بأن ما حدث أمام بلجيكا لم يكن ومضةً عابرة، وإنما ميلاد فريقٍ كسر قوالب الأداء النمطي، وفرض إيقاعه باستحواذٍ ذكي، وضغطٍ لا يهدأ؛ حتى بدت الكرة وكأنها تعرف طريقها إلى القمصان المصرية أكثر مما تعرفه إلى غيرها، في أداءٍ انتهى بثلاثيةٍ أدهشت كبار المدارس الكروية.
ومع كل مواجهة، كانت الصورة تزداد اكتمالاً؛ ثم حضرت إيران كما تحضر الجبال؛ صلبةً وعنيدةً، لا تمنح خصومها شيئًا بلا ثمن. وكادت ركلة جزاءٍ مبكرة أن تبدّل ملامح المشهد كله، لولا أن "مصطفى شوبير" وقف سدًّا من يقين أمامها، بثبات من يحمل خلفه وطنًا كاملاً؛ فأغلق باب الحلم في وجه الإيرانيين، وفتح لمصر بابًا جديدًا نحو المجد. ومن تلك اللحظة، لم يعد المنتخب يطارد المباراة، بل أصبحت المباراة هي التي تركض خلف إيقاعه، حتى حُسمت المواجهة بهدفٍ لكل فريق، مُثبتةً أن الفراعنة صاروا كتيبةً جعلت من الانضباط لغةً، ومن الجدية منهجًا، ومن القتال حتى اللحظة الأخيرة عهدًا لا يُنقض؛ كتيبةً تجسد شخصية فريقٍ يعرف كيف ينتصر ويُقنع في آنٍ واحد.
تأهل المنتخب لأول مرة في تاريخه إلى الأدوار الإقصائية بعد اثنين وتسعين عامًا من بداية الحكاية، ثانيًا بفارق الأهداف؛ لكن الحقيقة أنه كان قد تصدر شيئًا آخر: قلوب المصريين ونظر العالم. فمع كل خطوة، كانت الشكوك تتوارى خجلاً، ليحل محلها يقينٌ جديد، لم يكن ذلك صعودًا في جدول البطولة فحسب، بل ارتقاءً بصورة الكرة المصرية في أعين الجميع، لتثبت أن هذا المنتخب لم يأتِ ليملأ مقعدًا أتاحته زيادة عدد المشاركين، وإنما جاء ليملأ مساحةً جديدةً في ذاكرة البطولة.
في أولى محطات الأدوار الإقصائية أمام أستراليا؛ كانت ليلةً امتزج فيها العرق بالأعصاب، والإرادة بالاحتمال، فلم تكن مجرد مباراةٍ تُلعب، بل حكايةً تُكتب على مهل. تسعون دقيقة، ثم وقتٌ إضافي، فركلات ترجيحٍ وقفت فيها القلوب على أطراف الدعاء، حتى ابتسمت السماء لمصر، فعبرت لأول مرةٍ إلى ثمن النهائي، لتكتب أول انتصارٍ لها في الأدوار الإقصائية بعد قرابة قرنٍ من الانتظار.
لكن المشهد الأجمل لم يكن في لوحة النتيجة، بل في تلك اللحظة الأسمى؛ حين رفع حسام حسن علم فلسطين على الأراضي الأمريكية. هناك، خرجت الكرة من حدود اللعبة لتتحول إلى لغةٍ أبلغ من الخطب، ورسالةٍ أصدق من كل البيانات، لا يخطئُها مَن امتلك ضميرًا, لتصير المستديرة لسانًا لموقفٍ إنسانيّ وقوميّ عجزت منابر السياسة، في كثيرٍ من الأحيان، عن التعبير عنه بمثل هذه البلاغة.
ثم جاءت ليلة الأرجنتين الكبرى؛ تلك التي لم تعد البطولة بعدها كما كانت. ليلةٌ تمدد فيها الزمن، وضاقت المسافات بين الحلم والحقيقة، وتبددت فيها المقاييس حتى أيقنت قوافل الخبراء أنها بحاجة لإعادة الحسابات. لم يكن المنتخب المصري مجرد كومبارسٍ يؤدي دوره أمام بطل العالم، بل كان مبادرًا في صياغة واحدةٍ من أكثر مباريات المونديال إثارةً وجدلاً. تقدم المصريون بهدفين، وصمدوا وأربكوا "راقصي التانجو" حتى اللحظات الأخيرة، جاعلين الملايين حول العالم يتابعون المشهد بقلوبٍ لا تعرف إلى أي جانبٍ ستميل دفّة اللقاء.
ثم جاءت قرارات التحكيم وتقنيات الفيديو لتشعل عاصفةً تجاوزت حدود الملعب، مُحوّلةً المباراة إلى قضيةٍ كرويةٍ عالمية، تناقلتها وكالات الأنباء، وازدانت بها افتتاحيات الصحف، وأفاض فيها المحللون نقاشًا وجدلاً. لم يعد الحديث عن نتيجة مباراة، بل عن منتخبٍ استعاد معنى الشخصية، وعن لاعبين أكدوا أحقيتهم، وفرضوا هيبتهم على العالم، وحفروا اسم مصر في قلب النقاش الكروي الدولي، بعد أن أبكوا أيقونة الكرة العالمية.
وهنا, أُسدل ستار المشاركة وتوقفت الرحلة عند الدور ثمن النهائي، غير أن صداها لم يتوقف؛ فقد خرج المنتخب من البطولة، لكنه لم يغادر وجدانها. بقي حاضرًا في العناوين، وفي ذاكرة الجماهير، وفي ضمير المنافسين، وفي لغة الأرقام التي كسرت صمت العقود، لتشهد لأول مرةٍ عبور مصر لدور المجموعات، وتسجيل أول انتصارٍ في الأدوار الإقصائية، وحضورًا فرض نفسه بقوة بين كبار اللعبة.
لم يمسّ المنتخب الكأس، لكنه لمس ما هو أعمق: استعاد الهيبة للكرة المصرية، وأعاد للعلم مكانه في محفل العالم، ومنح المصريين يقينًا جديدًا بأن هذا الوطن، حين يؤمن بأبنائه، لا يصنع المستحيل فحسب، بل يجعل التاريخ نفسه يتوقف ليقرأ صفحته, صفحةٌ لا تمحوها صافرات النهاية ولا يطويها النسيان. لقد بتنا نوقن أن ليست كل الرحلات تقاس بالأميال؛ فبعضها يُقاس بثقل الأحلام حين تُحمل على أكتاف الرجال. هكذا, خاض الفراعنة مِعراج هذه النسخة المونديالية، بعدما قرروا أن يجعلوا من كل مباراةٍ فصلاً جديدًا في روايةٍ ظن الجميع أنها لن تُكتب.
عادوا.. ليس كما غادروا
لم تكن الطائرة الخاصة القادمة من وراء الأطلسي تحمل فريقًا أتعبه صراع الميادين فحسب، بل كانت تحمل في جوفها أبناء وطنٍ استعاد شيئًا من نضارة ابتسامته. حين لامست عجلاتها مدرج العلمين، لم يتوقّف الزمن عند لحظة الهبوط، بل امتدَّ ليعانق المسافة التي قطعها هذا الجيل بين "الارتياب" الذي ساد البدايات، و"اليقين" الذي انتزعوه من قلب المونديال، بمداد العرق وجهاد الملاعب.
في صباح الجمعة الساحلي، تلاقت أمواج البحر الهادئة بصخب الجماهير المنتشية، لترسم لوحةً نادرةً يتساوى فيها الجميع في محراب حبّ مصر؛ حيث تهاوت كل المسافات، وانمحت كل الحروف التي خُطّت قبل بدء الطريق، فلم يعد هناك مكانٌ للحسابات الضيقة، ولا للتوقعات الباهتة التي ظنَّت أن هذا الجيل مجرد عابرٍ في حفل الكبار.
تجاوزت شوارع المدينة كونها مجرد طريقٍ يعبرونه، بل كانت نهرًا بشريًا هادرًا، يموج بألوان العلم المصري، ويرتفع بهتافاتٍ كُتبت بحبر الحناجر، وصدىً لا يُشبه إلا صدى الانتصارات الخالدة التي تظل رنّة أصدائها في الآذان دهورًا. كانت الجماهير تُدرك أن العائدين لم يأتوا بذهبٍ يلف الأعناق ويُزينها، ولا بلقبٍ يُعلّق في المتاحف، بل عادوا بإيمانٍ متجددٍ بأن كرة القدم ما زالت قادرةً على أن تُعيد للأحلام نبضها، وأن تجعل اسم مصر حاضرًا في سجلات العظماء، لا بصفة المشارك الهامشيّ، بل بصفة المؤثر الذي لا يُمكن تجاوزُه.
اعتلوا الحافلة المكشوفة، يحدقون في بحر الوجوه التي لا تنتهي، يقرؤون في عيون الناس فصول الصمود التي خاضوها، ويتذوقون طعم الحب الذي لا يُقدَّر بثمن. كانوا يدركون، في تلك اللحظات، أن الاستقبال كان أكثر من احتفالٍ عابرٍ؛ بل كان وعدًا من أمةٍ لجنودها بأن التضحية لا تُهدر، وأن الحلم ــ مهما طال مداهُ ــ فإن صُبحه آتٍ.
هكذا تحتضن مصر أبناءها؛ لا بأذرعها فحسب، بل بروحها وتاريخها، وكأن الأرض نفسها تتنفس فرحًا حين تعود إليها أقدام من رفعوا اسمها عاليًا. ليعودوا جميعًا، وقد ملأَ اليقينُ مَداهُم، وأدركوا أنهم لم يعودوا كما غادروا, موقنين بأن هذه ليست النهاية، بل هي درب جديد تُنيرُه السنوات القادمة.
من الشغف الشعبي.. إلى وقار وحكمة القيادة
في صبيحة السبت الماضي، لم يكن اللقاء الرئاسي بروتوكولاً عابرًا، بل كان حوارًا دافئًا بين قائد وطن وأبنائه. حين وقف الرئيس عبد الفتاح السيسي أمام أبطال المنتخب وجهازهم الفني، جاء الحديث لا عن مشاركةٍ انقضت، بل عن رحلةٍ بدأت. فقد أكد أن ما صنعوه ليس إنجازًا رياضيًا يُحصى في جداول الأرقام، بل هو حالةٌ وطنيةٌ فريدة، أعادت للمصريين وهج الالتفاف حول رايتهم التي هي عنوان عزتهم وفخرهم، وأثبتت أن الجدية، والانضباط، والعمل الصادق ليست مجرد أدوات فوزٍ في الميدان، بل هي عُنوان نهضةٍ، ومفتاح عبورٍ إلى الجمهورية الجديدة التي نُريدها.
لم يحدّثهم الرئيس عن مباراةٍ خاضوها, ولا عن مرارة لحظة الوداع التي آلمتهم، بل غاص بهم إلى ما هو أعمق؛ مؤكدًا أن ما قدَّموه تخطى كونه كرة تُركل، بل كان نموذجًا مُلهمًا يُحتذى به في كل زاويةٍ من زوايا الحياة المصرية. وبنظرةٍ تقرأ الآفاق، رسم الرئيس خريطة طريقٍ واضحة؛ مشددًا على أن الغد الرياضي يولد من رحم ملاعب الناشئين، وأن اكتشاف المواهب رهنٌ بالتجرد والعدالة، بعيدًا عن أية حساباتٍ ضيقة، لتظلّ مصر مصنعًا لا يتوقف عن إنجاب أجيالٍ تحمل الراية. كما توقف عند حقيقةٍ جوهرية، معتبرًا أن القيادة الفنية الوطنية قد أثبتت أنها الأقدر على سبر أغوار "شخصية اللاعب المصري" حين تتوافر لها الثقة والدعم، لتبرهن للعالم أن أبناء الوطن هم الأجدر بصياغة أمجادهم.
وحين جلس الرئيس وسطهم، تلاشت المسافات التي تفرضها البروتوكولات الرسمية، ولم تبق إلا مسافةٌ واحدة؛ تلك التي تجمع وطنًا بأبنائه. فاستكمل الشغف الشعبيّ بوقار القيادة الواعية, فكان مشهد التكريم، وجاءت الصورة التي ستظلّ محفورةً في الذاكرة؛ إذ منح الرئيس أعضاء المنتخب كأس الجدارة وأوسمة التقدير، ليس كقطعٍ معدنيةٍ تُحفظ في الخزائن، ولا هي تعويضٌ عن حلمٍ تأجَّل، بل كانت وسام فخرٍ على صدور رجالٍ جعلوا مصر ترفع هامتها عاليًا بين الأمم.
مصر تحتفل .. وعين العالم ترصد
لم تقف تغطية وكالات الأنباء العالمية والصحف الدولية عند حدود المسار المونديالي للمنتخب المصري، أو تكتف بتفكيك حالة الجدل التي أثارها صمود الفريق وجدارته واستحقاقه أمام حامل اللقب؛ بل امتدت عدسات وأقلام العالم ــ من كبرى الشبكات التلفزيونية إلى أعرق دور النشر ــ لتلتقط أبعادًا أعمق، متأملةً في "ظاهرةٍ" تجاوزت في أثرها أبعاد المشاركة الرياضية.
لقد رصد العالم، بدهشة المتابع لحركة التاريخ، مشاهد الاستقبال الشعبي الحاشد في مدينة العلمين، ومراسم التكريم الرسمي للفريق؛ فلم تكن بالنسبة إليهم مجرد حفاوة رياضية، بل كانت "لوحةً وطنيةً" فريدة، تفيض بدلالات الالتفاف الشعبيّ حول علمٍ استردّ بريقه. توقفت الشاشات طويلاً أمام تلك الحشود التي غصّت بها المدينة، حيث وصفت التقارير الصحفية الصادرة من عواصم كبرى كيف تحوّل الفراعنة في وجدان الجماهير إلى أيقوناتٍ وطنية، تعكس نبض شارعٍ وجد في أداء منتخبِه مرآةً لكرامته.
لم تعد التغطية الدولية مقصورةً على لغة الأرقام، أو تفاصيل العبور نحو الأدوار الإقصائية وما أُثير حولها من نقاش، بل انحازت لرصد تلك العاطفة الجياشة التي وحّدت بين صخب الشارع ووقار القيادة في مشهد التكريم؛ حيث أجمعت التحليلات على أن ما شهدته مصر في تلك الأيام كان "إعادة تعريفٍ" لمعنى الانتماء. لقد اتخذت الصحافة العالمية من هذا المشهد مادةً خصبةً للحديث عن "الصحوة المصرية"، مؤكدةً أن هذا الالتفاف الوطني الكبير كان انعكاسًا صادقًا لشعبٍ قرر، في لحظةٍ فارقة، أن يُعلن للعالم أنّه حاضرٌ، واثقٌ، ومُؤمنٌ بقدَره وقدرته.
وها هو ستاد القاهرة يفتح أبوابه, يرتدي ثوب الاحتفال الشعبي والغنائي البهيج، حيث يلتقي أبطال المنتخب بجماهيرهم التي لم تكفَّ عن حملهم بالدعاء، حتى جاء اليوم ليحملوهم على الأكتاف. وفي الوقت ذاته، تحولت الفضاءات الإعلامية إلى ساحاتٍ للاحتفاء؛ إذ تسابقت القنوات الفضائية لاستضافة النجوم وجهازهم الفني، فتحولت قصصُهم من مجرد تصريحاتٍ رياضيةٍ عابرةٍ إلى حكاياتٍ تتردد في كل بيتٍ مصري، حكايات تُروى على مسامع الصغار قبل الكبار، وعن يقينٍ لم تهزَّه رهبة المنافسين، ولا تنال منه غطرسة الكبار, ولا تُثنيه قرارات التحكيم المثيرة للجدل.
كل وجهٍ من وجوه اللاعبين يحمل قصةً مختلفةً، وكل قصةٍ تحمل درسًا يُكتب؛ باتوا يتحدثون عن لحظات التعب التي توارت خلف ابتسامات الانتصار، وعن دموع الفرح التي اختلطت بعرق الكد. وفي الاستديوهات، أعاد المحللون قراءة المباريات الخمس التي خاضها الفراعنة, ولكن بعيونٍ مختلفة لا يُكحلها الشك. لم يقف الصدى عند حدود الشاشات، بل تحولت منصات التواصل الاجتماعيِ إلى بحرٍ عاتٍ من المشاعر؛ إشادات تتزاحم، وفيديوهاتٌ تعيد صناعة المجد بلقطاتها، ورسائل حبٍ تصل إلى اللاعبين من كل بقاع الأرض.
ففي زمنٍ قد تُقاس فيه الانتصارات ببريق الذهب، أثبت أبناء هذا المنتخب أن هناك إنجازات أعمق؛ تُنقش في ذاكرة الشعوب. ففي مشاهدٍ مهيبة، من صخب مدرجات "أتلانتا" إلى دفء شواطئ "العلمين"، ومن نبض الاحتفالات الشعبية الصادقة إلى رحاب اللقاء الرئاسي الوثّاب، وصولاً إلى ستادٍ يموج بالجماهير؛ لم تكن رحلة الفراعنة مجرد عودة بعثةٍ رياضيةٍ من ميدان المنافسة، بل كانت انبعاثًا لعزيمةٍ وجدت طريقها لتعانق قلوب أبناء هذا الوطن ..
وتبقى الأحلام حاضرة والآمال متجددة
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليست كل الرحلات تُقاس بمسافات الأميال، ولا تُوزن بما تحمله الطائرات من أمتعة؛ فثمّة رحلاتٌ لا يكتب التاريخ فاتحتها إلا...
في مشهد حمل دلالات استراتيجية لافتة، افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي، قبل أيام، مقر القيادة الاستراتيجية للدولة "الأوكتاجون" بالعاصمة الإدارية...
قد يظن البعض أن إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة هدفه الوحيد نقل مؤسسات الدولة وإبعادها عن أي مظاهرات أو احتجاجات شعبية...
لم يعد المونديال ضيفًا عابرًا طرق أبواب الصيف، بل غدا سيّد الحكاية الذي يمسك بخيوطها، ويقود أبطالها إلى مصائرهم. صار...