أم كلثوم.. فى ذكرى مرور50 عاماً على رحيلها

تأثير «القصبجى» فى حياتها الفنية وأسباب التحول الكبير فى أدائها الغنائى واختيار أزيائها الخاصة تفاصيل واقعة مؤثرة فى طفولتها كتبتها بخط يدها لتصبح نقطة تحول فى حياتها زيارة ليلية من الشيخ أبوالعلا محمد غيّرت حسابات والدها.. وأسطوانة واحدة جعلتها تطيح بكبار المطربات

ربما كانت فاطمة بنت الشيخ إبراهيم - أم كلثوم - تشعر أن شيئاً ما سوف يتحقق لها.. ربما كانت تشعر أن تأثيرها سوف يتجاوز محيط قريتها وبيتها المبنى بالطوب النىّ.. ليصل من المحيط للخليج ومن الشرق للغرب ومن الشمال للجنوب.. شىء ما ينمو بداخلها لم تقبض عليه، لكنه ينمو.. بدا ذلك واضحاً لعائلتها عندما أصرت على أن تتعلم مثل شقيقها فى الكُتّاب - لا فرق بين أنثى ورجل - فقط تريد أن تتعلم وهى لا تعلم ضيق الحال.. هنا وبعد صلاة الفجر حدث ما يمكن أن نسميه نقطة التحول الرهيبة فى حياة الست.. استيقظت من نومها لتجد والدها ووالدتها يتحدثان عن مصروفات الكُتّاب، وأنه لا يستطيع توفير قرش لكى تتعلم أم كلثوم.. فقط ما يمكن أن يتحمله هو قرش تعلم شقيقها إبراهيم.. الأم دافعت عن تعليم ابنتها حتى لا ينكسر قلبها.. هنا أم كلثوم تتطلع للسماء وتدعو: «يارب ساعد أمى».

لقد قرأت ما كتبته أم كلثوم بخط يدها عن هذه الواقعة.. كتبت وبخط جميل: «لم أسمع من أبى وأمى فى يوم من الأيام شكوى بصوت مسموع من الفقر والحرمان الذى نعيش فيه.. كانا يحاولان دائماً إخفاء الضيق عنا ولا يكشفان عن هذا الضيق إلا بهمسات بعد صلاة الفجر عندما يتصوران أننى وأخى نائمان.. لا نسمع شيئاً، ولكن هذه الهمسات عاشت معى وكانت تدوّى فى أذنى.. كنت أتصور أن كل ما أستطيع أن أقدمه لأمى هو أن أتطلع للسماء وأقول يا رب ساعد أمى».

أؤمن بأن هذه الواقعة هى نقطة التحول.. أؤمن بأنها خلقت تحدياً كبيراً داخل كوكب الشرق لتكون الأولى على مر العصور.. لتكون صوت مصر والعرب.. لتغير من وضعها ووضع عائلتها.. لتصنع مصيرها بيدها.. كان الله عز وجل قريباً منها.. لم يرد لها ما دعت به وساعد الله أمها عندما ساعدها هى.

تعلمت فى الكُتّاب وحفظت القرآن الكريم وتعلمت فنون التلاوة.. فى الوقت نفسه حفظت القصائد والتواشيح التى كان والدها يعلمها لشقيقها ليساعده فى الليالى التى يحييها.. الطفلة تحفظ ثم تذهب معهم وتشارك، وفى أول ليلة لها يحتفون بها ويعجبون بصوتها وكان الأجر «طبق مهلبية».. تكثر الليالى ومعها يزداد الأجر.. مرة منحها أحد الأشخاص قطعة فضة - 10 قروش - ما إن ذهبت إلى البيت حتى أعطتها لأمها - يارب ساعد أمى - وظلت أم كلثوم تتنقل بين القرى تحيى الحفلات، وفى كل مرة يزداد الأجر وفى كل مرة يتضاعف المعجبون.. وكان من بينهم زوجة أحد الباشوات.. منحتها خاتماً ذهبياً و3 جنيهات.. ذهبت أيضاً إلى البيت ووضعتها بين يدى أمها - يارب ساعد أمى -.

وظلت أم كلثوم على هذه الحال، حتى حدث أهم تحول فى حياتها عندما التقت بالشيخ أبوالعلا محمد الذى ذهب إلى بيتهم تحقيقاً لرغبتها بعد أن التقته صدفة هى ووالدها فى محطة القطار.. ذهب إلى البيت وغنى الشيخ وغنت معه أم كلثوم، وأعجب بصوتها واقترح على والدها الانتقال للقاهرة، ووافق الشيخ إبراهيم بعد إلحاح من أم كلثوم، وجاءت للقاهرة واستقرت فيها لتنافس الكبار وتطيح بهم واحداً تلو الآخر.. من مطربات ومطربين، وتنفرد بالقمة لوحدها.. أول أسطوانة من تلحين أبوالعلا محمد (مكتشفها وملهمها) تحقق 18 ألف أسطوانة، وهو رقم لو تعلمون رهيب فى هذا الوقت.. تتألق أكثر عندما تتخلص من مرحلة التواشيح وتطرق ساحة الشعر والشعراء ليكون أحمد رامى اللبنة الأولى والأهم فى مشروعها الغنائى الكبير، ومعه الأعظم موسيقياً محمد القصبجى.. قُل فيه ما شئت.. فهو المجدد ومدربها الخاص على المقامات الموسيقية ومعلمها للعزف على العود وملحن أول أغنية خاصة ومؤسس فرقتها الموسيقية.. الفرقة التى ودّعت معها مرحلة التخت الشرقى ومعها خلعت العقال والعباءة وارتدت ملابس عصرية.. مع القصبجى لمعت وأول لحن لها يحقق أعلى المبيعات لتناطح منيرة المهدية سيدة عصرها، وفتحية أحمد مطربة القطرين وبالوقت - ليس بالطويل - اختفت الاثنتان من أمامها.

تأتى فترة الستينات وتتجلى عظمة أم كلثوم وتجدد نفسها تماماً مع جيل جديد أحدث انقلاباً على مستوى الموسيقى والشعر.. اكتشفت وتعاونت مع كثيرين ممن أثروا الفن المصرى.. ممن أمتعونا بإبداعاتهم الساحرة، من بينهم، بل فى مقدمتهم، بليغ حمدى ومحمد الموجى وسيد مكاوى وزكريا أحمد.. ومن قبل وبعد الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب.. مسيرة عظيمة لم تبتذل نفسها ولم تتنازل.. احترمت فنها وآمنت برسالته فأصبحت قِبلة العرب جميعاً.. بصوتها ولوحدها وحّدت العرب.. لن تجد من يختلف عليها.. لن تجد واحداً يشق الصف لينتقد أو ينال منها، ولن تجد دولة عربية إلا ومنحتها أعلى الأوسمة وكرّمتها بما يليق بها وبفنها الخالد.. متى ذُكر اسمها وقف العالم احتراماً.. متى غنت تسلطنوا.. متى علا صوتها انتزعت الآهات وتمايلت الرؤوس وتوهجت المشاعر.. فى هذه الفترة أصبحت أم كلثوم الأيقونة المقدسة ليس للمصريين فقط وإنما للعرب جميعاً، ولمَ لا، فقد كانت تناديهم فى موعد شهرى ثابت فيلبّى الجميع النداء من مختلف الطبقات والأعمار والعقائد.. تتوقف الحياة تماماً فى مختلف البلدان من المحيط للخليج؛ من يذهبون لمكان حفلها، ومن يلتفون حول الراديو.. تتوقف الحياة لتبدأ حياة جديدة مع بداية عزف فرقتها.. تتوقف دقات القلوب مع دقات المسرح الثلاث لتبدأ القلوب تنبض مع فتح الستار عن كوكب الشرق التى تخطف الألباب.

الآن.. مرت 50 عاماً على رحيل الست أم كلثوم، سنوات كثيرة لكنها لم تنل من بريق الكوكب الذى يضىء دروب العاشقين للطرب والنغم المصرى والعربى، مرت 50 عاماً ولا تزال هى الأيقونة الموسيقية الجامعة والموحّدة لشعوب الشرق على المستوى الرسمى والشعبى.

أم كلثوم ليست بحاجة لمن يحتفى بها.. بل نحن من نحتاج لاستعادة مسيرتها والتذكير بسيرتها.. لتضىء طريق الباحثين عن سر عظمة وخلود هذا الوطن وأيقوناته الراسخة كما النيل والأهرامات.

 	خالد حنفى

خالد حنفى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

باب الحرية- رمز للوطنية والمقاومة عبدالمنعم رياض.. الجنرال الذهبى الذى لن يموت

ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...

صلاة النصر في محراب الفيروز

ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...

بروح رياضية - درس الجمهور

فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...

السعادة ممكنة - «عبد الرحمن على » أمل متجدد وحضور طاغٍ

(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...