بكل صراحة- فى رحاب العملاقين

الفارق العمرى بين يحيى حقى ونجيب محفوظ هو ما يقرب من سبع سنوات فقط، فالأول من مواليد يناير عام 1905م والثانى من مواليد ديسمبر عام 1911م،

والإثنان من جيل نشأ على وقع ثورة 19، وتربى فى رحابها وعاش شبابه فى زخمها، فهما إبنان من أبناء الوطنية المصرية فى أعظم تجلياتها، وقد كان يحيى حقى مصرياً أصيلاً رغم جذوره التركية، أما نجيب محفوظ فيمكن اعتباره ـ دون مبالغة ـ المعبر الناصع عن الشخصية المصرية عبر الزمن.

اجتمع الأديبان الكبيران عند نقاط التقاء كثيرة لعل أهمها الشخصية الطيبة المتواضعة المعطاءة الزاهدة فى الشهرة والنجومية.. هذا على المستوى الإنسانى، أما على المستوى الإبداعى فلا يختلف أحد على تفرد يحيى حقى فى فن القصة القصيرة كما تفرد نجيب محفوظ فى الرواية.. مع مراعاة أن أعمال يحيى حقى كانت قليلة قياساً إلى أعمال محفوظ، ولا يمكن أن ننسى روائع حقى مثل قنديل أم هاشم والبوسطجى وسارق الكحل ودمعة فابتسامة وصح النوم.. وقد جمع مكان وظيفى واحد بين محفوظ وحقى هو مصلحة الفنون، وعن هذه المرحلة الوظيفية من حياته قال محفوظ لرجاء النقاش: عرفت الأستاذ يحيى حقى فى الوظيفة، فقد أنشأ وزير الإرشاد فتحى رضوان مصلحة الفنون واستمرت هذه المصلحة خلال الفترة الممتدة من سنة 1955 إلى عام 1959 وتم تعيين حقى فى منصب مدير المصلحة وطلب اثنين من المساعدين واختارنى أنا وعلى أحمد باكثير وعملت مديراً لمكتبه.. كان حقى أول وآخر من تولى إدارة مصلحة الفنون وبسبب علاقتى الوظيفية معه اقتربت منه أكثر. طبعاً يقصد محفوظ إنه عرف حقى واقترب منه بشكل أكبر فى مصلحة الفنون لكنه كان قد قرأ له قنديل أم هاشم عام 1945 وقد قال محفوظ عنها «وجدت فيها عذوبة وفناً رفيعين».. وكان قد تعرف عليه قبل وجودهما فى مصلحة الفنون حيث قال محفوظ «تعرفت على حقى أول مرة فى نادى القصة ثم حضرت دعوات فى بيته بالزمالك ضمن آخرين.. البساطة التى وجدتها فى أدب يحيى حقى هى نفسها ما يميزه فى الوظيفة». كان محفوظ يقوم من كرسيه إذا رأى يحيى حقى قادماً إليه فى مصلحة الفنون احتراماً لمقامه الوظيفى كرئيس له فقد كان محفوظ يقدر التقاليد الوظيفية تقديراً تاماً بينما كان حقى يلومه ويقول له إنك أديب كبير.

ويتذكر نجيب محفوظ أنه أثناء عملهما بمصلحة الفنون كان يركب مع يحيى حقى فى سيارته ليقوم بتوصيله إلى شارع رضوان شكرى بالعباسية ثم يواصل حقى طريقه إلى مقر سكنه بمصر الجديدة، وكثيراً ما كانا يتناقشان ويتجادلان فى الأدب وتياراته المختلفة.

أما يحيى حقى فقد شهد ببراعة محفوظ وتفرده الروائى الكبير فى أكثر من مناسبة كما دافع عنه دفاعاً متعقلاً لاانفعالياً فى أزمة رواية أولاد حارتنا.

والحديث يطول فى رحاب العملاقين نجيب محفوظ ويحيى حقى.. رحمهما الله.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

جرجس
جرجس
جرجس

المزيد من أقلام

​الأهراماتُ المقلوبةُ.. أخطارٌ تهددُ الوطنَ والمواطنَ

​المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...

ما وراءَ المُسيّرَة .. كيف وُئِدَ الانفِجار قبْل أن يُولد..؟

لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...

في مئويّة الصّوت وستّينيّة الضّوء.. "ماسبيرُو" والبعثُ الرّقمي لذاكرة الأُمّة

للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...

رحيلٌ يُورث الوحشة

ليس كلُّ الراحلين يتركون وراءهم هذا القدر من الصمت. فثمّة ضيوفٌ يمرّون على الدنيا مرور الغيم العابر، لا يتركون سوى...