ترحال - مدينة الجلالة.. شرفة فوق قمة جبل

الجلالة عذراء الجبال.. وبوابة الفرح.. عتبة المرح الطفولى للهاربين إلى دنيا البراءة. الجلالة لحظة العبور من دنيا الضباب والغبار إلى زمن الشمس والضوء. الجلالة كانت

الجلالة

 عذراء الجبال.. وبوابة الفرح.. عتبة المرح الطفولى للهاربين إلى دنيا البراءة.

الجلالة

لحظة العبور من دنيا الضباب والغبار إلى زمن الشمس والضوء.

الجلالة

كانت حلمًا فى خيال شاعر.. أمست أرضا وواقعا

الجلالة

لا أتحدث إليكم عن صبية تحمل هذا الاسم، لكننى أتحدث عن مدينة جديدة، نصبت بين الجبال والبحر، قرب شواطئ العين السخنة.

على بعد 90 دقيقة من قاهرة المعز، يستقبلنى البحر.. تمسح أمواجه عن قلبى كل أحزان المدينه الغول، وتمنحنى الجبال رغبة فى التحليق إلى السماء.

فى الصباح الباكر.. أجد نفسى فى قرية خرافية الجمال والبراءة، يدعونها مدينة الجلالة، شطآن خرافية الهدوء، رسم دخولك الوحيد إليها ابتسامة، حذارٍ أن تحزن، فالزمن هنا سيصدر عنك عفوا، ويغفر لك كل أحزانك، وإذا عجزت كل الدنيا عن حمل همومك؛ فوحده جبل الجلالة قادر.

فوق أعلى قمة فى جبل الجلالة وعلى بعد 700 متر فوق سطح البحر، أقف مشدوهة بكل هذا البهاء الكونى من حولي، البحر والجبل حيث يحوم الحزن كالشبح، تطارده ألسنة الشمس بلهيبها، وتفوح من البحر رائحة اليود والأشجار عطرية الأنفاس.

فوق جبل الجلالة، عدت طفلة، لم أخبر أصدقاء جمعية الكتاب السياحيين ـ الذين أرافقهم لأول مرة فى رحلة بالتنسيق مع إدارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة ـ أننى كاتبة، لأن حديث الكتابة سيجرنى إلى ذكريات وأوجاع المدن الحزينة التى شهدت ترحالي، وأنا اليوم فى حضرة مكان تحكمه ملكة العفو والابتسامة.. ثم إننى لم أكذب حقا على رفاق الرحلة فى جبل الجلالة، فأنا عدت طفلة للتو، غسلتنى كل تلك البراءة..

ومرت الساعات.. ولا أحد يحدثنى عن مهنتى كعابرة سبيل أعشق الترحال فى مدينة النضارة والعافية والشمس، وظننت أننى نجحت أن أعود طفلة دون خسائر إلا ذاكرة المدن الحزينة.

وفى لحظة اختلستها من الجماعة، أويت إلى ركن بعيد من الجبل، أطل على زرقة البحر، ولا أدرى لماذا إذن يدعونه البحر الأحمر، منحنى البحر صدفة بحجم مركب، ومنحتنى الأرض مجدافا من النخيل، وأخذت أجدف باتجاه الشمس، ولم أكد أصل إلى السحاب حتى أيقظتنى يد زوجى وهو يهزنى بشدة وقال لى  وكنا قبلها قد هجرنا اللغة واكتفينا بحوار الصمت ـ استيقظى نحن فى انتظارك، وفى انتظارك ترحال ما تكتبين!!

سرت مع الجماعة إلى البحر، رمال الجلالة الدافئة، أغوص فيها وأنا أضحك، لقد هربت أكثر من ١٥٠ كيلو، وخلعت كينونتى الكتابية عن اسمى، ورميت بقلمى من أعلى قمة جبل الجلالة إلى دوامة البحر، واستبدلت به فرع شجرة، وعدت طفلة تلهو وتحلم فى مدينة المرح والبراءة، ولكنهم أرجعونى لترحالى.

وها أنا فى حضرة الجبال التى ظلت منذ زمن طويل مجرد رمز للأماكن التى يحيطها الخطر والغموض، لكنها كانت كذلك أماكن للعبادة والتقرب إلى الله  (جبال مكة حيث جبل النور وحيث يوجد غار حراء الذى كان يأوى إليه الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.. جبل الطور الذى تجلى عليه الله سبحانه وتعالى لسيدنا موسى، جبل سانت كاترين تخليدا للقديسة كاترين).

ومع منتصف القرن الثامن عشر، بدأت الجبال تدخل فى الكتابات الأدبية العالمية: جون جاك روسو الذى وقع فى غرام الجبال.. بل ووجد فى غموضها سببا أن نقع فى حبها: (إن هذه الجبال الغامضة تستحق أن نقع فى غرامها).. وأنا وقعت فى غرام الجبال، منذ اللحظة التى تسلقت فيها جبل "فوزوفيو" حتى فوهة البركان فى مدينة نابولى الإيطالية، على بعد  أكثر من 4 آلاف قدم ( 1,281 متر) عن سطح البحر، بينما كان يعتمل إحساس غريب وعجيب لم أستشعره من قبل، هو مزيج بين نشوة الإحساس بأن يدىّ تكادان أن تطولا الشمس، ورعب يتملكنى من مشهد كل ألسنة الدخان من حولى وهى تكاد تطول قامتي، تتوعدنى كقنبلة موقوتة، فمازال تحت الرماد لهيب.

الرحلة من القاهرة إلى مدينة الجلالة، تمر عبر طريق الجلالة المعبد الجديد الذى نُحت وسط الجبال، سلسلة من جبال البحر الأحمر شرق مصر، والتى تدخلت اليد البشرية فى نحتها على الجانبين كما جبل سقارة بمنحدراتها الصخرية الضخمة،  تبدأ عند العين السخنة فى أقصى شمالها وتمتد حتى الزعفرانة جنوبا، وتنقسم الجبال إلى الجلالة البحرية شمالا، والجلالة القبلية جنوبا، يفصلهما وادى عربة.. يرتفع جبل الجلالة البحرية 1200 متر، ممتدا إلى الأفق ليشرنق مدينة الجلالة الجديدة، حيث تبدو سلسلة الجبال هنا أشبه بثعبان فى اللوحات الجدارية المزخرفة للعديد من اللاراريات أو ما يعرف بالأضرحة المنزلية الباقية فى مدينة بومبى الإيطالية، حيث كان جبل فيزوفيو يعبد كقوة للإله جوبيتر، إله السماء والرعد وملك الآلهة فى الدين الرومانى القديم والأساطير الرومانية القديمة.. كان جوبيتر هو الإله الرئيس فى دين الدولة الرومانية على مدى الفترتين الجمهورية والملكية، إلى أن أصبحت المسيحية هى الدين الحاكم فى المملكة فى الأساطير الرومانية.

  بمجرد النظر إلى جبل الجلالة يتخللك شعور غريب بالخشوع، وكأن الجبال كلها خلقت مقدسة، فجبل الجلالة له مكانة وأهمية دينية، إذ يُعتقد أنه المكان الذى عبر منه النبى موسى البحر الأحمر هربا من فرعون، كما أنه بالقرب من جبل الجلالة البحرية يوجد جبل التقي، إذن كيف لى أن أعتلى هذا الجبل المقدس الرهيب الغامض الذى أراقبه من نافذة السيارة برغبة عارمة فى اكتشافه.

صعدت بنا الحافلة قمة الجبل فى طريق تطل حافته على المدينة كلها لنصل إلى ارتفاع يتجاوز 690 مترا فوق سطح البحر، نطل من خلال بانوراما على البحر جمال المنظر ونقاء الهواء الذى يذبح الأنف فى طريقه إلى الرئة التى يمكن لها الآن أن تمارس الوظيفة التى خلقت من أجلها.. ولكن يبدو أن جميعنا، نحن وفد جمعية الكتاب السياحيين، مازلنا فى شوق لاكتشاف المدينه، نعود إلى الهضبة لتكتمل رحلتنا بالصعود مرة أخرى إلى أعلى قمة فى جبل الجلالة على بعد 700 متر عن سطح البحر، حيث يمكنك هنا أن  تشعر بخفة جسدك وبطمأنينة روحك وتشعر بهذا الغرام بين الجبل والبحر وتقول لنفسك لابد أنهما سيتعانقان يوما.

 فى مدينة الجلالة.. تشعر بما تعنيه حقيقة الإرادة المصرية وجيشها، تلك الإرادة التى تقوم بتحويل الجبال إلى مدن ومنتجعات، والتى امتدت أخيرا إلى جبل الجلالة الذى أنا فى حضرته الآن لتخلق منه مدينة عالمية غاية فى الجمال، تقع أعلى هضبة الجلالة على ارتفاع 700 متر من سطح البحر، بمساحة 17 ألف فدان.

المدينة كاملة المرافق والخدمات وتحتوى على مدينة طبية عالمية، وأول قرية أوليمبية لإقامة الفعاليات الرياضية للدولة، ومناطق سكنية سياحية وأخرى لمحدودى الدخل بالاتفاق مع وزارة الإسكان، وكذا مناطق خدمية لقاطنى المدينة.. يعطى الارتفاع الشاهق للمدينة ميزة مناخية حيث انخفاض درجة الحرارة.

أما منتجع الجلالة السياحى،  فيوجد على شاطئ خليج السويس بمنطقة "رأس أبو الدرج" على مساحة 1000 فدان. يضم المنتجع فندقين أحدهما جبلى وآخر ساحلى،  ومول متطور، تم ربطه بطريق طوله 17 كيلو مترا وتليفريك  بطول 6 كيلو مترات، وتم تنفيذه عن طريق شركة مصرية، بالإضافة إلى مدينة ألعاب مائية ومارينا لليخوت.   أما جامعة الجلالة فتضم 15 كلية فى مختلف التخصصات، بالإضافة إلى مركز دولى للمؤتمرات وإسكان للطلبة وأعضاء هيئة التدريس.

نصيحة من مسافرة: استيقظ صباحا، سافر بالأتوبيس عبر طريق الغردقة، انزل فى محطة الجلالة، افتح رئتيك لتتنفس بجد، ولن يكلفك الأمر بضعة جنيهات.

نبضة مسافرة

إذا كنت تريد أن تصل إلي قمة الجبل، لا تنظر إليه، ولكن اصعد إليه

«باتريك لويس ريتشارد »

 


 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - وعى المصريين

فى وقت تمر به  منطقة الشرق الأوسط وكذلك الدول العربية خاصة الخليج العربى  بأصعب أوقاتها  جاء خطاب  الرئيس عبد الفتاح...

نحو الحرية - ربنا يطمنك يا ريس

في لحظات القلق التي تمر بها المنطقة، ومع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية يبحث المواطن البسيط . عن كلمة تطمئنه،

بروح رياضية - جمهور الدورات الرمضانية

هل تابعت بعض الدورات الرمضانية هذا العام؟!.. إذا كانت الإجابة بنعم فالمؤكد أنك استمتعت بكثير من المواهب والمشاهد والأحداث.. وآهات...

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...