لا أدرى لماذا كلما اشتعل حريق فى غابات الجزائر ليلة صيف، أضبط نفسى متلبسة بالجرم المشهود، وقد تسللت إلى مكتبتى لأعيد قراءة رواية "الغريب" للكاتب الفرنسى ألبير كامو،
لا أدرى لماذا كلما اشتعل حريق فى غابات الجزائر ليلة صيف، أضبط نفسى متلبسة بالجرم المشهود، وقد تسللت إلى مكتبتى لأعيد قراءة رواية "الغريب" للكاتب الفرنسى ألبير كامو، الذى جعل من الصيف وشمسه الحانقة إلها من آلهة الشر فى بعض رواياته، وخاصة رواية "الغريب" التى تدور أحداثها فى بلد عربى هى الجزائر جنوب المتوسط، حيث جعل الصيف رصاصة تطلق من مسدس بطل الرواية الغريب عن المدينة فى وجه ابن المدينة الضحية.
فهل كان كامو يعلم أن مثل هذا المشهد سيحدث بعد أكثر من ستين عاما من كتابته للرواية وفى غابات الجزائر تحديدا؟.. حيث تتعرض الجزائر فى كل صيف لحرائق غابات موسمية ولكن نادرا ما تقترب من كارثة هذا العام، وأقصد هنا تلك الجريمة البشعة، التى ارتكبتها مجموعة من الشباب الجزائرى فى حق الشاب الموسيقى" جمال بن اسماعيل" من منطقة مليانة فى جنوب غرب الجزائر، بسحله وضربه حتى الموت بتهمة المشاركة فى إشعال الحرائق فى أماكن كثيرة فى الجزائر منذ عدة أيام، والتى أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 73 شخصا، فى الوقت الذى انتشرت فيه صور للشاب الضحية "بن اسماعيل" على وسائل التواصل الاجتماعى، يظهر فيها بصدد إطلاق دعوات تضامن على قناة تليفزيونية محلية عشية عملية سحله حتى الموت، قائلا: "وصلت البارحة، أتيت هنا لمساعدة إخوانى.. لقد قدموا لى درسا فى التضامن والشجاعة والقوة".. كما وجه والد الشاب الذى تم سحله حتى الموت دعوة للهدوء فى تصريح أدلى به لوسائل الإعلام قائلا: "القبائليون هم إخوتنا، نحن لا نبحث عن الفتنة. هذا أخوكم وأنتم تعلمون أنه مات شهيدا".
ولكن ما هو وجه التشابه بين ضحية "غريب" كامو، وضحية "القبيلة" جمال بن اسماعيل؟
الحقيقة أن الاثنين ضحية روح الصيف المجنونة العابثة التى تنفخ أنفاسها النواسية الهوجاء ليس فقط فى الغابة، ولكن فى نفوس وأمزجة كل من خرج إليها!
فى رواية "الغريب" التى كتبها ألبير كامو قبل أكثر من ستين عاما، يحس ابن باريس الذى يعمل موظفا فى مؤسسة بالجزائر ويقيم هناك، بالضيق من ذلك الحر الجزائرى، والشمس العربية التى لم يألفها.. الضجر والضيق بالحر باديان عليه، يدخن، يشرب القهوة، ويغط نائما أمام تابوت أمه التى اضطر إلى وضعها فى الملجأ قبل وفاتها، سلوكه مختلف لم يألفه أهل الجزائر.. لكن الحر شديد والرحلة مرهقة من الجزائر حتى الضاحية حيث الملجأ.
تنتهى مراسم الدفن، ويذهب برفقه صديق إلى نزهة إلى البحر، الشمس بدأت تصبح قاسية والرمال بدأت تلتهب، الغريب يحس بالضيق، يختنق ويشعر بأنه عاجز عن الدخول إلى الشاليه الذى يقيم فيه على البحر مع صديقه، ومواجهة السيدات باللطف المعهود والمجاملات الاجتماعية اللازمة، لذا يقرر أن يسير وحيدا على الشاطئ يسير، الشمس تصير رماحا من اللهب تمطرها سماء، يتفصد عرقا، العرق يغطى عينيه، وانعكاس الشمس إلى عينيه جمر يحرقهما(فى صفحات عديدة من الرواية يصف كامو أثر الشمس على الغريب، شمس الجنون)، ويسارع إلى الصخور ليحتمى بظلها وفجأة يراه أحد العرب الثلاثة اللذين يطاردون صديقه، ممددا تحت الصخور!. يحدق كل منهما بالآخر.
ولكن"الغريب" لا يهرب، وإنما يزداد اقترابا من الصخور حيث الظل، ويظن العربى أن الغريب يريد به شرا، فيشهر سكينه، وهنا يطلق الغريب عليه رصاصة من مسدس صديقه الذى كان يحتفظ به، ولكنه لا يكتفى برصاصة واحدة، كأن شمس الصيف الوحشية فجرت فيه قوة وحشية مجنونة، ويحاكم ويتهم بالقتل عمدا مع سبق الإصرار والترصد.
ليظل أجمل ما فى رواية الغريب حينما نلخصها أنها حكاية رجل ارتكب جريمة قتل تحت تأثير جنون مؤقت خلفته شمس الصيف، لكنه أدين بتهمة القتل مع سابق إصرار وترصد، نظرا لسلوكه العام الذى يجعل تصرفاته غير مفهومة للجميع، وأظن هذا هو ما حدث بالفعل مع مجموعة الشباب الذين لفحت عقولهم شمس أغسطس الملتهبة التى جاءت على يابس مدينتهم وألهبت فيها النيران، فباتوا لا يفكرون إلا بالانتقام.
وإذا كان صيف كامو فى روايته "الغريب" ليس ديكور، وإنما هو رصاصة تنطلق من مسدس بطله "الغريب" لتستقر فى أحشاء غريب آخر، ذنبه الوحيد أن شمس الشاطئ كانت حارة فى تلك الظهيرة، حارة أكثر مما ألفها الغريب بطل الرواية القاتل القتيل، فإن صيف رواية "ابن اسماعيل" كان حارقا لدرجة لم تتحملها الغابات لتشتعل وتشتعل معها روح الانتقام من شاب ظنوا تحت تأثير الحرارة أنه أشعل الحريق فيما كان كل ذنبه أنه جاء ليشارك فى إطفائه.
وإذا كان غريب كامو رجل قتلته شمس الغربة، قتله صيف ليس صيفه، وشمس ليست شمسه، وشاطئ ما هو بشاطئه، وعالم ما هو بعالمه، فإن حكاية قتل ابن اسماعيل؛ هى حكاية العمر المعقد المملوء بصقيع الغربة، حتى تحت شمس الوطن الواحد الحارقة، ترويها صفحات الجرائد والتواصل الاجتماعى بحرقة وببساطة فى آن، وهذا السلوك فى الحقيقة يعبر عن ملامح إنسان ما بعد الحروب والثورات وقتل الأخ لأخيه، فنموذج الإنسان المغترب فى مجتمعه وعالمه بل وفى الكون كله، الوحيد على شاطئ الوجود تسوطه شمس حارقة تكاد تدفع به إلى الجنون وإلى الجريمة كما فى غريب كامو وابن اسماعيل الأكثر مأسوية.
لا تخلو رواية الغريب من تفسيرات سياسية فغريب كامو، هو المستعمر فى صيف الجزائر الحار، والقتيل هو الجزائرى العربى ابن الأرض والشمس، والجميل فى تلك الرواية أنها حين نلخصها تصير حكاية رجل ارتكب جريمة قتل تحت تأثير جنون مؤقت خلفته شمس الصيف لكنه أدين بتهمة القتل عمدا ومع سابق الإصرار والترصد، أى أنها حكاية نصف مسلية لرجل نصف مظلوم، أما الرواية التى كتبها القدر فى غابات الجزائر 2021 هى رواية أشد قسوة وعنفا، لأن المواطن قتل أخيه المواطن تحت شمس الوطن الواحد، رواية لا تصلح كحكاية صيفية لقارئ مسترخٍ تحت أشعة الشمس.. حتى وإن كانت حرارة نفس هذه الشمس هى التى قادت قتلة ابن اسماعيل إلى ارتكاب تلك الجريمة البشعة فى حق ابن الوطن حينما مس عقولهم لهيب الحرائق المشتعلة فى أوصال بلادهم، فلم يعودوا يفرقون بين الجانى والمجنى عليه.
ولكن ترى.. هل كانت حرارة شمس الجزائر التى قتلت الإنسان واليابس.. صيف تمرد الطبيعة الوحشية، التى أذابت عن الوجوه وعن السلوك البشرى مساحيقه وأقنعته، وعرته أمام وجه الشمس، ترى هل كانت تلك الشمس ستجعل كامو يكتب عن صيف تستحيل فيه الأجساد إلى مراجل من العذاب المكتوم، تنتظر أن يأتى الليل لتموت أو تتحرر من عذابها فى البلاد الذى اختارها هذا الصيف لتعربد فيه حرارة الشمس وتشعل فيه الحرائق، لتذوى شجرة الصنوبر وتخور قوى الإنسان والحيوان، وماذا كان سيكتب عن صيف حرائق الجزائر ٢٠٢١ ؟
نبضة مسافرة
«فى قلب الغابة الأسود.. السلاح مطروح على التراب عبثا الأرض امتصت الكلام.. ونحن نبقى حيث لاشىء يغرق »
رومان فينجارتن فى مسرحية «الصيف »
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى وقت تمر به منطقة الشرق الأوسط وكذلك الدول العربية خاصة الخليج العربى بأصعب أوقاتها جاء خطاب الرئيس عبد الفتاح...
في لحظات القلق التي تمر بها المنطقة، ومع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية يبحث المواطن البسيط . عن كلمة تطمئنه،
هل تابعت بعض الدورات الرمضانية هذا العام؟!.. إذا كانت الإجابة بنعم فالمؤكد أنك استمتعت بكثير من المواهب والمشاهد والأحداث.. وآهات...
لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...