قراءات - «الإذاعة المصرية.. قصة عشق »

اختارت الإعلامية والإذاعية القديرة "هدى العجيمى" هذا العنوان الآسر "الإذاعة المصرية.. قصة عشق" لتروى سيرتها الإبداعية الإنسانية عبر أثير الإذاعة المصرية وبرامجها

اختارت الإعلامية والإذاعية القديرة "هدى العجيمى" هذا العنوان الآسر "الإذاعة المصرية.. قصة عشق" لتروى سيرتها الإبداعية الإنسانية عبر أثير الإذاعة المصرية وبرامجها المميزة التى سلبت لب المستمعين، فجمعت بين الفكر والثقافة والترفيه، ووصلت إلى شتى الفئات العمرية والثقافية. رواية متعددة الفصول، تلتحم وتتماس مع مراحل فاصلة، ليس فقط فى تاريخ الإذاعة المصرية، بل أيضًا فى تاريخ مصر السياسى والاجتماعى.

يُستهل السرد بفقرة بعنوان: "لا تبحر فى ذاكرتك قط"، توضح كيف اختارت الكاتبة ذلك العنوان "قصة عشق" ليكون سيرة شعورية لمشوارها الإبداعى الممتد خلف ميكروفون الإذاعة المصرية، فتروى كيف أنها باتت مؤرقة بعد حوار ممتد حول مسيرتها المهنية والحياتية، فتحدثت وأفاضت، ولكنها استشعرت روحًا مفتقدة فى الحديث، ورأته حديثًا "عن الظواهر وليس المشاعر". وهنا تساءلت: "هل للمشاعر تاريخ أيضًا ومسيرة؟ وكيف نقصها وكيف نبوح بها، ولمن"؟ ومن ثم كان العنوان الذى وجدته "عنوان الصدق، وكل الصدق". ورغم أن الكتاب سيرة مهنية شعورية، إلا أنه يلتقى مع مراحل مهمة فى تاريخ مصر. تروى الكاتبة كيف بدأت بالعمل محررة ومترجمة بقسم الاستماع السياسى بمبنى الإذاعة فى الشريفين، وهو جزء من "الإدارة العامة للشئون السياسية"، ويركز على " الاهتمام بكل ما يذيعه العالم فى إذاعاته من أخبار سياسية على وجه الخصوص، وكانت مصر أيامها تعيش فى رحاب زخم ثورة يوليو، وفترة الستينيات كانت من أزهى مراحل الثورة وتطور الفكر السياسى والأيديولوجى فى مسيرتها، وكانت مصر تشهد نهضة اقتصادية وصناعية كبيرة، وتواجه عداوة وانتقادات كبيرة من الخارج، ومعارضات جندت لها أجهزة الإعلام المختلفة لتوجه انتقاداتها للثورة وخلق الشائعات المغرضة حولها عن طريق الراديو، فأنشأت الدولة أجهزة لالتقاط هذه الإذاعات المختلفة وتحلل تلك الافتراءات السياسية ومن ثم ترد عليها". وتضيف: "وكانت الإذاعة المصرية وسيلة قوية فى الرد على تلك الإذاعات المعادية؛ بتقديم الحقائق وإلقاء الضوء على إنجازات ثورة يوليو والنهضة التى تحققت، وفى نفس الوقت ترتكز هذه الحقائق على تفنيد تلك الافتراءات الباطلة ونفيها شريطة الحصول عليها أولًا عن طريق الاستماع إلى كل الإذاعات العالمية وخصوصًا نشرات الأخبار والتعليقات السياسية التى تُبث عن طريقها فى هذا القسم بإدارة الشئون السياسية بالإذاعة والذى عُينت فيه لهذا الغرض". وفى فصل بعنوان "الاستماع السياسي" تنتقل الإعلامية والإذاعية هدى العجيمى لتتوقف أمام هذا القسم الذى شكل "جزءًا صغيرًا" من حياتها المهنية، وكيف بدأت عملها به باجتياز الامتحان الذى تقدم له "خمسة آلاف شاب لم ينجح سوى خمسة فقط وهم أربعة من الشباب وفتاة واحدة فقط وهى الحاصلة على المركز الأول"، وكانت هدى العجيمى،  هى تلك الفتاة.

وبعدها يتكرر التفوق بأن تجتاز امتحانًا آخر لاختيار مذيعين أمام الميكروفون. وكان امتحانًا متعدد الأوجه استغرق عدة أيام، اجتازه عشرون شابًا، كانت هى الفتاة الوحيدة بينهم أيضًا. تبدأ هدى العجيمى عملها الإذاعى مقدمة برامج بإدارة المنوعات، وكانت مديرتها آنذاك السيدة صفية المهندس. وتتطور العلاقة المهنية والإنسانية بينهما، وتهدى الكاتبة هذا الكتاب إليها: "أعترف بأن الدافع الأول لتدوين هذه المذكرات هو رغبتى فى رد شىء من الجميل، وتجديد مشاعر المحبة إلى الأم الروحية التى احتضنتنى مع بداية التحاقى بالإذاعة، وتعلمت منها فنون الراديو ولم تبخل علىَ بالدعم والترحيب بكل ما قدمته من أفكار للبرامج وإتاحة الفرصة لإذاعتها على الهواء. لهذا فأنا أهدى هذا الكتاب إلى روحها الطيبة". وتفرد الكاتبة فصلًا بعنوان "ومن يعطى العمر عمرًا" للتفاصيل الإنسانية والمهنية التى جمعتها بالإذاعية الرائدة، ومشاركتها فى برنامج "إلى ربات البيوت" الذى كان أثره عميقًا فى رفع درجة الوعى والثقافة لدى سيدة المنزل غير المتعلمة. ويعود السرد إلى ذلك الالتحام بالأحداث التاريخية الفاصلة فى تاريخ مصر، وينقل صورة لما كانت عليه الإذاعة المصرية فى أوج مجدها وتألقها وتأثيرها فى المستمعين. فى فصل بعنوان "الإذاعة فى ضمير أهالى النوبة" تقول الكاتبة: "فى ذلك التاريخ كانت الإذاعة تعيش فى صميم حياة الأسرة المصرية، وكانت كل كلمة لها أهمية قصوى فى ضمير المستمعين، وبالتالى كان لمذيعى الإذاعة احترامهم وحظوا بكل الحب والتقدير من كل الناس"، وتروى أنه عند دعوة برنامج "إلى ربات البيوت" إلى مدن النوبة "التى كانت تستعد للتهجير وتحزم حقائبها وأثاثها لمغادرة المدن النوبية التى سوف تغمرها مياه البحيرة الناتجة عن إنشاء السد العالي"  أقام السكان، الذين كانوا يستعدون للتهجير، ترحيبًا بالوفد القادم "ومُنحت المدارس إجازة لكى يقف الأطفال والتلاميذ على جانبى الطريق ملوحين بالورود والأعلام تحية للوفد الإذاعي". وبعدها عادت الإذاعية الكبيرة هدى العجيمى إلى زيارة "سيدات النوبة فى منازلهن الجديدة فى النوبة الجديدة" وقدم برنامج "إلى ربات البيوت" حلقات مع المرأة النوبية ليُعرف المستمعين بعاداتها وتقاليدها العريقة، وينقل عبر الهواء المشاكل التى عانى منها هذا المجتمع بعد التهجير.

وتتطور وتتنوع المحطات المهنية فى حياة الإذاعية الكبيرة لتصل بها إلى برنامجها الأهم "مع الأدباء الشبان" الذى كانت تعده وتقدمه واستمرت إذاعته بنجاح وشهرة وسمعة طيبة ما يقارب من أربعين عامًا". وعن هذا البرنامج تقول الكاتبة: "هذا البرنامج قد يكون بصمة أتركها للأجيال التالية من الإذاعيين، وذلك دليل على الإصرار على أن يكون للإذاعة دور بارز فى حياة المستمعين، ذلك أن التلاحم بين البرنامج والأدباء الشباب فى كل محافظات مصر كان مشهودًا، فقد تجولت بميكروفون البرنامج فى كل قصور وبيوت الثقافة، وبالتالى كنت أرحب بكل من يتوافد على الاستديو مع الأدباء الشبان للتسجيل أو لحضور مناقشة مع أحد كبار النقاد حول ديوان من دواوين الشعر أو مجموعة قصصية أو رواية جديدة، وكانت حصيلة هذا العمل غير المسبوق هى توافر كميات كبيرة من الدراسات الأدبية والأفكار التى قدمها كبار المفكرين والأدباء خصيصا من أجل مستمعينا من الشباب، خصوصًا الأحاديث والنصائح التى قدمها أديب نوبل العظيم (نجيب محفوظ) عن فن كتابة الرواية، والتى قدمها أيضًا فى أحاديث دورية الأديب الكبير (يحى حقي) عن فن كتابة القصة". وتوظف الكاتبة "هذه التجربة الفريدة فى كتاب بعنوان (رؤى نقدية)" كتبت مقدمته بنفسها. والكتاب "قطوف من حوارات أدبية ونقدية قدمها كبار الأدباء والنقاد عبر الأثير الإذاعى على مدى سنوات طويلة حفظتها ذاكرة برنامج ثقافى،  هو برنامج (مع الأدباء الشبان)". وفى السبعينيات يتم اختيار الإذاعية المبدعة هدى العجيمى للسفر فى منحتين دراسيتين إلى ألمانيا، فيثرى الانفتاح الخارجى،  إلى جانب ثقافتها وموهبتها الخاصة، تجربتها الإذاعية ويطفى عليها طابعًا مميزًا. وتستمر المسيرة الإعلامية الإبداعية للإذاعية الكبيرة هدى العجيمى وتتلقى عنها العديد من الجوائز والتكريمات.

"الإذاعة المصرية.. قصة عشق" سيرة إبداعية إنسانية  شعورية أثرتها الإذاعية المبدعة هدى العجيمى بشتى التفاصيل الإنسانية والمهنية، مكتوبة بحس مرهف ولغة شفيفة فجاء سردًا ممتعًا يشع صدقًا وحبًا وجمالًا.


 	د. عزة مازن

د. عزة مازن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية - وعى المصريين

فى وقت تمر به  منطقة الشرق الأوسط وكذلك الدول العربية خاصة الخليج العربى  بأصعب أوقاتها  جاء خطاب  الرئيس عبد الفتاح...

نحو الحرية - ربنا يطمنك يا ريس

في لحظات القلق التي تمر بها المنطقة، ومع تصاعد الحروب والتوترات الإقليمية يبحث المواطن البسيط . عن كلمة تطمئنه،

بروح رياضية - جمهور الدورات الرمضانية

هل تابعت بعض الدورات الرمضانية هذا العام؟!.. إذا كانت الإجابة بنعم فالمؤكد أنك استمتعت بكثير من المواهب والمشاهد والأحداث.. وآهات...

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...