أردوغان يغوص في المستنقع الليبي

كثيرا ما حمل التاريخ وشهد العديد من أمراض الزعامة منذ نشأة الحياة إلى يومنا هذا

كثيرا ما حمل التاريخ وشهد العديد من امراض الزعامة منذ نشأة الحياة إلى يومنا هذا، بدءا بفرعون وانتهاء بهتلر وموسوليني وعيدي أمين ونيكولاي شاوشيسكو وغيرهم، ممن لقوا مصيرهم المحتوم قتلا أو إعداما أو نفيا، إلا أن مسيلمة هذا العصر المدعو رجب طيب أردوغان رئيس تركيا فاق الوصف والحد في معاناته من أمراض الزعامة الوهمية والتوسع الإقليمي الفاشل، بدءا من غزة ومرورا بشرق المتوسط وصولا إلى الغوص في المستنقع الليبي.

هيأت لأردوغان نفسه المريضة بمساندة حكومة وهمية سميت بحكومة الوفاق برئاسة رفيقه في الفشل فايز السراج وبدعم من فاشل آخر في الدوحة تقلد إمارة تعوم على بحر من الغاز الطبيعي في عملية انقلاب عائلية داخلية قيل عنها إنها مجرد تنازل عن السلطة من أبيه حمد بن خليفة ليمارس الجيل الجديد في الدوحة من أبناء الأسرة الحاكمة سياسة الفساد والإرهاب والتآمر ولو على حساب الشعب القطري، بملياراته المهدرة على توسعات الابن الضال تميم بن حمد .

إن تحالف الشيطان في أنقرة وجد رفاقه في عملية المراهقة السياسية على المسرح الليبي فدعم نظام السراج الزائل وبتمويل قطرى غير مسبوق للمرتزقة الأتراك، ممن ارتدوا الزي العسكري وانتموا "اسما لا فعلا" لجيش نظامي في أغلب الأحيان يتحين الفرصة المناسبة للإطاحة بسلطة أردوغان، مثلما فعل سابقا وفي الماضي القريب جدا مما دفع ديكتاتور تركيا إلى اعتقال عشرات الآلاف من الشعب التركي، بزعم تطهير البلاد من الانقلابيين .

واليوم وبعد أن أمد المرتزقة المنتشرون في كافة أرجاء ليبيا بالسلاح والمال وبتمويل قطري، وبعد أن أمطر السماء الليبية بطائرات الدرون، يجاهد ويصارع أردوغان تركيا لترميم حكومة السراج المنتهية ولايتها دوليا، آملا في أن يبعث مجد الآباء في ليبيا ويعيد عقارب الساعة إلى الوراء، حيث ما كان يسمى بالإمبراطورية العثمانية، ناسيا أو متناسيا أن عالم اليوم ليس فيه إمبراطوريات أو مستعمرات بل تحالفات قائمة على المصالح القومية والقدرات العلمية والاقتصادية .

أردوغان ودماء السوريين

 يبدو أن أردوغان تركيا، الفاقد تماما لبوصلة الأحداث السياسية، لم يعد له محددات سياسية تمنعه من اقتراف الجرائم علنا، فقد امتدت مخططاته الدنيئة للاستعانة بالمرتزقة السوريين في ليبيا، حيث تعددت حالات الموت للشبان السوريين المنتمين لما يسمى بفصائل "الجيش الوطني السوري" في ليبيا، وكان أول الجثامين فى هذا الإطار لشاب سوري من محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، ليدفن هناك، ليبدد أي شك حول حقيقة مشاركة سوريين في الصراع المستعر بعيداً عن الأرض السورية.

 استياء أقرب الحلفاء

 يبدو أن عبث الرئيس التركي فاق الحد مما دفع قيصر الكرملين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى تقليم أظافره، بعدما وجد أن عبثه في ليبيا فاق الحد، عندما دعم حكومة الوفاق المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، عسكرياً، عبر إرسال خبراء عسكريين أتراك، وآلاف المرتزقة السوريين، وعشرات الطائرات المسيّرة والأسلحة والمدرعات وغيرها، لمحاربة الجيش الوطني الليبي.

ويبدو أن التحركات الروسية على الساحة الليبية تم تضخيمها لأمريكا، حيث زعمت القيادة الأمريكية في إفريقيا أن روسيا نشرت طائرات مقاتلة عسكرية في ليبيا، قائلة إنه تم نشر طائرات عسكرية روسية.

وأمعنت القيادة الأمريكية في إفريقيا في تصديق روايتها، وأعربت عن دهشتها من وجود مقاتلة القوات الجوية الروسية المتطورة Su-35 التي اصطحبت باقي الطائرات إلى ليبيا، باعتبار أن روسيا لا تشارك رسمياً في الصراع في ليبيا، مؤكدة أن المقاتلات الروسية وصلت إلى ليبيا، من قاعدة جوية في روسيا، بعد عبورها سوريا حيث تم تقييمها وإعادة طلاؤها لإخفاء أصلها الروسي، مؤكدة أن الطائرات العسكرية الروسية ستقدم دعمًا جويًا قريبًا وهجوماً نارياً للجيش الليبي، ضد حكومة السراج.

ورأى الجنرال جيف هاريجيان، قائد القوات الجوية الأمريكية في أوروبا، أن هدف روسيا هو إقامة قاعدة عسكرية على أحد سواحل ليبيا، قائلا "إذا استولت روسيا على قاعدة على الساحل الليبي، فإن الخطوة المنطقية التالية هي نشر قدرات دائمة بعيدة المدى، وإذا جاء ذلك اليوم، فسوف يخلق مخاوف أمنية حقيقية للغاية على الجناح الجنوبي لأوروبا."

وقال الجنرال ستيفن تاونسند، قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، "إنه من الواضح أن روسيا تحاول قلب الميزان لصالحها في ليبيا، تمامًا مثلما رأيتهم يفعلون في سوريا".

 مراهقة عسكرية تركية

 رغم التدافع التركي الأحمق عسكريا وسياسيا في ليبيا، احياءً لإمبرطورية الأجداد إلا أن الحقائق تؤكد أن أردوغان في طريقه لتكرار السيناريو الأمريكي الفاشل في الصومال، حيث تشير الحقائق الى أن تركيا لن تتمكن من السيطرة على مقاليد الأمور في ليبيا، رغم سيطرتها على قاعدة "الوطية" العسكرية، التى انتزعتها مليشيات الوفاق والمرتزقة السوريون من الجيش الوطني الليبي بغطاء جوي تركي.

ويرى الكاتب الألماني المتخصص في الشأن الليبي "توماس زايبرت" أن روسيا تدعم الجيش الوطني حاليا، وإن الصراع فى ليبيا الآن بات في السيطرة على المجال الجوي، ومن ينجح في السيطرة عليه سيفوز بالمعركة.

وأضاف أن "الجيش الليبي يعيد ترتيب أموره غربي البلاد، ويتلقى دعما كبيرا في الوقت الحالي من روسيا، خاصة أسلحة ثقيلة ومقاتلات، كما أنه يستعد لتطوير هجومه على طرابلس، كما أن تركيا لن تسيطر على مقاليد الأمور في ليبيا".

 روسيا وتركيا.. صراع مباشر

 أكدت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أن خبراء في الأمم المتحدة أطلقوا تحقيقاً حول إرسال 8 طائرات حربية روسية إلى قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، وأسندت الصحيفة البريطانية معلوماتها إلى دبلوماسيين غربيين، لم تذكر أسماءهم، مضيفة أن إرسال هذه المقاتلات من سوريا إلى ليبيا قد يحمل معه احتمال نشوب صراع مباشر بين روسيا وتركيا.

وتكثف روسيا دعمها للجيش الوطني الليبي في الوقت الحالي ولن تمانع في زيادة الدعم سواء بالأسلحة أو المساعدات اللوجيستية، بحسب ما ذكرت صحيفة "نويه زوريشر" السويسرية الناطقة بالألمانية، مشيرة إلى أن الجيش الليبي لا يزال يمتلك اليد الطولى في ليبيا، فهو يسيطر على جنوب وشرق البلاد، وصناعة النفط، كما أن العاصمة طرابلس هي العقبة الوحيدة أمام سيطرته على مقاليد الأمور في ليبيا، وحكومة فايز السراج المتحالفة مع تركيا، ضعيفة للغاية، ورهينة الميليشيات المتنازعة، وعدد كبير من الإرهابيين.

ونقلت الصحيفة مؤخرا عن مصادر أممية قولها إن فريق المنظمة الدولية المعني بمراجعة امتثال الأطراف المختلفة لقرار حظر تصدير السلاح، رصد في الفترة ما بين شهري أبريل ومايو اختراق سفينتين حربيتين تركيتين للقرار، ونقل سفن حاويات لمنظومة صواريخ الدفاع الجوي "كوركوت" ومدرعات إلى طرابلس، كما نقلت عن مصادر إيطالية، لم تكشف عن هويتها، قولها إن مقاتلات إف 16 تركية وصلت للأراضي الليبية، وبخلاف الأسلحة الثقيلة والمدرعات والعربات المصفحة، نقلت تركيا العشرات من الطائرات المسيرة "درونز" إلى ليبيا، والآلاف من المرتزقة السوريين يقودهم ضباط من الجيش التركي.

ومن هنا يتأكد أن المستنقع الليبي، الذي بات جاذبا لأطراف دولية عدة، سواء كانت أوروبية أو أمريكية أو روسية، أصبح الآن بمثابة مقبرة لأردوغان الساعي بكل قوة لملاقاة مصيره المحتوم، دون أن يدري أن بدايته لم تكن سوى بداية النهاية.


 	عماد حنفي

عماد حنفي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

دبلوماسية الحضارات العريقة .. حوار التاريخ بين الوادي والنهر الأصفر

في عالمٍ لا تكتفي فيه الذاكرة الإنسانية بتدوين الأحداث العابرة، بل تحفر في صخر الزمن ملامح الخلود، تتقاطع خطى الأولين...

​الأهراماتُ المقلوبةُ.. أخطارٌ تهددُ الوطنَ والمواطنَ

​المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...

ما وراءَ المُسيّرَة .. كيف وُئِدَ الانفِجار قبْل أن يُولد..؟

لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...

في مئويّة الصّوت وستّينيّة الضّوء.. "ماسبيرُو" والبعثُ الرّقمي لذاكرة الأُمّة

للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...