ترحال - كوابيس المنيا..!

طيلة الأيام التي أعقبت جمعة الرعب، كنت أكتب وأكتب؛ كي لا أصاب بالجنون، فصوت الطفل "مينا" الذي يقف أمام نعش أمه التي اغتالها رصاص الغدر أمام عينيه وهو يقول: بنادي

طيلة الأيام التي أعقبت جمعة الرعب، كنت أكتب وأكتب؛ كي لا أصاب بالجنون، فصوت الطفل "مينا" الذي يقف أمام نعش أمه التي اغتالها رصاص الغدر أمام عينيه وهو يقول: بنادي عليها ومش سمعاني؛ كان كسيمفونية حزن تفتك بالعقل أكثر مما فعل رصاص الجلادين بأجساد الضحايا.

كان الصغير "مينا" يقف أمام نعش أمه، يحكي حكاية الغدر، كما لو أنه يواصل غيبوبة ذهوله لهول قادم.

قالوا إنهم عثروا علي الطفل مينا حيا بجوار جثة أمه، ربما انزلق من فوق المقعد الذي تقاسمه معها، أو ربما تكون أمه هي التي دفعت به إلي أرضية الحافلة لإنقاذه من رصاص الإرهاب وشهقات الرعب.

ماذا تراه رأي مينا الصغير؛ ليكون أكثر حزنا من أن يصرخ ويبكي أمه؟

كيف تحول صوت الطفل البرىء إلي اسطوانة حزن مشروخة تعيد وتزيد في وصف مشهد الموت العبثي، دون أن يحكي تفاصيل ما تحمله عيناه الفارغتان اللتان بدتا كأنهما تنظران إلي شيء هو الوحيد الذي يملك رؤيته، ولا تستطيع أي لغة أن توصفه، حتي إنه لم ينتبه لمن حوله ولا لعدسات المصورين.

كان يقف يضم يديه الصغيرتين إلي صدره وقلبه، كعويل حافلة تركض في صحاري عتمه.. هو الآن مستند إلي جدار النعش، بصعوبة يفك طلاسم ما كتب عليه، فما زال يتعلم كتابة الحروف، يتساءل الصغير وصخب الرصاص في صمته: بأي حبر كتبوا اسمك يا أمي؟.. ربما بدمك الذي لم يتخثر بعد.

مينا.. لم يعرف شيئا.. ولا يصدق أن أمه ماتت، فمازال يناديها، حتي إنه لا يعرف بأي معجزة نجا من هول الرصاص، ولا يستطيع أن يفهم دموع الناجين، ولا أن يفهم: لم الموت هذه المرة كان أكثر لطفا وترك بعض الناجين؟

وأنا منذ تلك الليلة كغيرها من الليالي السوداء التي باتت كثيرة في حياتنا منذ عشّش الإرهاب في بلداننا، أعيش مشهد الذين تساقطوا ما بين حزني عليهم، وفرحي بأنني لست بينهم، وقلقي في انتظار دوري، فأنا لا أصدق أننا لم نقض بعد علي الإرهاب، دون أن نفكر في أمثال الطفل "مينا" من أطفالنا، من أطفال جيل يفتح عينه كل يوم علي مشاهد الموت والدم والعنف، ويقضي أوقاته منصتا إلي أحاديث القنوات التليفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي والكبار، عن الخطف والتعذيب والأسلحة وداعش والإرهاب، بدلا من أن يقضي وقته في غرف الموسيقي ومتاحف العلوم ومتاحف تاريخ الاختراعات، حيث يعي قدرة الإنسان علي الخلق، لا علي القتل فقط.

وحين فكر الأهل باصطحاب أطفالهم في رحلة روحانية لتعليمهم طقوس دينهم، لم يرحموهم وجعلوا منهم شهودا علي قتل آبائهم وأمهاتهم، بعد أن تحولت نوافذ الحافلة الآمنة إلي شاشة عرض لفيلم رعب وعنف لم تخطر ببال مخرج، فيما أرغم من نجا منهم علي مشاهدة فيلم واقعي؛ لم يعرف العالم مثيلا لرعبه وقسوته وشراسته، ولا أعرف لما قوافل حافلات الآمنين باتت تغري عيون الإرهاب اللعين، وتسيل لعاب شهيته لقتل حتي براءة الطفولة؟

فماذا نتوقع بعد من أطفال تنطبع في لا وعيهم الغض تلك المشاهد الحية من القتل، والمناخ الدموي الذي نشأوا عليه، يبدو علينا أننا لم ننتظر وقتا طويلا حتي نعرف الإجابة علي هذا السؤال، الطفل "مينا" يكرر باستمرار العبارات التالية: "بنادي علي ماما مش بترد". يستعيد صورة بشعة انطبعت في ذاكرته ويبكي، مينا لا يفرّق بين جريح وميت.. دخل لعبة الموت مبكرا وعاش آلامها بعمر كان يجدر به أن يعيشه بين أحضان حنون تحميه وترعاه كوالدته. لكنها رحلت.. غدا سيعود مينا إلى المدرسة.. سيحمل حقيبته ويتناول طعامه بمفرده.. لن تشاهد الأم ابنها يكبر ولن توثق اللحظة التاريخية لطفلها لتضيفها إلى ألبوم العائلة.. أقرباء الوالدة. يسأل الجميع والصدمة مرسومة على وجوههم الشاحبة: ما ذنب هذا الطفل البريء وأهله، وما ذنب الناس الذين قتلوا برصاص المتطرفين والإرهابيين؟

أنا لا يهمني كيف وقع الحادث ولماذا، ما يهمني هو عمر الطفل "مينا" ست أو سبع سنوات، طفل البراءة حولناه شاهدا علي القتل والعنف والدم أمام عدسات المصورين، كل واحد فينا مسئول عن هذا الطفل، كلنا مسئولون عن أطفال هذا الوطن الحزين الذين ينبتون في أرض من دماء، لم تعد تهب فيها سوي رياح الرصاص.

كل علماء النفس يحذرون من الوضع الصحي للأطفال الذين يتعرضون لمواقف صعبة ومشاهد دموية قاسية، مثل مينا، بما يستدعي اهتمام وتضافر الجهود الطبية والنفسية من أجل تدارك حالتهم وتجنيبهم أي ضرر نفسي ومادي مستقبلا.

 يشرح دكتور علم النفس نبيل خوري كيفية تأثير المواقف والتجارب المأساوية على حياة الطفل وشخصيته قائلا: " الطفل في عمر صغير، القدرات التحليلية والاستكراهية والعاطفة والحب لم تكتمل لديه بعد، لذلك هو بحاجة إلى تعبئة الفراغ العاطفي الذي خلّفه فقدان الأهل وتيتّمه بوقت مبكر. وهنا يدخل دور الغطاء العاطفي البديل ويتمثل بالأقرباء كالخالة أو العم أو الست والجد مثلا وطبعا عليهم التحلّي بالصبر وتجنب استخدام القسوة خلال تربيتهم للطفل" فالتجربة القاسية كما يقول خوري، والتي يمر بها الطفل خصوصا في مثل حالة مينا، قد تؤدي إلى رؤية الكوابيس الليلية، اشتياق كبير ونقص في العاطفة، تزعزع بالشخصية وقلة ثقة بالأشخاص المحيطين، كما أنها توّلد اضطرابات سلوكية وارتجاجات في العلاقات مع العالم الخارجي، وتنمّي نزعة انتقامية فيشعر الطفل أنه بحاجة إلى الانتقام، خصوصا عند بلوغه سنوات المراهقة الأولى". وعن أبرز المشاكل التي قد يعاني منها مثل هؤلاء الأطفال، يقول خوري: " قد يحدث اضطراب ما بعد الصدمة، فيشعر الطفل أن حياته مهددة وتظهر هذه الحالة بعد مضي ٦ أشهر من الحادثة".

وهكذا تقتل براءة الطفولة التي تخلفها العمليات الإرهابية ليس في وطننا فقط بل فوق أرصفة العالم كله.

فيا أيها القاتلون للأبرياء، أيها الساكبون في طريق المتعبدين دماءهم، هل فكرتم لحظة واحدة ما تسببونه لأطفال هذا البلد الحزين؟

هل تعلمون أنكم تخونون حلم فرح الطفولة؟

هل تعلمون أن أجسادنا سئمت الذبح وتتوق لشهقة الولادة؟

نبضة مسافرة

هل شاهد قاتل أطفالنا حلما.. ذات ليلة؟

هل كان موتزارت طفلا؟.. أشك بهذه الحضارة

« حميد سعيد »

 


 	وفاء عوض

وفاء عوض

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

نحو الحرية- شبح الحرب على إيران

عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية

بروح رياضية -دموع على القميص الأصفر

ربما لم يخطر ببال أى مشجع لكرة القدم فى مصر أن يأتى اليوم الذى يصل فيه النادى الإسماعيلى العريق للدرجة...

نحو الحرية - رسائل الرئيس

من أبرز ما تميز به احتفال مصر بعيد الشرطة المصرية ال ٧٤ الذى يوافق ٢٥ يناير من كل عام الذى...

بروح رياضية - شاهدت فى المغرب

عبر عدة أسابيع.. سجلت العديد من الملاحظات خلال  تغطية بطولة  الأمم  الأفريقية بالمغرب الشقيق.. وحاولت الاقتراب أكثر من أسباب توهج...