السعادة ممكنة - إشراقات الماضى تبدد عتمة الحاضر!

العلاقة بين القارىء والنص علاقة خاصة جدا، هناك نصوصا تجد فى قراؤها ألفة شعورية وعقلية وأخرى تظل تبحث عن من يتوحد معها ويلتقيها بالنقد أو القبول وفى الحالتين تبقى

العلاقة بين القارىء والنص علاقة خاصة جدا، هناك نصوصا تجد فى قراؤها ألفة شعورية وعقلية وأخرى تظل تبحث عن من يتوحد معها ويلتقيها بالنقد أو القبول  وفى الحالتين تبقى الكلمات خالدة ما دامت تمس ذلك الشىء الباقى فينا وهو الاحساس وتعبر عن تلك الإشكالية المزمع طرحها عبر وجدان وعقل القارىء والتى قد تقدم لها حلولا جذرية أو تضع القارىء على طريق الحل. 

هذه العلاقة فى مساراتها المتعددة هى التى جعلت الدكتور زكى نجيب محمود يتساءل: لماذا أكتب؟ ولمن؟ بل وكيف؟! وكأنه بالإجابة عن تلك الأسئلة يضع شروطا لكل من يريد مخاطبة الناس، فليس كل ما يقال يكتب ولا كل ما يكتب كلام، والحقيقة أنه وعبر تلك الشرطية إختار ألا يسرى عن الناس همومهم بكتاباته، بل ربما -كما قال فى كتابه (قيم من التراث) والذى اخترت أن أعيد قراءته بمناسبة الذكرى 25 لوفاة الدكتور زكى-  زادهم هموماً،  وبالتالى فقراؤه ليسوا هؤلاء الذين اعتادوا القراءة وهم على فراش النوم استجلاباً للنعاس بل يفترض فيهم جدية المأخذ والرغبة فى أن يغيرون حياتهم نحو ما هو أفضل وأعلم وأقوى.

وبقى سؤاله الأخير بهذا الشأن: كيف أكتب؟ ويقول: "إننى لم أكتب ولن أكتب قط حرفاً ما بقيت بين الأحياء إلا إذا كنت مؤمناً بالمعنى الذى يدل عليه ذلك الحرف ساعة كتابته، وإذا ألقيت نظرة شاملة الى كل ما كتبته طوال فترة زادت على نصف قرن كامل رأيت خطأ فكرياً مطرداً هادفاً نحو غاية مقصودة، مقصدها تقديم رؤية جديدة وحياة جديدة"، وبالطبع هذه الرؤية وتلك الحياة هما ما نرغب جميعا فى بلوغهما.

 بقعة زيت على محيط هادئ

هل ذهبت كتابات الأدباء والشعراء والمفكرين أدراج الرياح أم أنها فى مجملها وحين تكون الكتابة بمقاييس د.زكى تمثل حائط الصد ضد كل الخرافات؟ يقول: "شاء لى ربى أن أسمع أكثر من رجل وأكثر من إمرأة ممن ظفروا وظفرن بدرجات عليا من التعليميروون لمن يتحدثون إليهم أنهم اشتروا (كذا) وباعوا (كيت) أو ألحقوا أولادهم وبناتهم بالكلية (الفلانية) . . . إلى آخره، بعد أن إستشاروا "الشيخ".

والمعنى الذى توصل إليه د. زكى أن الصورة التى قدمها طه حسين فى روايته "شجرة البؤس"  ما زالت هى نفسها، وأن صرخات "المثقفين" قد ذهبت وذهب معها التعليم بكل درجاته السفلى والعليا، وليست المؤاخذة هنا على الشيخ كما أكد، إذ هو على الأرجح رجل طيب القلب، سليم النية، ورع تقى، ولكن المؤاخذة على من يطلبون منه الرأى والارشاد. ويقول: "الذى يعنينى هو أن قرناً من الزمان قد إنقضى بين الفترة التى صورها طه حسين فى "شجرة البؤس" والفترة التى تحيط بنا الآن، ومع ذلك فليس ثمة فروق جوهرية فى "النظرة" التى ينظر بها الناس إلى العلاقات السببية بين الظواهر ونوع الاجراءات التى لابد من إتخاذها لنغير موقفاً نريد تغييره".

 حرية الذين يعلمون

وكأن الدكتور زكى أراد أن  يتتبع الفروق التى تلاشت بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون بالتأكيد على ظهور ذلك الحاجزاً الكثيف الذى بات يفصل بين "المثقفين" وجمهور الشعب، فبعد أن كانت جماعة المثقفين هى التى تحاول جذب الجمهور الى أعلى أصبح جمهور الشعب هو الذى يحاول شد أصحاب الفكر الجديد الى أسفل بحيث تتجه أنظارهم الى الوراء وواضح أنه قد أفلح الى حد كبيرفى تحقيق ما أراد.

وهنا يذكر لنا د.زكى قصة الصبى ليزيس فى المحاورة الأفلاطونية الشهيرة وكيف أن والديه اللذان يسعيان الى إسعاده هما اللذان يتدخلان فى شئونه، فإذا أراد ركوب الجواد ألزماه بأن يكون فى رعاية سائس الجياد، وإذا جاءت ساعة الدرس كان عليه أن يسلم أمره للمعلم، وهكذا كان للوالدين فى كل شأن من شؤونه حق المنح والمنع فأين هى السعادة التى يرجوانها له وهو فى كل موقف تابع لسواه؟!

والجواب الذى أراد لنا د. زكى أن ندركه هو أهمية "المعرفة" بدقائق المجال الذى نتعرض للتصرف فى حدوده، فإذا كان القائم بالفعل ملماً بمجال فعله أطلقت له الحرية فى أدائه، فللذين "يعلمون" الحقيقة عن شئ ما ، كل "الحرية" فيما يصنعون، أما الذين يتصدون لمعالجة شئ يجهلونه فليس من حقهم أن تطلق  لهم حرية التصرف، كأن يعالج المرضى غير الأطباء، وأن تكون الفتوى لغير الفقهاء فيما يفتون فيه . . . والمفارقة هنا أيضا أن من هو عبد (السائس) من الناحية الاجتماعية والشرعية كان هو نفسه "حراً" فيما يخص الجياد، كما أن من كان حراً من الناحية الاجتماعية والشرعية فى ذلك الموقف نفسه "الفتى ليزيس" كان فى منزلة العبد الذى لا حول له ولا قوة ولا رأى له فيما يختص بالجياد وطرائق إستخدامها.

وهكذا تنتهى محاورة "ليزيس" بقارئها كما يؤكد د.زكى الى نتيجة هامة وهى أنه لكى يكون الناس سعداء وأحراراً فى فعل ما يفعلونه لابد أن يتولى أمورهم فى شتى الميادين أولئك الذين يعلمون كل شئ عما يتصدون لأدائه.

 مصر هى أنت يا صديقى

ولأن التغيير هو القانون الثابت فى هذا الكون، والإنسان العاقل المفكر المتدبر لأمور دنياه هو الأداة الصالحة لهذا التغيير ووسيلته بل وهدفه أيضا كانت إندهاشة د.زكى حين عاد من سفر دام شهرين فزاره أقرباء وأصدقاء ويقول: :"لم يكد يبدأ حديثنا فى كل لقاء بأطراف من حياتنا الفكرية والأدبية أو قد يبدأ بالأسعار وكيف طارت فى السماء أو بما شئت مما تدور به أحاديث الناس وهى مرسلة بغير تكلف حتى ينعرج به المتحدث نحو شكوى منه صارخة بما آلت اليه مصر، كأن يقول: انهارت مصر.. انتهت مصر"  مما أثار غيظه فانفجر فى المتحدث قائلاً: "يا صديقى إن مصر هى أنت وهى أنا، فإذا أردت الحديث عن مصر حديثاً صادقاً منزهاً عن الهوى فخذها بمجموعها، خذها هنا على أرضها ثم تعقبها حيثما إتجهت وفى أشخاص المصريين الذين يعلمون ويطبون ويهندسون ويعمرون الخراب، تعقبها فى شخصك أنت فالذى تصنعه حيث أنت وتفاخرنا بصنعه إنما هى مصر تجسدت فيك بعلمها وأدبها ودماثة طباعها".

 ثم يذكر د. زكى تفاصيل الأسطورة التى تروى عن مارد جبار عاش دهراً ثم انطفأت جذوته وتحولت رماداً فظن أصحاب الظنون أن زمان المارد الجبار قد ولى، وإذا به من الرماد نفسهتشتعل جذوته من جديد. ويقول: "تلك يا صديقى هى بعينها قصة مصر فى انهيارها وتدهورها، وإذا كانت ما قالته رئيسة وزراء بريطانيا (تاتشر) لترفع من الروح المعنوية لشعبها، أن بريطانيا تفخر بأشياء كثيرة كالمخترعات العلمية مثل الثلاجة وطائرة الكونكورد وما أشبه ذلك، فمصر هى التى استطاعت بثورتها الأخيرة أن تثبت روح الثقة بالنفس بين الفئات العاملة وكان الفلاح وكان العامل يكاد لا يشعر لنفسه بكرامة أمام صاحب الأرض أو صاحب العمل، كانت العلاقة بين الطرفين علاقة الأعلى بالأدنى..علاقة السيد بالمسود فأصبحت على الأقل علاقة ندين متعاقدين إن لم يكن للعاملين فوق الآخرين درجة فكان انقابلاُ ما كان ليتحقق بغير ثورة".

وبالطبع كانت ثورة يوليو التى قصدها د.زكى فى ما قاله والذى ينطبق على ثورتى يناير ويونيو، لكننا نخلظ الأمور خلطاً فاحشاً إذا ما خلطنا بين قيمة الانسان من حيث هو كائن ذو تاريخ حضارة وعلم وأدب وفن ودين من جهة ومقدار المال الذى يحمله فى جيوبه من جهة أخرى، ويؤكد على ذلك بقوله: "الغنى والفقر يتناوبان فيظهر أحدهما ويختفى الآخر فى مرحلة، ثم يختفى الظاهر ويظهر المختفى فى مرحلة تالية، إن حدثاً واحداً كاكتشاف البترول قد بدل الأمر بين عشية وضحاها فى بلاد كثيرة كانت الأفقر بالأمس فباتت أكثرها ثراءا والعكس صحيح أيضاً، فقد يتحول البلد الموغل فى ثرائه بلداً فقيراً نتيجة الحرب أو لغيرها من عوامل التحول وتبقى صفة التحضر ليست مما يولد فى يوم وليلة". وهذا بالفعل هوما حدث فى دول كالعراق وسوريا.

تلك كانت باقة من الكلمات الرائدة لزكى نجيب محمود والتى لا تزال تشق طوفان الأوهام والتوهمات والخزعبلات التى تلف حاضرنا فى جزئياته وكلياته لكن قد آن لها أن تنطلق من أسر صفحات الكتب لتمثل ماردا جبارا ينشل واقعنا وتوجهه وتدفعه دفعا نحو الأمام!!


 	دعاء السنجرى

دعاء السنجرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

بروح رياضية - جمهور الدورات الرمضانية

هل تابعت بعض الدورات الرمضانية هذا العام؟!.. إذا كانت الإجابة بنعم فالمؤكد أنك استمتعت بكثير من المواهب والمشاهد والأحداث.. وآهات...

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...


مقالات

دليل الأمان الصحي مع كحك العيد
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 09:32 م
العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 06:00 م
قيم الأخبار والذكاء الاصطناعي
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 12:10 م
قصر محمد علي بشبرا الخيمة
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 09:00 ص