قرب الثامنة مساء.. بثوانٍ ونهر النيل يهرول في القاع تحت جسر قصر النيل، ومياهه الصافية يغازلها ضوء القمر في كامل تمامه..إنه المساء القاهري العتيق.. والليل في تلك
قرب الثامنة مساء.. بثوانٍ
ونهر النيل يهرول في القاع تحت جسر قصر النيل، ومياهه الصافية يغازلها ضوء القمر في كامل تمامه..إنه المساء القاهري العتيق.. والليل في تلك الليلة، كان شفافا ونقيا، السماء مضيئة فوق قبة دار الأوبرا، وستار المسرح الكبير تلملم آخر ما تبقي منها، لتُرفع عن أمسية الاحتفال بذكري العندليب الأسمر.
والصمت النسبي للحضور رقيق حنون، يحمل في طياته أصوات شجن شبه مسموعة.. إنها "النوستالجيا المصرية"، وحنين الشعب العربي كله إلي الماضي، يكمن في تفسير نجاح أغنيات عبد الحليم حافظ ومطربينا العظماء في أمسياتهم التي تحييها دار الأوبرا بشكل دائم..
وحين رفع المايسترو محمد اسماعيل الموجي عصاه، لتبدأ فرقة الموسيقي العربيه عزفها، ووقف المطربون الواحد تلو الآخر يتلو أغنيات حليم الرائعة بأصوات جميلة عذبة مسكونة بالابداع، هكذا دون زعيق ولا بنطلونات مقطعة!.. بدوا وكأنهم استحضروا للجمهور روح مصر ما قبل نصف قرن، أغنيات هادئة ،حزينة، مرحة، وفي قارب الأغنيات الحليميه تلك، أبحر الجمهور إلي الماضي، وعاشوا من جديد أيام الحب والإيمان، وأنعشت ذاكرتهم أغنيات حليم التي يرجع بعضها إلي ما قبل خمسين عاما، مثل:( دويتو "لحن الوفا" ألحان رياض السنباطي، كلمات محمد علي أحمد، وغناء مي حسن والرائع احمد سعيد، و"حلفني" مأمون الشناوي وكمال الطويل غناء الشاب محمد شوقي، "تعالي أقولك" فتحي قورة ومنير مراد غناء نها حافظ ومحمد شوقي، "بيع قلبك" حسين السيد وكمال الطويل غناء محمد حسن الذي غني أيضا "الحلو حياتي" لمحمد عبد الوهاب وحسين السيد.. وغيرها من الأغاني التي عايشنا معها ليس فقط حبنا القديم وذكرياتنا الخاصة، ولكن أيضا ذكريات وطن بأكمله من انكسارات وانتصارات، وإلا بماذا نفسر النجاح الهائل الذي تلقيه مثل تلك الأمسيات؟!
لقد كان قدم الأغنيات وكلاسيكية الألحان من وجهة نظر بعض شبابنا، هي نفسها عوامل نجاح قوية لها لدي جمهور الأوبرا من الشباب أيضا، والذي سئم جنون العصر، وبدأ يحن إلي ذكريات الاستقرار النفسي والقومي والديني, بعدما شاهد بأم عينه ماتؤول إليه حال الأغنيات والموسيقي اليوم، وما تتعرض له هوياتنا من محاولة لطمس ملامحها والاستيلاء علي تراثها، وما يتعرض له ديننا من محاولات لتشويهه بعدما خضع من خضع لإغراءات الطائفية والإرهاب باسم الدين.
لقد ذهلني ماسمعته قبل أيام من بعض الشباب عن حفلات ينظمها بعض الشباب المولع بكل ما هو شاذ ومختلف، وفي تلك الحفلات يقومون بتشغيل نوع من أنواع المزيكا الإلكترونية الصاخبة ذات الإيقاع الواحد ، وتبدأ عادة الحفلة من السادسة مساء حتي السادسة صباحا، ويظل فيها الشباب والبنات يرقصون علي إيقاع واحد، وقد دخلوا في حالة من الهستيريا، يساعدهم علي الدخول فيها حبوب تتنوع مسمياتها بين: حبوب الطاقة، حبوب السعادة، حبوب الشجاعة، حبوب الهلوسة،رسم عليها وجوه علي حسب الحالة، وهي حبوب خطيرة ومكلفة تباع في الخفاء، كما أنها من أخطر العقاقير التي عرفتها البشرية إن لم يكن جيلا جديدا من أجيال حبوب (ل.س.د) الذي كان بمثابة دين جديد اعتنقه الشاب البريطاني في لندن منذ نصف قرن، إنها حبوب صغيره تنفجر في العقل الباطن، تفجر الذات البشرية الداخلية، ويدوم مفعولها ساعات عديدة يفقد الإنسان فيها توازنه ، يهذي.. يبكي .. يصرخ..يزحف.. يضحك بهستيريا، يتصور أنه يستطيع التحليق والطيران، وبعضهم ينتحر.. إنهم يتفجرون بطريقة حيوانية دامية مذهلة، في النهاية الكل يصاب بالجنون ويموت.
للأسف انتشرت بشكل كبير مثل هذه الحبوب بين بعض الشباب المصري الذي يرتاد مثل هذه التقليعة الجديدة من الحفلات في غياب تام عن السلطه الأسرية، والمرعب أن من يتعاطون هذه الحبوب يعتبرون أنها من طقوس تلك الحفلات رغم أنها سلاح فتاك، حتي إن الحوادث المتتابعة من جراء هذا العقار الخطير في بريطانيا في سبعينيات القرن الماضي، جعلت السلطات البريطانية وقتها تتخذ موقفا حاسما غير مبالية بأي احتجاجات من قبل المتعاطين
حتي إنه ـ كما ذكرت بعض المصادرـ وقتها( إن أربعة من أكثر الطلاب عقلا ورزانة من جامعه لندن قرروا تجربة العقار، واتفقوا” احتياطيا” علي أن يتناوله ثلاثة منهم، بينما يراقب الرابع ما يدور، وقرروا أن يسجل لهم أقاويلهم..
وبالفعل ، أحكموا إغلاق النوافذ والأبواب وأعدوا آلة التسجيل، وبدأت التجربة
وبعد ساعات من الهذيان والانتحاب والهستريا تعب زميلهم الرابع فخرج ليشرب كوبا من الماء، وحينما عاد إلي الغرفة لم يجدهم، كان زجاج النافذة محطما، وفي القاع خلف النافذة ، فوق اسفلت الشارع تكوم الثلاثة بقايا دم معجون بالدم، ونخاع متناثر تحت الأضواء الصفر المغسولة بالمطر، وكانت آخر كلماتهم فوق شريط المسجل بعد مغادرته للغرفه تقول: تعالو نطير..تعالو نرحل..نطير ..نطير...
وإذا ما قدر لك يوما ودخلت بالخطأ إلي مكان تقام فيه مثل تلك الحفلات، ستشعر أنك داخل ورشة حَداد نشيط يهوي استعمال المطرقة، ومع الوقت ستشعر أنك في مستشفي للمجانين وقد أهدوا كل مجنون فيها طبلة، إنها إيقاعات منفرة وضجيج يصم الآذان إنها تشبه موسيقي "الالترامودرن" التي انتشرت ـكما قلت اعلاه ـ في لندن في سبعينيات القرن الماضي، وتذكرني أنا شخصيا بأصوات جهاز أشعة الرنين المغناطيسي حين يغلق علي جسدي كتابوت،( ألا يخطر علي بال المسئولين في العالم تعذيب المتطرفين والدواعش بهذا السلاح الفتاك القاتل؟)..
إنها أصوات ـ ولا أقول موسيقي ـ تبدو مثل تحطيم آنية زجاجية وطرق علي الحديد الساخن، أو كأن ثورا هائجا انطلق في محل للزجاج محطما كل شيء حوله، أتذكر الآن حين دعاني أحد الأصدقاء لحضور حفل موسيقي بإحدي القاعات في باريس، لم أستطع تحمل كل هذه الأصوات، ناهيك عن منظر العازفين، وقد غرقوا في عرقهم وكأنهم في ساحة حرب ، فيما خلع البقية الكثير من ملابسهم، وقتها لم أستطع التحمل غمرني الهلع، بحثت عن الباب الحديد الصدئ، خرجت إلي الشارع بحثا عن السكينة والهدوء، كنت حزينة.. لذا ركضت خلف شاب كان يشحذ بآلة الأكورديون، وسألته أن يعزف لي لحنا رومانسيا حزينا،
أتذكر كل هذا الآن فيما أنا أغادر دار الأوبرا المصرية، مشحونة بأغنيات الزمن الجميل ، تغمرني سعاده حقيقية وأنا أسترق السمع إلي أحاديث الشباب والشابات حول الحفل الجميل، وأقول ألا ليت وزارة الثقافة تخصص قناة خاصة تذيع من خلالها مثل تلك الحفلات بشكل دائم علي مدار الساعة، خاصة ومعظم مطربيها من الشباب الموهوبين حقا، ولهم علينا حق أن نقف بجانبهم ونشجعهم، وتكون لهم قنواتهم التي يطلون علينا منها بمثل هذه الموسيقي والألحان والأغنيات التي شكلت وجدان أجيال كثيرة ربما تكون عبرة ودرسا للأجيال الحالية والقادمة.
نبضة مسافرة
الهمني حب الخير.. حب الجمال والحق خليني أقول للشيطان مهما غواني لأ
« من أغنية حليم "أنا من تراب".. كلمات عبد الفتاح مصطفي »
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر ليست مجرد زيارة رسمية عادية بل محطة مهمة جديدة في إعادة تشكيل...
تلوح فى الأفق بعض التسريبات حول وجود بعض المقترحات بإلغاء بطولة الدورى هذا الموسم..
فقد بصره بسبب الجهل وطردته الجمعية الشرعية لسماعه القرآن من الراديو أبوه الصوفى تركه فريسة للجوع فى الحسين وحرمه من...
عاد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة بقوة مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وتحركات بحرية وجوية