وداعاً لشغل الإعلانات الأمريكانى.. د. محمد سليم الناظر: تحديث البيانات يمثل تحدياً أمام نجاح المنظومة الجديدة ممدوح العيادى: التقاضى عن بُعد فى «الجنايات» يحتاج إلى دراسات مستفيضة تقضى على التكدس فى المحاكم
تستعد وزارة العدل لتطبيق منظومة جديدة للإعلانات القضائية إلكترونيًا، فى إطار التوسع فى رقمنة إجراءات التقاضي، بما يستهدف معالجة بعض الثغرات المرتبطة بالإعلان التقليدى للمتهمين فى القضايا الجنائية، ومن بينها ما يُعرف فى الوسط القانونى بـ«الإعلان الأمريكاني»، فى إشارة إلى الحالات التى يتم فيها الإعلان على عناوين غير دقيقة أو وهمية بما قد يترتب عليه صدور أحكام غيابية.
وتأتى المنظومة الجديدة بالتزامن مع بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، والمقرر تطبيقه اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، وفقًا لما أوردته المادة.
وأصدر وزير العدل القرار رقم 4746 لسنة 2026 بشأن تنظيم «مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية وآلية عملها»، لتبدأ مرحلة جديدة من الاعتماد على الوسائل الرقمية فى إجراءات الإعلان القضائي.
مراكز للإعلانات الهاتفية والإلكترونية
وتتضمن المنظومة إنشاء مركز للإعلانات الهاتفية والإلكترونية يتبع وزارة العدل فى دائرة كل محكمة جزئية على مستوى الجمهورية، مع إرسال الإعلانات والمكاتبات القضائية إلى الخصوم عبر الرسائل النصية القصيرة (SMS) والبريد الإلكتروني.
كما تعتمد المنظومة، على البيانات الرقمية المرتبطة بالرقم القومى بالتنسيق مع قطاع الأحوال المدنية، بهدف الحد من التلاعب فى بيانات العناوين.
وتتضمن الإجراءات كذلك إصدار تقارير فنية موثقة من النظام تثبت وصول الرسالة وتوقيتها الدقيق، أو توضح أسباب تعذر الوصول إليها، مع إرفاق تقرير الاستلام بملف القضية إلكترونيًا لإثبات الأثر القانونى للإعلان.
وتتيح المنظومة أيضًا منصات رقمية للمحامين والمتقاضين لمتابعة القضايا وسداد الرسوم واستقبال القرارات إلكترونيًا.
ومخاوف من التطبيق
وجاء تأجيل بدء العمل بالمنظومة إلى أكتوبر 2026 لإتاحة الوقت لتأهيل القضاة وأعضاء النيابة العامة ومأمورى الضبط القضائى والمحامين للتعامل مع الأحكام والإجراءات المستحدثة، إلى جانب تجهيز البنية التكنولوجية اللازمة لإنشاء مراكز الإعلانات الهاتفية والإلكترونية.
وفى المقابل، يرى عدد من القانونيين أن المهلة تحتاج إلى مزيد من الدراسة والتجهيز، خاصة فيما يتعلق بالبنية التحتية ورفع مستوى الوعى القانونى لدى المواطنين.
رئيس محكمة استئناف سابق: التكنولوجيا مطلوبة ولكن بضوابط
وشدد المستشار الدكتور محمد سليم الناظر، رئيس محكمة الاستئناف السابق والمحامى بالنقض والإدارية والدستورية العليا، على أن رجال القضاء والقانون ليسوا ضد التكنولوجيا والتطوير، مؤكدًا أن الأهم هو تنفيذ التحول الرقمى بصورة مهنية، من خلال جهات متخصصة ودراسة وافية، نظرًا لارتباط هذه الإجراءات بمصائر وحريات المواطنين.
وأوضح أن الإعلان الإلكترونى وتجربة التقاضى عن بُعد يشتركان فى الحاجة إلى بنية تحتية قوية وقواعد بيانات محدثة، إلى جانب كوادر متخصصة قادرة على إدارة المنظومة.
واستشهد الناظر بتجربة تجديد الحبس عن بُعد، مشيرًا إلى أنها كشفت، من وجهة نظره، عن بعض العقبات التقنية التى قد تؤثر على جودة الاستماع وممارسة حق الدفاع.
وتساءل: «إذا كنا نواجه مشكلات فى ضمانات التقاضى عن بُعد ذاته، فكيف نضمن بالأساس دقة الإبلاغ بوجود الدعوى إلكترونيًا؟»
التحدى الأكبر
وأشار الناظر إلى أهمية تحديث قواعد البيانات، موضحًا أن شريحة من المواطنين تمتلك خطوط هواتف محمولة منذ سنوات طويلة، فى فترات لم تكن فيها إجراءات تسجيل الخطوط بالشكل الحالي، وهو ما قد يمثل تحديًا أمام ضمان وصول الإعلانات القضائية إلى أصحابها.
وأكد ضرورة توفير قواعد بيانات دقيقة، وتغطية قوية لشبكات الاتصالات، وآليات واضحة للتأكد من وصول الإعلان إلى الشخص المعنى به.
ولفت كذلك إلى ضرورة تأمين النظام والاستعانة بمتخصصين فى إدارة المنظومة، خاصة فى ظل وقائع، أشار إليها، تتعلق بوجود خطوط محمول أو تعاملات مالية مسجلة ببيانات مواطنين دون علمهم.
خصوصية قضايا الجنايات
وفيما يتعلق بالتقاضى عن بُعد، حذر الناظر من أن فرض رسوم على الدخول إلى المنظومة الرقمية قد يمثل عبئًا على صغار المحامين، وقد يؤثر، من وجهة نظره، على قدرتهم على التعامل مع بعض القضايا.
وأكد أن قضايا الجنايات لها خصوصية، لأنها تحتاج إلى تفاعل مباشر بين القاضى والمتهم والدفاع وأدوات العدالة.
وأشار إلى المادة 384 من قانون الإجراءات الجنائية، متسائلًا عن مدى توافق الحضور الافتراضى عبر الشاشة مع متطلبات حضور المتهم أو وكيله فى القضايا التى ينظمها النص.
وطالب رئيس محكمة الاستئناف السابق بأن يكون التطبيق تدريجيًا وغير إجبارى فى البداية، مع مراعاة خصوصية القضايا الجنائية، وتنظيم دورات تدريبية مكثفة للموظفين والمحامين والأطراف القضائية، إلى جانب رفع مستوى الوعى القانونى لدى المواطنين بكيفية التعامل مع الإعلانات القضائية والرسائل الرسمية.
نقيب محامى شمال سيناء: نؤيد الرقمنة ونحتاج عامًا انتقاليًا
من جانبه، أكد ممدوح العيادي، نقيب محامى شمال سيناء، تفهمه لأهمية التطور الرقمى وتوجه الدولة نحوه، لكنه طرح عددًا من التخوفات القانونية والإجرائية بشأن رقمنة الإعلانات القضائية والتقاضى عن بُعد.
وأكد أن تحقيق العدالة يتطلب، من وجهة نظره، دراسة متأنية وتدرجًا فى التنفيذ.
وأوضح أن من أبرز التحديات نسبة الأمية ومستوى الوعى القانوني، مشيرًا إلى أن شريحة من المواطنين قد تواجه صعوبة فى التعامل مع الرسائل النصية، فضلًا عن ضعف المعرفة بالإجراءات القانونية التى قد تمنع المواطن من إدراك أهمية الإعلان أو اتخاذ الخطوة المناسبة بعد وصوله.
وأشار إلى أن عدم الانتباه إلى الإعلان قد يؤدي، بحسب رؤيته، إلى مفاجأة المواطن بوجود حكم قضائى ضده عند إجرائه معاملة رسمية.
وطرح العيادى تساؤلات بشأن التغطية والوصول الفعلى للرسائل الإلكترونية، ومدى جاهزية شبكات الاتصالات لتغطية جميع المناطق، وكذلك الآلية القانونية لإثبات وصول الإعلان.
وتساءل: هل يكفى مجرد إرسال الرسالة حتى لو لم تتم قراءتها؟ وماذا يحدث إذا كان الخط مغلقًا أو مفقودًا أو يستخدمه شخص آخر غير مالكه المسجل؟ وكيف يمكن التأكد من أن الشخص الذى تلقى الإشعار هو بالفعل الشخص الموجه إليه الإعلان؟
مسؤولية قانونية
وأشار نقيب محامى شمال سيناء إلى اختلاف المسؤولية القانونية بين نظام المحضرين والإعلان الإلكتروني، موضحًا أن المحضر يمكنه التعامل مباشرة مع المعلن إليه، وفى بعض الحالات قراءة الإعلان لغير المتعلم، بينما تبرز فى النظام الإلكترونى تساؤلات حول الجهة التى تتحمل المسؤولية عند عدم وصول الإشعار أو حدوث خطأ فى البيانات.
كما أشار إلى مسألة الرسوم المالية المرتبطة بالمنظومة الرقمية، متسائلًا عن مدى قدرة المواطن العادى وصغار المحامين على تحمل هذه الأعباء.
وأكد أن للقضايا الجنائية خصوصية أكبر، لأن عواقب عدم الإخطار فيها أكثر خطورة مقارنة بغيرها من أنواع الدعاوى، كما أن التقاضى عن بُعد فى قضايا الجنايات يحتاج، من وجهة نظره، إلى دراسة خاصة.
عام انتقالى بين النظامين
واقترح العيادى تطبيق النظام الرقمى بالتوازى مع استمرار عمل المحضرين التقليديين لمدة عام كامل، باعتبارها فترة انتقالية تجريبية تساعد على اختبار المنظومة وتحديد المشكلات العملية قبل تعميمها.
وطالب بالتزامن مع ذلك بإطلاق حملات توعية قانونية للمواطنين، بما يضمن قدرتهم على التعامل مع النظام الجديد وفهم طبيعة الإعلانات والرسائل القضائية.
ليس إلغاءً لدور المحضر
على الجانب الآخر، يرى الأستاذ الدكتور مصطفى السعداوي، أستاذ القانون الجنائى بكلية الحقوق جامعة المنيا، أن عددًا من المخاوف المثارة بشأن الإعلان الإلكترونى والتقاضى عن بُعد يمكن التعامل معها فى ضوء البناء التشريعى للمنظومة الجديدة.
وأوضح السعداوى أن مشروع قانون الإجراءات الجنائية شهد، نقاشًا حول عدد من النقاط الجوهرية، من بينها الإعلان الإلكتروني، وأن إرجاء تطبيق بعض الأحكام أتاح وقتًا لرفع كفاءة المحاكم وتهيئة البيئة التكنولوجية اللازمة.
وفنّد أستاذ القانون الجنائى المخاوف المتعلقة بإلغاء دور المحضر القضائي، مؤكدًا أن الإعلان الإلكتروني، وفقًا لرؤيته، لا يلغى الإعلان التقليدي، وإنما يأتى كمرحلة إضافية فى تسلسل إجراءات الإعلان، بما يمثل ضمانة أخرى لإعلام المتهم.
وأوضح أن التسلسل يبدأ بتسليم المتهم الإعلان شخصيًا عن طريق المحضر، وفى حال عدم وجوده يتم الإعلان فى محل إقامته وفقًا للإجراءات القانونية، وإذا كان المسكن مغلقًا يتم الإعلان على جهة الإدارة المختصة، ثم يأتى الإعلان الإلكترونى كوسيلة إضافية عبر الرسائل النصية القصيرة أو البريد الإلكترونى المسجل رسميًا.
حماية البيانات وتأمين المنظومة
وأكد السعداوى أن الدولة لم تتجه إلى هذه الخطوة، إلا بعد العمل على تطوير البنية الرقمية وربط قواعد البيانات وتأمين الشبكات.
وأشار إلى أن المنظومة الرقمية للعدالة لا تتعارض، مع قانون حماية البيانات الشخصية، موضحًا أن المحتوى يتم تأمينه وتشفيره، وأن الإشعار لا يتضمن تفاصيل الدعوى ومستنداتها، وإنما يقتصر على بيانات الإخطار.
التجربة العملية تحسم المخاوف
وعلق أستاذ القانون الجنائى على المخاوف من تطبيق النظام الجديد، مؤكدًا أن التخوف من أى منظومة مستحدثة أمر طبيعي، وأن التجربة العملية يمكن أن تكشف المشكلات وتتيح معالجتها وتطوير الإجراءات مع الوقت.
وأشار إلى أن التشريعات تتغير وتُعدل وفقًا للمستجدات، مستشهدًا بتعديلات قانون مكافحة التحرش خلال السنوات الماضية، مؤكدًا أهمية مواكبة التطور الرقمى بما يخدم المتقاضين ويدعم سرعة إنجاز العدالة.
وأشار السعداوى إلى أن جزءًا من الاستعداد لتطبيق المنظومة الجديدة ارتبط، بحسب رؤيته، بالتجهيز لمنظومة التقاضى عن بُعد.
وأوضح أن التقاضى الإلكترونى يمكن أن يسهم فى تقليل التكدس داخل المحاكم، وأن الحضور الإلكترونى لا يعنى غياب المحكمة، وإنما يتيح للقاضى متابعة المرافعة إلكترونيًا ومشاركة المتهم ودفاعه والأطراف المعنية.
وأضاف أن هذه الآلية يمكن أن توفر الوقت ونفقات الانتقال، مشيرًا إلى أن تكلفة الخدمات الرقمية، إذا فُرضت رسوم عليها، قد تكون أقل من أعباء الانتقال المتكرر إلى المحاكم.
كما أكد أن الرقمنة تمنح المستندات والتعاملات الرقمية حجية قانونية وفقًا للقواعد المنظمة، وتتيح إجراء بعض التحقيقات والمحاكمات عن بُعد، بما قد يسهم فى تسريع إجراءات التقاضى وتقليل النفقات اللوجستية.
تجربة التقاضى على درجتين
واستشهد السعداوى بالتغيير الذى شهدته منظومة التقاضى فى الجنايات مع الانتقال إلى التقاضى على درجتين، مشيرًا إلى أن تنفيذ هذا التغيير تطلب زيادة فى عدد دوائر الاستئناف والاستعدادات القضائية والإدارية.
ويرى أن نجاح المؤسسات القضائية والقانونية فى التعامل مع هذا التغيير يمثل، من وجهة نظره، مؤشرًا على قدرة المنظومة على التعامل مع التطورات الرقمية أيضًا.
بين التطوير وضمانات العدالة
وتبقى منظومة الإعلان الإلكترونى أمام اختبار عملى مع بدء تطبيقها، إذ تتركز أبرز التساؤلات المطروحة حول دقة قواعد البيانات، وإثبات وصول الإعلان، وملكية خطوط الهواتف، والتغطية الشبكية، والرسوم، ومستوى الوعى القانونى للمواطنين، إلى جانب خصوصية إجراءات الإعلان فى القضايا الجنائية.
وفى المقابل، يرى مؤيدو المنظومة أن التحول الرقمى يمكن أن يحد من المشكلات المرتبطة بالإعلان التقليدي، ويسهم فى سرعة الإجراءات وتقليل التكدس والنفقات، مع إمكانية تطوير التجربة وفقًا لما تكشفه الممارسة العملية.
وبين الرؤيتين، تبدو التجربة الفعلية وآليات ضمان حق الدفاع والعلم الحقيقى بالإجراءات القضائية هى الاختبار الأهم لمدى نجاح المنظومة الجديدة فى تحقيق الهدف منها، دون الإخلال بضمانات المحاكمة العادلة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
وداعاً لشغل الإعلانات الأمريكانى.. د. محمد سليم الناظر: تحديث البيانات يمثل تحدياً أمام نجاح المنظومة الجديدة ممدوح العيادى: التقاضى عن...
جميلة: الأمانة أفضل من مال قارون
أبو شوشة: تحميل الحماة وحدها مسئولية انهيار الحياة الزوجية يعد تبسيطًا لمشكلة أكثر تعقيدًا طرابلسى: كثير من الأمهات يتدخلن بدافع...
فى اليوم العالمى لـ«القهوة» محمصة الغورية 200 سنة قهوة.. السادات وعادل إمام وأحمد السقا أشهر زبائنها محمصة طنطا 120 سنة...