عندما نتحدث عن "التعليم عن بعد"، تذهب العقول فوراً إلى شاشات "الزووم"، ومنصات التدريس، والفصول الافتراضية. لكن الحقيقة التي نواجهها يومياً في مطبخ الإدارة الرقمية تقول إن المنصة ما هي إلا قشرة خارجية، أما الجوهر الحقيقي الذي يضمن بقاء هذه المنظومة وتطورها فهو "الأرشيف الإلكتروني".
لقد آن الأوان لنتوقف عن التعامل مع الأرشيف بكونه "مخزنًا للملفات المهملة" أو مقبرة رقمية نلقي فيها ما انتهينا من استخدامه. الأرشيف هو العمود الفقري، وبدونه تصبح المنصة التعليمية مجرد كيان هش ينهار أمام أول تحدٍ تقني أو إداري.
الأرشيف.. ليس مخزناً بل محرك تشغيل
المفهوم التقليدي للأرشفة في مؤسساتنا يحتاج إلى "نسف" وإعادة بناء. الأرشيف الرقمي في التعليم عن بعد هو "الذاكرة الحية" للمؤسسة. تخيل أنك تدير جامعة افتراضية دون نظام أرشفة؛ أنت هنا لا تضيع ملفات قديمة، بل تضيع مجهود آلاف الساعات من المحاضرات، وتخاطر بحقوق الطلاب، وتفقد القدرة على تتبع التطور الأكاديمي.
الأرشيف القوي يعني أن المؤسسة لا تبدأ من الصفر كل عام. هو الضمانة بأن المادة العلمية التي أُنتجت بجهد وأموال ستظل متاحة، مستدامة، وقابلة للتطوير. بدون أرشفة احترافية، نحن لا نبني تعليماً، بل نقوم بعملية "بث مؤقت" يتبخر أثره بمجرد إغلاق المتصفح.
من "داتا" مبعثرة إلى مرجع ذكي
أكبر خطأ يقع فيه مديرو المؤسسات التعليمية هو تكديس الملفات على السحابة (Cloud) والادعاء بأن هذا أرشيف. تكديس الملفات دون منهجية هو "فوضى رقمية" مقنعة. التحول الحقيقي يكمن في تحويل هذه البيانات إلى نظام بحث ذكي.
كيف نفعل ذلك؟ السر في الفهرسة والتصنيف (Metadata). يجب أن تتحول المحاضرة من مجرد ملف فيديو باسم "محاضرة 1" إلى كيان رقمي يحمل كلمات مفتاحية، اسم المحاضر، التاريخ، المرجع العلمي، والفئة المستهدفة. عندما يتمكن الطالب أو الباحث من الوصول إلى المعلومة في ثوانٍ وسط ملايين الملفات، هنا فقط نقول إن لدينا أرشيفاً ناجحاً. نحن لا نحتاج لمجرد مساحات تخزين، بل نحتاج لعقول تدير هذه المساحات وتحولها إلى مكتبة رقمية تفاعلية تخدم العملية التعليمية وتدعم اتخاذ القرار.
لماذا تنهار المنصات؟ (معضلة الاستدامة)
شاهدنا منصات تعليمية كبرى تتألق لشهور ثم تختفي أو تفشل في التوسع. السبب دائماً يكمن في "الداخل". المنصة التي لا تملك نظام أرشفة قوياً هي منصة بلا تاريخ، وبلا مرجعية قانونية.
الأرشيف هو الذي يحمي حقوق المؤسسة وتاريخها الأكاديمي. هو الحجة القوية في حالات الاعتماد والجودة، وهو الملاذ الآمن عند حدوث نزاعات حول الملكية الفكرية للمحتوى. الاستدامة في التعليم عن بعد لا تعني "سرعة الإنترنت"، بل تعني "سلامة واستمرارية المحتوى". المؤسسة التي تستهين بالأرشفة تستهين بمستقبلها، لأنها ببساطة لا تملك سجلاً موثقاً لما قدمته.
خلاصة التجربة: نصيحة للمسؤول
من واقع إدارتي لملفات التعليم عن بعد والأرشيف الإلكتروني، أقولها بوضوح لكل مدير مؤسسة تعليمية: لا تنفق كل ميزانيتك على واجهة المنصة وتنسى المستودع الرقمي.
الاستثمار في الأرشفة الرقمية ليس "رفاهية" أو خطوة مؤجلة، بل هو استثمار في أصول المؤسسة. المنصات تتغير، والتقنيات تتبدل، لكن الأرشيف هو الثابت الوحيد الذي يضمن انتقالك من جيل تقني إلى آخر دون فقدان هويتك أو ضياع مجهودك.
رسالتي لكل زملائي في الميدان: ابدأوا ببناء هيكل تنظيمي رقمي قبل شراء السيرفرات. نظموا ملفاتكم كأنها جواهر، ففي عصر الاقتصاد القائم على المعرفة، الأرشيف المنظم هو أثمن ما تملكه المؤسسة التعليمية.
خلاصة القول: المنصة هي التي تجمعنا اليوم، لكن الأرشيف هو الذي سيحكي قصتنا غداً.
كاتب المقال : أحمد محمد عبد الشافي ،مُدير إدارة التعليم عن بُعد ورئيس فريق المشروعات ومدير الارشيف الالكترونى بالأكاديمية العربية للعلوم الإدارية والمالية والمصرفية
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
عندما نتحدث عن "التعليم عن بعد"، تذهب العقول فوراً إلى شاشات "الزووم"، ومنصات التدريس، والفصول الافتراضية. لكن الحقيقة التي نواجهها...
عيد عبد الفتاح: معادن الناس تظهر فى الأزمات
الحرق لا يحتاج إلى لهب ضخم ولا صافرة إنذار حتى يترك أثرًا. أحيانا يبدأ كل شيء في لحظة عابرة داخل...
لم تنته بعد شائعات زيادة أعداد إصابة طلبة المدارس ونسب الحجز بالمستشفيات بسبب الفيروسات التنفسية، إلا ولحقتها أحاديث أخرى حول...