الاستهانة بالحروق المنزلية تؤدى لكارثة

الحرق لا يحتاج إلى لهب ضخم ولا صافرة إنذار حتى يترك أثرًا. أحيانا يبدأ كل شيء في لحظة عابرة داخل المطبخ طفل صغير يتسلق الكرسى ليمد يده نحو كوب شاي ساخن، أو أم تفتح باب الفرن فتمتد يد صغيرها دون أن تنتبه. أو حتى بخار ماء يغلى يندفع في وجه من يقف قريبا. بعدها تبدأ رحلة مختلفة. قد تكون قصيرة وتنتهى.

هكذا قال أ. د كرم علام أستاذ جراحة التجميل بطب سوهاج حديثه وأضاف: المشكلة الأعظم تبدأ بنسيان ما حدث اعتقادا أن الأمر لا يستحق القلق أو الذهاب إلى المستشفى رغم وجود علامة على الجلد أو في الذاكرة لا تمحى بسهولة.

الحروق واحدة من أكثر الإصابات التي تحدث داخل بيوت المصريين، حيث روح الحياة كلها تدور في المطبخ. والطفل بطبيعته لا يعرف معنى الخطر وكل شيء بالنسبة له مغامرة تستحق التجربة. لذلك يصبح السؤال الأهم حين تحدث الحروق، ماذا نفعل ؟ والأهم، ماذا يجب ألا نفعل ؟

أول ما يجب أن يعرفه كل بيت هو أن اللحظات الأولى أهم من كل شيء بعدها. في نفس الدقيقة التي تصيب فيها الحرارة الجلد، يجب أن نبعد الطفل أو الشخص المصاب عن مصدر الحريق ثم نضع المكان المصاب تحت ماء فاتر يجرى لمدة عشرين دقيقة. وليس مثلجا فالماء شديد البرودة يضر أكثر مما يفيد. وفي الوقت نفسه، يجب ألا نضع زيتا أو معجون أسنان أو سمنا أو أي وصفات تراثية نسمعها من هنا وهناك، لأن هذه الأشياء تغلق المسام وتحبس الحرارة داخل الجلد وتزيد الأمر سوءا.

الحرق لا يحتاج إلى لهب ضخم ولا صافرة إنذار حتى يترك أثرًا. أحيانا يبدأ

الملابس إن التصقت بالجرح فلا تحاول نزعها بالقوة، أما إن لم تلتصق فنخلعها بهدوء، ثم نغطى المكان بشاش نظيف أو قطعة قماش قطنية معقمة. بعدها يأتي القرار الأهم هل تذهب إلى المستشفى أم نكتفى بالعلاج في البيت؟ هذه ليست مسألة شجاعة أو خجل، بل مسألة حجم الضرر. إن كان الحرق بسيطا، يشبه السعة الشمس أو ترك احمرارا فقط يمكن العناية به في البيت. أما إن ظهرت فقاعات، أو كان في الوجه أو اليدين أو المناطق الحساسة، أو كان حجمه أكبر من راحة اليد، فالطوارئ هي المكان الصحيح، وفي كل الأحوال استشارة الطبيب المتخصص صمام أمان.

يكمل أستاذ جراحة التجميل الطريق بعد الحرق لا يقف عند إزالة الألم. فالجلد يبدأ رحلة شفاء من الداخل وقد يستغرق الأمر أياما أو أسابيع. في البداية، يلتئم الجلد السطحى ثم يظهر جلد جديد لونه وردي حساس. هذا اللون طبيعي تماما، لكنه يحتاج حماية من الشمس والاحتكاك ومع الوقت، قد تظهر ندبة صغيرة أو أكبر حسب عمق الحرق. بعض الندبات تختفى تدريجيا، وبعضها يظل واضحًا، فيتحول الموضوع من إصابة واحدة إلى سلسلة من المتابعات والعلاجات، تبدأ من الكريمات البسيطة وقد تصل إلى جلسات ليزر أو جراحة تجميلية لإصلاح الأثر.

يقول د. كرم ما لا يعرفه الكثيرون أن آثار الحروق لا تؤثر على الجلد وحده. بل قد تسكن النفس أيضًا. الطفل الذي يحترق يظل يتذكر ما حدث، وقد يخاف من دخول المطبخ أو لمس أي شيء ساخن بعد ذلك. الأم تشعر بالذنب حتى إن لم تكن مخطئة، والبيت كله يعيد ترتيب عاداته خوفا من تكرار الحادثة. ولهذا، فإن العلاج الحقيقي يشمل كلمات طمأنة، واحتضانا، وشرحًا هادنا للطفل ليعرف أن الأمر انتهى وأنه آمن الآن وأن العلامة التي ظهرت على جلده لیست وصمة ولا نقصا، بل مرحلة عابرة ستشفى مع الوقت.

أما الوقاية، فهي أهم من أي علاج، لكنها تحتاج حضورًا ذهنيا دائما. أن تحرك يد الحلة إلى الداخل بدلا من الخارج، أن نرفع الأكواب الساخنة بعيدا عن أطراف الأطفال، ألا تحمل كوب شای بید و طفلا على اليد الأخرى، وأن نفكر كل مرة قبل أن نفتح السخان أو ننقل ماء يغلى في مطبخ ضيق. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق.

ويضيف في النهاية الحرق ليس حكاية قدر سيئ ولا لعنة منزل بل جزءا من حياتنا اليومية حين نقترب من النار دون أن نتذكر قوتها. معظم الحروق يمكن تفاديها لو عرفنا القاعدة الذهبية الاحتراس من النار والحرارة ومصادرها لكن الحروق ليست النهاية. فكما يحترق الجلد يمكنه أن يشفى، وكما تترك النار أثرا يمكن للإنسان أن يتعافى - جلدا و روحا وعائلة كاملة.

ويختم بقوله في كل بيت المعرفة تساوى أمان والثواني الأولى تساوى جلدا جديدا، والكلمة الطيبة بعد الألم قد تساوى شفاء لا يراه أحد إلا الطفل الذي عاش التجربة. فقد تترك النار علامة لكن الوعي هو ما يمنعها من ترك أثر أكبر.

 	السيد عبد العال

السيد عبد العال

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

مطالب بحزمة حكومية خاصة لحماية الفئات المتضررة من قانون الإيجار القديم

النائب إيهاب منصور: التطبيق العملى يواجه مشكلات تخص الفئات غير القادرة ماليًا

السكر.. والطريق إلى صيام آمن

ينتظر الناس الشهر الفضيل للصيام والتقرب إلى الله، ومن بين هؤلاء أصحاب الأمراض خاصة المزمنة، وبعضهم يخاطر بنفسه من أجل...

حكايات الياميش من أول «فطار» لآخر يوم صيام

في قلب رمضان، وبين رائحة التمر وصوت الميزان اليدوى، تبقى حكاية الياميش ممتدة.. لا تبدأ قبل الهلال فقط، ولا تنتهى...

أغانٍ وفوانيس وزينات.. رمضان فى الحارة زمان

لم ينل شهر من شهور السنة الميلادية أو الهجرية، ما حظی به شهر رمضان من التكريم والتبجيل، بداية من إطلاق...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م