أشهر مطربات القرن ال 19 .. وأول سيدة تحمل «البكوية» البيت يرجع للوالى «محمد على».. وأهداه إسماعيل لـ «ساكنة» تقديرًا لموهبتها
فى أولى الخطوات إلى شارع الأشراف بمنطقة الخليفة، يقابلك منزل أثرى يشغل مساحة كبيرة جدا، لكنه يعانى كغيره من المبانى الأخرى من الإهمال. المنزل يرجع لمطربة شهيرة فى مطلع القرن التاسع عشر، كما تشير اللافتة التى وضعها جهاز التنسيق الحضارى على باب البيت، كتب عليها: هنا عاشت المطربة "ساكنة بك".
البيت يبدو حديثا إلى حد ما، لكن الإهمال وعوامل الزمن واضحة على نوافذه المحطمة، وللوهلة الأولى يدهشك شكل البيت المبنى بشكل هندسى دقيق، لكن الأكثر إثارة للدهشة قصة صاحبته المطربة الإسكندرانية التى عشقها الخديو إسماعيل وأهدى لها هذا البيت، كما منحها لقب "بك" لتصبح بذلك أول سيدة تحصل عليه.
كلما نظرت إلى أعلى أشعر بصوت "ساكنة بك" ينساب فى المكان، لكن الصور المتوفرة لهذه المطربة التى ليس لنا أن نعرف مدى جمال صوتها الآن قليلة، لا تتعدى 3 صور على الإنترنت.
اشتهرت «ساكنة بك» بين المصريين بلقب «ساكنة باشا» وكان هو اللقب المتداول بينهم عندما يتحدثون عن صاحبة البيت، وجدير بالذكر أن شخصية المطربة «ساكنة بك» تم تقديمها فى المسلسل الشهير «بوابة الحلوانى» وقامت الفنانة سهير المرشدى بدورها.
موقع ويكيبيديا ذكر أن "ساكنة بك" ولدت بالإسكندرية عام ١٨٠١م وتوفيت عن عمر يناهز ٩١ سنة، وجاءت إلى القاهرة فى سن صغيرة، وتعتبر أقدم مغنيات العصر الحديث، وكانت تحيى ليالى السمر فى أكشاك الأزبكية، وذاع صيتها فى عصر الخديو عباس الأول ثم سعيد باشا، حيث بدأت شهرتها فى الغناء، وغنت باللغة العامية وأحبها المصريون، وكان الخديو سعيد يحبها حبا جما، لكن من منحها لقب بك كان الخديو إسماعيل، حيث ناداها فى إحدى المرات بـ "ساكنة هانم"، الأمر الذى أثار حفيظة الأميرات، فقرر إسماعيل أن ينعم عليها بلقب "بك" لتكون بذلك أول امرأة يطلق عليها هذا اللقب فى مصر، ولم يكن أحد ينافس "ساكنة بك" فى الشهرة، إلى أن ظهرت المطربة "ألمظ" فأفل نجمها وتركت الغناء، لكنها لم تتوقف عن قراءة القرآن، ويقال إنها توفيت بين عامى ١٨٩٢ و١٨٩٨، فى آخر عهد الخديو توفيق وأوائل عهد عباس حلمى الثانى بعد مرض مفاجئ ألم بها، ولم تترك وراءها أى ثروة، فقط تركت البيت الذى أهداه لها الخديو إسماعيل فى منطقة الخليفة.
شارع الأشراف كنز أثرى ثمين، فهو يضم مجموعة مميزة من العمارة الإسلامية، ويشهد إقبالا كبيرا من المواطنين والمحبين لآل البيت، فهناك حركة دائمة به لا تهدأ، لكن الهدوء القاتل يخيم على كل حجر وجدار موجود فى بيت "ساكنة بك".
"الإذاعة والتليفزيون" التقت مجموعة من السكان المجاورين للبيت، لنتعرف منهم على ذكرياتهم مع هذا البيت الأثرى وما كان عليه فيما مضى.
العم "حسين" صاحب محل للأدوات الصحية بالمنطقة حدثنا عن البيت وذكرياته معه، قائلا: "أعرف أن البيت صاحبته اسمها ساكنة بك، وهذه السيدة كانت مطربة شهيرة، وكان بيتها مكانا لتجمع كبار القوم ومنهم الخديو إسماعيل الخديو الذى أهداها هذا البيت، لكن لم يرها أحد من زمننا المعاصر لأنها توفيت منذ سنين طويلة، والبيت تاريخه يعود تقريبا لعام ١٨٠١م، أى أنه لم يكن أى أحد من الموجودين فى المنطقة قد ولد من الأصل".
وأضاف "حسين": "لقد تكلموا عن شخصية ساكنة بك فى مسلسل بوابة الحلوانى، والبيت الخاص بها حدث له انهيار بعد زلزال عام ٩٢، لكن واجهة البيت سقطت منذ ما يزيد عن سنة تقريبا بعد شهر رمضان قبل الماضى، مع العلم أن سيدة من المنصورة اشترت البيت من الورثة، ويقال إن هذه السيدة تهوى شراء البيوت الأثرية".
وعن ذكرياته الشخصية مع البيت، قال "حسين": "لقد دخلت البيت منذ زمن، عندما كنت صغيرا، وقضيت فيه وقتا جميلا، أكلت وشربت فيه، والبيت مبنى على ملف واحد لكن له أكثر من مدخل، فهناك مدخل للخدم وآخر للضيوف ومدخل ثالث للأسرة، وكل من كان يأتى من الورثة يسكن فى هذه الغرف، لكنه حاليا خالٍ من الداخل لا يوجد به أى شيء، فقط جدران .
"على النجار" قال إنه يسكن بالمنطقة منذ عام ١٩٩٠، ولا يعرف الكثير عن هذا البيت لأنه ليس من مواليد المنطقة، قال: "عندما جئت إلى المنطقة كان المنزل على هذه الحالة مغلقا ومهملا، لكن ما أعرفه أن هذا البيت كان للخديو إسماعيل وأهداه لساكنة باشا، وأعرف أنها توفيت منذ مائتى سنة ولها أشقاء".. نظر "النجار" إلى العم "حسين" متسائلا: "مش كان لها أخوة يا عم حسين؟" أجابه العم حسين: "لا. كانوا أبناء بالتبنى وأهدتهم البيت فقاموا ببيعه".
عاد "على النجار" إلى حديثه قائلا: "البيت مساحته تقريبا ألف متر، ويوجد فى أول سور البيت محل نجار فوقه كان برجا للخدم والحشم والحراسة، والبيت كان مفتوحا منذ عامين حتى سقط جزء من واجهته، ويوجد غفير داخله للحراسة، وكل المحلات الموجودة أسفل البيت، وعددها سبعة، كانت محلات ذهب وصاغة".
"عماد عثمان مهران" كبير الباحثين فى الآثار الإسلامية قال إن "ساكنة بك" تحيى ليالى السمر فى أكشاك الأزبكية التى كان يغلب على الأداء فيها فرق الشارع وجوقات الجيش والبوليس، وأحيانا مسرح خيال الظل، كما أن بعض الموسيقيين كانوا يؤدون الغناء الشعبى من خلالها، وكانت "ساكنة بك" متعلمة لبقة الحديث عذبة اللسان سهلة المعشر أنيسة فى المجالس ذكية وسريعة الخاطر وهادئة جدا فى كلامها لكنها قوية فى الغناء، وكانت متدينة تحفظ القرآن وقارئة له بصوت عذب، ولشيوع كل هذا عنها أصبحت ممن يدعى إلى القصور لإحياء المناسبات، وكانت تحيى الليالى فى قصور الأمراء، كما غنت فى فرح أبناء إبراهيم باشا، وذاع صيتها فى عصر عباس الأول ثم سعيد باشا، حيث بزغ نجمها فى سماء الغناء.
غنت المطربة ساكنة باللغة العامية، وتعلق بها المصريون، كما أعجب بغنائها الأتراك أيضا وذاع صيتها، وفاقت شهرتها الرجال من أمثال عبد الرحيم مسلوب وأحمد الشلشمونى وقصطندى منسى، كما قال "مهران"، موكدا أن الأقاويل اختلفت حول من أطلق عليها لقب "بك"، فقيل إن سعيد باشا خديو مصر هام حبا بها، وكانت تقضى أكثر أوقاتها فى قصوره، وأطلق عليها لقب "ساكنة بك"، بينما تردد أيضا أن الخديو إسماعيل ناداها مرة بـ"ساكنة هانم" فاغتاظت الأميرات فغاظهم أكثر وناداها بـ "ساكنة بك" وأصبح اللقب مقرونا باسمها حتى ماتت.
استمرت ساكنة بك فى شهرتها ومجدها الفنى حتى ظهرت المطربة الشهيرة "ألمظ" التى تفوقت عليها وقضت على صيت ساكنة بك الفنى، لذلك تركت ساكنة الغناء وقضت أعواما طويلة فى دارها بعد أفول نجمها، إلا أنها لم تتوقف عن قراءة القرآن ولا عن مجالس الأدب.
كانت "ساكنة بك" تفتح مضيفتها للزائرين، وتقرأ لهم القرآن فى ليالى رمضان والمناسبات الدينية، وعرف عنها الكرم إلى حد التبذير، وقد كان يصرف لها جراية شهرية من البلاط، ويقال إنها أول من كان لها هذا من النساء، ومن المعروف أن البلاط كان يدفع راتبا شهريا للكثير من أهل الأدب والنغم والفن آنذاك.
وقال "مهران" إن بيت ساكنة بك الموجود بشارع الأشراف فى منطقة الخليفة بناه الوالى محمد على سنة 1846م وأهداه للخديو إسماعيل الذى أهداه بدوره إلى ساكنة بك تقديرا منه لموهبتها النادرة، ومساحة البيت 800 متر ويتكون من طابقين، الطابق الأرضى يضم عشرين غرفة ومبنى للخدم وإسطبلا للخيل وقاعة احتفالات واستقبال لضيوف الخديو إسماعيل فى حفلات خاصة، ويوجد فى البيت حمام على الطراز العربى به فتحات فى السقف مزينة بالزجاج المعشق ومصممة لإدخال الضوء للحمام طوال ساعات النهار، ويضم الدور العلوى قاعات أرضها من الرخام وأسقفها منقوشة بماء الذهب، وكانت هذه القاعات مخصصة للبروفات ولاستقبال الخديو إسماعيل فى حفلات خاصة له، حينما يريد الاستماع إلى ساكنة بك، ونلاحظ وجود فتحات فوق الأسقف مصممة بشكل زخرفى مميز ومنتهية بجزء خشبى حيث يتم فتحها لتجديد الهواء، وهى التى تسمى ملقفا، أما الأرضيات فهى من الرخام الفاخر الذى تم خلعه للأسف، كما أن السقوف كلها مزخرفة ومرسومة بماء الذهب، والأرضيات مبطنة بالسيراميك الذى يتناسب مع شكل الأسقف، ويتميز البيت بنافورة رخامية جميلة كانت تتوسط البيت، إلا أنها دمرت تماما، ويوجد فى الأسفل مدخل الحرملك ولوحة تأسيسية تحوى بيتين من الشعر التركى مكتوبين بماء الذهب، ومكتوب أسفلهما: "أهدى ذلك البيت الخديو إسماعيل لساكنة بك".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تعتبر الأضحية من الشعائر الإسلامية العظيمة التي يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى في عيد الأضحى المبارك. وهي إحياء لسنة...
أنشأته زيبا قادين زوجة محمد على الكبير سنة 1869 م اختيار موقع السبيل فى ميدان رمسيس لم يكن عشوائيا لكن...
النائب أمير الجزار: خطوة مهمة لمواجهة التلاعب ومنح المواطن حرية الاختيار د. بلال شعيب: المنظومة الحالية بوابة رئيسية لتجار السوق...
لا شك أن الصراعات الإقليمية والعالمية أثرت بشكل كبير على سلاسل الإمداد حول العالم خاصة مع توقف الملاحة فى العديد...