البسطاء دفعوا حياتهم ثمنا لتحقيق حلم أداء الفريضة بأقل تكلفة.. / رضا: نصبوا على الناس واستغلوا حبهم للشعائر الدينية / المهدي: المافيا جمعت الملايين على حساب أرواح البسطاء وأحلامهم / زعير: طالبنا بإيقاف "الباركود" فى فترة الحج دون استجابة
رايحة فين يا حاجة يا أم شال قطيفة.. رايحة أزور النبى محمد والكعبة الشريفة" كلمات فلكلورية ودع بها العديد من المصريين ذويهم المتوجهين إلى بيت الله الحرام، بعضهم باع ما وراءه وأمامه، لرؤية نخل مكة العالى والارتواء من بئر زمزم دواء العليل، والوقوف على جبل عرفات ليدعو الله بما يشاء فى يوم مستجاب الدعاء.
بدأت الرحلة بتأشيرة الذهاب دون العودة، إذ فجعت مصر بفقدان عدد كبير من أبنائها فى الأراضى المقدسة حتى أنها حُرمت من حصرهم بدقة، تاركة الحبل على الغارب للروايات غير الرسمية التى تدعى تجاوز عدد المتوفين 500؛ أغلبهم من كبار السن رجالًا ونساءً، فاضت أرواحهم فى محيط جبل عرفات، تاركين خلفهم حملا ثقيلا فى البحث عن المتسبب فى إزهاق أرواحهم وتحويل الشعيرة الإسلامية العظمى إلى كارثة إنسانية.. وهذا ما نسلط الضوء عليه فى السطور التالية، محاولين الوقوف على أسباب الكارثة ومقترحات علاجها، تجنبًا لتكرارها مستقبلًا.
ثقوب منظومة الحج
بدأنا تحقيقنا مع الدكتور وائل زعير، عضو الاتحاد المصرى للغرف السياحية، الذى أوضح أن الحج يتم إما بطريقة شرعية نظامية وفقا للقانون، أو بطريقة السفر إلى المملكة العربية السعودية بتأشيرة غير مخصصة لأداء الحج، ومن ثم التحايل على القوانين والنظام، والهروب عبر الدروب الصحراوية حتى الوصول إلى مكة، وهؤلاء يخدعهم السماسرة والشركات الوهمية بسعر أقل من الحج النظامي.
وأشار زعير إلى أن هذا الشق غير النظامى هو الذى وقع فيه العدد الأكبر من الوفيات، مضيفا: "معظم الوفيات من الصعيد والأقاليم، لأن السمسار أو الوسيط أو الكيانات الوهمية تصل إلى هؤلاء داخل بيوتهم، فهى من تستطيع تجميعهم والاحتيال على المواطن البسيط فى حلمه بالحج بأن توفره له بطريقة غير رسمية عبر تأشيرات الزيارة".
من جانبها، قالت النائبة نورا على رئيسة لجنة السياحة بمجلس النواب: "مشاكل الحج معروفة كل عام، والحج النظامى من 3 جهات هى وزارة الداخلية وشركات السياحة ووزارة التضامن، أما الحج غير النظامى فحدث ولا حرج من السماسرة ومكاتب خدمات الحجاج، وأشخاص فى القرى الصغيرة يستغلون شوق الغلابة للحج".
وأشارت إلى أن اتباع القوانين والأنظمة هدفه التيسير على الحجاج وتوفير الخدمات المطلوبة لهم ومعاقبة المقصرين فى حقهم، متابعة: "قانون بوابة الحج هدفه حماية المواطن المصرى من السرقة والنصب، وينص على أن أى شخص سيسافر إلى الحج يحصل على برنامج لكل شيء فى رحلته، فيذكر اسمه على البوابة وطريق الوصول سواء برى أو عبر المطارات، ومكان الإقامة، والمطوف المسئول عنه، فالشركة توضح كل شيء، وبعد عودة الحاج إلى الوطن إذا تقدم بشكوى يحصل على حقه من الشركة".
سر الباركود
قبل الحج طرحت المملكة السعودية تأشير زيارة للمصريين تُسهل بها دخولهم أراضيها، غير أن السماسرة والمتلاعبين بالمشاعر الدينية، وجدوها فرصة لاستغلال أحلام البسطاء، وجمع الملايين، ووصل الأمر بإحدى شركات السياحة إلى استخراج 10 آلاف "كودٍ" للعمرة، وسفّرَت أصحابها لأداء الحج بالمخالفة للقانون، ولاحقا تم إيقافها و15 شركة أخرى وسحب تراخيصها، لكن بعدما "وقعت الفأس فى الرأس".
والمفاجأة هنا، ما صرح به إيهاب المهدى عضو لجنة تسيير أعمال غرفة السياحة وعضو اللجنة الفنية للحج، قائلًا: "كنا على يقين من وقوع أمر ما منذ سبتمبر الماضي، وكنا دائمى البحث عن ما حدث فى السنوات الماضية محاولين حماية الحجاج النظاميين فى البعثات الرسمية، هذه الأزمة متكررة كل عام بأن تسمح السلطات السعودية للحجاج غير النظاميين بأداء المناسك، ما يُفسد أماكن حجاج السياحة والتضامن والداخلية، وكنا متوقعين حدوث هذا الأمر لكن لم نتوقع وقوع ضحايا ووفيات".
مافيا السوق السوداء
ارتفاع أسعار الحج سمح بوجود باب خلفى للحج المخالف، وهذا ما أوضحه إيهاب المهدى قائلاً: "الحج النظامى يكلف 210 آلاف جنيه، ومكسب شركة السياحة يتراوح بين 10 و15%"، لافتًا إلى أن إجمالى الحجاج النظاميين بلغ 50752 حاجًا، توفى منهم 31 حاجًا، وهذه النسبة هى الأقل على مدى السنوات السابقة، مشيرا فى الوقت نفسه إلى عدم وجود أى بيانات مسجلة للحجاج غير النظاميين لدى البعثة الطبية لذا تعذر متابعة أحوالهم الصحية، وأعداد الوفيات منهم.
وحمّل "المهدي" الكيانات الوهمية التى تمارس عمل الكيانات المرخصة المسئولية عن أرواح الحجاج غير النظاميين، قائلا: "نجابه اقتصادًا موازيًا لسماسرة منتشرين فى كل ربوع مصر، فأسعار هذا النوع من الحج تتراوح بين 100 و170 ألف جنيه، وهو لا يكلف السمسار أكثر من 50 ألف جنيه، فالمكسب فوق 100%، دون دفع ضرائب سنوية، أو ضريبة القيمة المضافة".
وتابع عضو لجنة تسيير أعمال غرفة السياحة: "نحن هنا أمام مافيا، جمعت الملايين على حساب أرواح البسطاء وأحلامهم"، مبينا طريقتهم فى استدراج وإقناع ضحاياهم بقوله: "يتقربون إلى الناس فى القرى، عبر قصص وروايات عن خدماتهم للحجاج فى الأعوام الماضية، وأن ما يقدمونه خدمة لله ولضيوف الرحمن، ويلعبون على النزعة الدينية ووهم الناس بإسكانهم قرب الحرم المكي، وتسهيل الخدمات وتوفير أتوبيسات لهم، وهناك يتركونهم مع الصدمة المُفجعة"، منوهًا إلى أنهم جمعوا معلومات عن السماسرة بالمستندات لإثبات تورطهم فى هذه الكارثة.
ناقوس خطر
كشف المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم مجلس الوزراء، عن جهود البعثة القنصلية والسفارة التى كانت تتحرك على الأراضى السعودية، وأقامت غرف طوارئ بمقر القنصلية المصرية فى جدة، وكذلك أقيمت غرف طوارئ مع القطاع القنصلى فى وزارة الخارجية فى القاهرة.
وعن دور الحكومة فى تعقب المتورطين، قال "الحمصاني" إن خلية الأزمة التى أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسى قرارا بتشكيلها لمتابعة وحل الوضع الخاص بالحجاج المصريين، قررت سحب رخص 16 شركة سياحية وإحالة المسئولين عنها إلى النيابة العامة، وتغريمهم لصالح أسر الضحايا، بعد رصد ضلوع هذه الشركات فى تسفير حجاج بصورة غير نظامية وعدم تقديم أى خدمات للحجاج.
وهنا علق إيهاب المهدى عضو لجنة تسيير أعمال غرفة السياحة وعضو اللجنة الفنية للحج، قائلا إن قرار سحب التراخيص غير كافٍ بالمرة، فلا بد من تنفيذ القانون الذى يراعى عدم تكرار هذه الأزمة مرة أخرى، مشيرا إلى أن عدم ردع المخالفين فى السنوات الماضية جرأ غيرهم على الإقدام على التغرير بحاملى تأشيرات الزيارة وشجعوهم على مخالفة القوانين والأنظمة والتحايل عليها.
واستكمل "المهدي": "الأزمة أنه يوجد 35 ألف كيان غير مرخص تحت مسمى شركة رحلات يتم تسجيلها فى الغرفة التجارية، يجب ردع كل من يمارس مهنة دون ترخيص، والقانون لا يحتاج إلى تعديل بقدر الاحتياج إلى تنفيذه، لحماية البسطاء من السماسرة المنتشرين فى الأحياء والأقاليم، إذ ينص على سجن الممارسين لهذه المهنة دون تصريح وغرامة مليون جنيه، وإلى الآن لم نرَ تطبيقه على المخالفين".
وعلى هذا الصعيد، رأى الدكتور وائل زعير، عضو الاتحاد المصرى للغرف السياحية إمكانية القضاء على السماسرة والكيانات الوهمية التى تشوه سمعة الدولة المصرية وتضر بالمواطن، قائلا: "الكيانات الوهمية تنشر إعلاناتها على السوشيال ميديا ويمكن الوصول إليهم بسهولة، ولدينا ملف بعناوين ومقرات وتليفونات هؤلاء وقدمناها للجهات الإدارية وشرطة السياحة، فحاليا إذا أغلقنا هذه الأماكن عبر شرطة السياحة، ورصدنا هؤلاء بشكل دقيق عبر مباحث الإنترنت، يمكننا القضاء على هذه الكيانات الوهمية".
وفى هذا الصدد، أكد المتحدث باسم مجلس الوزراء أنه فى حال ثبوت ضلوع أى شركة أخرى فى هذا الأمر سيتم اتخاذ الإجراءات القانونية ضدها، لافتًا إلى توصيات لجنة الأزمة باتخاذ عدد من الإجراءات لمحاسبة الشركات المخالفة وتوقيع غرامات عليها، ومساعدة الأسر فى البحث عن ذويهم، والتنسيق بين وزارة الصحة المصرية ونظيرتها السعودية للبحث عن المفقودين، مردفا: "لا يزال التواصل مع الجانب السعودى مستمرا بشأن العثور على أى مفقودين أو فى حالة الوفاة لإبلاغ ذوى الحجاج".
وبشأن المقترحات لعدم تكرار الفاجعة مرة أخرى، أوضح "الحمصاني" أن خلية الأزمة وجهت بالنظر فى الإجراءات سواء قبل أو أثناء موسم الحج منعا لتكدس الحجاج غير الرسميين داخل المملكة، وأن وزارة السياحة والآثار ستراجع تأشيرات الدخول للأراضى السعودية، والتأكد من إصدار الباركود من خلال شركات السياحة، من عدمه، وفى حال عدم التزام أى شركة بتلك الإجراءات الملزمة سيتم محاسبتها.
وشدد المتحدث باسم مجلس الوزراء على أن من أهم التوصيات التى خرجت بها خلية الأزمة قيام وزارة السياحة والآثار بدراسة تعديل بعض مواد قانون شركات السياحة رقم 38 لسنة 1977، بهدف تشديد الضوابط الخاصة بإجراءات شركات السياحة.
فخ التدين المزيف
بدوره، حذر الدكتور أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، المواطنين من الإثم ومخالفة الشرع الحنيف بالحج من دون تصريح، مبينا أن قوانين الحج وضعت للحفاظ على أرواح الناس وسلامتهم مع توفير أكبر قدر ممكن من الخدمات والأمن والسلامة لهم، مضيفا: "الشريعة الإسلامية جعلت التنظيم العام بيد ولى الأمر، لأنه الذى يملك القدرة على استشراف المصالح والمفاسد والموازنة بينها".
من ناحيته، أكد الشيخ إبراهيم رضا أحد علماء الأزهر الشريف أن الحج فريضة مقترنة بالاستطاعة، مبديا استغرابه ممن يقول إنه يريد أن يسقط عن نفسه فريضة الحج، بالتحايل والتلاعب بالقانون ويكون فقيرًا غير مستطيع ماديا أو صحيا، مبينا أن هذا الشخص "ليس عليه فريضة أصلا ليسقطها، لأن الحج فريضة على الغنى القادر المستطيع ماديا وبدنيا"، وحذر "رضا" من التدين المزيف، والخطاب الدينى المتشدد، ومن ينصبون على الناس ويستغلون حبهم للشعائر الإسلامية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"فشر الكلب هول". ترفض الذائقة الشعبية التشبيه بالكلب، والراسخ فى المعتقد هو الحط من قدر الشخص وتوجيه أبشع الإهانات له...
خطوة لتحويل القاهرة التاريخية إلى متحف مفتوح تأهيل المسار العلوى للمجرى المائى وتز ويد امتداد السور بأحدث تقنيات الإضاءة
ابن الأقصر عمل سائق ميكروباص لينفق على تعليمه
من الشاشات الرقمية إلى قفص الاتهام.. كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل مسرح الجريمة والأدلة فى مصر؟