ولد بالمغرب وعاش بتونس وتوفى في وادى «حميثرا» بمصر
اختص الله مصر بالعديد من الكرامات، وفى مقدمتها أنها كانت قبلة للأنبياء على مر الزمان، فضلا عن الصالحين الذين جاءوا إليها أو نشأوا فيها، فثرى مصر يوارى أجساد 70 من آل البيت، منتشرين فى مختلف ربوع مصر، بالإضافة إلى عشرات المقامات لأولياء الله الصالحين، فيما يسمى بـ "بقيع مصر"، سواء فى سفح جبل المقطم أو البهنسا أو غيرهما من الأماكن؛ وفى هذه السلسلة نعرض لحياة أشهر هؤلاء الأولياء الصالحين، آملين فى تقديم كل ولى بصورة صحيحة ومعتدلة ودون تقصير أو إفراط. وحلقة هذا الأسبوع تتناول حيــاة الشــــيخ الإمـــــام "تقى الدين أبو الحسن على بن عبد الجبار بن يوسف" الشهير بـ "أبو الحسن الشاذلى"، هو الشيخ الإمام حجة الصوفية وعلم المهتدين وزين العارفين أستاذ الأكابر والمنفرد فى زمانه بالمعارف السنية والمفاخر، العالم بالله والدال على الله، زمزم الأسرار ومعدن الأنوار، القطب الغوث الجامع قطب الأقطاب وكهف أمن الطلاب، هو من اختار الحب طريقًا لمعرفة الله والوصول إليه بدلًا من طريق المجاهدة الذى انتشر قبله.
يمتلك "أبو الحسن الشاذلى" علوما غزيرة لم يختلف فيها عارف بصير، فهو شيخ أشهر طريقة صوفية فى مصر والعالم العربى، ووصلت هذه الطريقة إلى مختلف دول العالم، واستمدت تعاليمها وأورادها وأذكارها من القرآن الكريم والسنة النبوية. والبداية مع الشيخ أبو الحسن الشاذلى كانت عندما دعانى أحد الأصدقاء لصحبته فى زيارة إلى مقامه ومسجده فى وادى حميثرا على بعد ١٨٠ كيلو من مدينة إدفو فى محافظة أسوان، ورغم طول الطريق الذى يصل إلى ٩٠٠ كيلو، إلا أننا لم نشعر بتعب أو معاناة، وكانت رحلة هادئة رزقنا الله فيها طاقة وسكينة إلى أن وصلنا إلى وادى حميثرا وزادت الطاقة وتضاعفت السكينة، هو مكان تشعر أنه بكر لم تلوثه حتى الآن التكنولوجيا، والناس جميعًا يتعاملون بسماحة ولطف وبساطة.
من هذا الولى النادر الذى يأتيه الزوار من كل بقاع الدنيا؟ على اختلاف ألوانهم وجنسياتهم، ويبذلون فى سبيل ذلك الكثير من الوقت والجهد والمال، أثناء تواجدنا بالمقام، رأينا وفدا مكونا من ٢٥ زائرًا أغلبهم من النساء ومن جنسيات مختلفة، حتى أن كثيرين منهم أتوا من استراليا، واستغرقت رحلتهم ساعات طيران طويلة، وما أن دخلوا إلى المقام صاروا فرحين مهللين وقاموا بصلاة ركعتين، ثم بدأوا فى الوقوف إلى جوار المقام يقرؤون الفاتحة ويدعون بما أفاض الله عليهم، وكانت دموعهم تسبق دعاءهم. أى حال بين هذا الرجل وبين الله ليصل إلى هذه الدرجة من القرب والمحبة؟، حتى أن الشيخ الدكتور "عبد الحليم محمود" شيخ الجامع الأزهر قال إنه عندما دخل الشيخ "أبو الحسن الشاذلى" إلى المدينة المنورة زادها الله نورًا على نورها، لكن ينكر البعض على "الشاذلى" الحديث مع الله، يقولون إنه لا أحد يتحدث مع الله ولا يكلم الله أحدًا، ويطالبون بعدم رفع أى إنسان شيخًا كان أو وليًا إلى هذه الدرجة، ويقصرون هذا الحق على سيدنا موسى "كليم الله"، متناسين بذلك قول الحق فى القرآن الكريم: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب"، أى أن هناك بشرا يستطيعون أن يصلوا إلى الله ويحدثهم ويحدثونه، بالإضافة إلى غير ذلك من الأحاديث التى تتحدث عن أن العبد إذا أطاع الله وعبده حق العبادة كان عبدا ربانيا يقول للشىء كن فيكون.
لم يشتغل "أبو الحسن الشاذلى" ابن قرية غمارة بالمغرب الذى عاش فى قرية شاذلة – التى نسب إليها- فى تونس بتأليف الكتب أو المؤلفات، إنما ترك لنا رصيدا كبيرا من الأحزاب والأدعية التى تفيض بوحدانية الله وأسراره فى الخلق وقدراته وتفرده، فله العديد من الأوراد والأحزاب، مثل حزب البحر، اللطف، الرزق، الإخفاء، الآيات، والمجاهدة، وغيرها من الأحزاب الأخرى التى تغطى الكثير من الموضوعات والرغبات الإنسانية فى مختلف مناحى الحياة.
نشأ الشـــيخ الشـــــــاذلى وتعلـــــم على يد الشـيخ "ابن مشيش" صاحب الصلاة المشيشية، وهو من أعلام بلاده والعالم العربى قاطبة، وأوصاه "ابن مشيش" بعدة وصايا، منها: "يا على.. ليكن هروبك من خير الناس أكثر من هروبك من شرهم، لأن خيرهم يصيبك فى قلبك، وشرهم يصيبك فى بدنك، ولأن تصاب فى بدنك خير من أن تصاب فى قلبك، يا على: الله الله، والناس الناس، نزه لسانك عن ذكرهم، وقلبك عــــن التماثيل من قلبهم، وعليك بحفظ الجوارح، وأداء الفرائض، وقد تمت ولاية الله عليك، ولا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقل: اللهـم اغننى بخيرك عن خيرهم، وقنى شرهم، وتولنى بالخصوصية من بينهم، إنــــك على كل شىء قدير، وخف من الله خوفا تأمن به من كل شيء، وأحذر قلبك أن يأمن من اللــه فى كل شيء، فلا معنى للخوف من شيء، ولا للأمن من الله تعالى فى شىء وحده، وانظر ببصر إيمانك تجد الله فى كل شىء، وعند كل شيء، ومــــــــع كل شىء، وتحت كل شىء، وفوق كل شىء، وقريبا من كل شيء، ومحيطا بكل شيء بقرب هو وصفه وبإحاطة هى نعته، وعد عن الظرفية والحدود، وعـــن الأماكن والجهات، وعن الصحبة والقرب من المسافات، وعن الدور بالمخلوقات، وامحق الكل بوصفه: الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو هو هو، كان الله ولا شىء معه، وهو الآن على ما عليه كان، والزم الطهارة من الشكوك كلما أحدثت تطهرت، ومن دنس الدنيا كلما ملت إلى شهوة أصلحت بالتوبة ما أفسدت بالهوى، وعليك بمحبة الله على التوقير والنزاهة"، وأوصاه ابن مشيش أيضا: "يا أبا الحسن لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو الله ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبا من معصية الله ولا تصحب إلا من تستعين به على طاعة الله".
قالوا عن الشيخ:
كان من دعاء الشيخ أبو الحسن الشاذلى رضى الله عنه: "اللهم من سبق له الشقاء منك فلا يصل إلينا ومن وصل إلى أكون له شفيعا يوم القيامة، اللهم لا تبعث إلينا من حكمت بشقائه"، وقال ذات مرة: "سألنى أستاذى (أى سيدى عبد السلام رضى الله عنه) بماذا تلقى الله تعالى فقلت بفقرى فقال: والله لئن لقيت الله بفقرك لتلقينه بالصنم الأعظم. قال سيدى ابن عجيبة: إنما يلقى الله به لا بشىء سواه".
وفى مرة قال له رجل يا سيدى وظف على وظائف وأورادا أعمل بها فقال له: "أرسول أنا؟، الفرائض مشهورة والمحرمات معلومة، فكن للفرائض حافظا وللمعاصى رافضا، واحفظ قلبك من حب الدنيا وحب النساء وحب الجاه".
قال الشيخ "محمد بن على القشيرى" رحمه الله: "ما رأيت أعرف بالله من الشيخ أبو الحسن الشاذلى"، وقال الشيخ "مكين الدين الأسمر": "حضرت لقاء جمع العديد من العلماء وفى مقدمتهم أبو الحسن الشاذلى الذى كان صامتًا طيلة الوقت وطلبوا منه أن يتحدث فتكلم بالأسرار العجيبة والعلوم الغريبة".
كان الشيخ "أبو الحسن الشاذلى" يؤدى فريضة الحج فى كل عام إلا العام الذى توفى فيه، وكان ذلك فى رمضان من عام ٦٥٦ هجرية، حيث قال لمريده الشيخ "أبى العباس المرسى" خذ فأسًا ومقطفا وحنوطا، فلما سأله لماذا قال: "فى حميثرا سوف ترى"، وتوضأ شيخنا وصلى لله ركعتين فقبضه الله وهو ساجد فى آخر سجدة، ودفن حيث مقامه ومسجده فى حميثرا بصحراء عيذاب بالقرب من البحر الأحمر.
رحم الله سيدنا "أبا الحسن الشاذلى" ونفعنا بعلمه وجمعنا به على خير.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
استغلال المرأة العاملة يؤدى للجريمة والانحراف ويهدد استقرار المجتمع بأكمله عضو لجنة الفتوى: شرط مساهمة المرأة فى أعباء الحياة باطل...
أطاحت بوزراء ورموا بها «العندليب » فى أول ظهور له
تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل
الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...