125 عامًا على ميلاد أينشتاين المصرى خالد العلم.. مصطفى مشرفة

فى 11 يوليو الجارى تحل الذكرى 125 على ميلاد عالم الفيزياء المصرى الدكتور على مصطفى مشرفة، وهو واحد من أهم العلماء فى مجال الرياضيات التطبيقية وفيزياء الكم؛ تناولت أبحاثه حركة الإلكترون كظاهرة موجية، وتأثير المجال الكهربائى والمجال المغناطيسى على ذرات المادة، والمفهوم المزدوج للمادة والإشعاع، وكانت كل تلك الأبحاث بمثابة تمهيد لبحثه الشهير "هل يمكن اعتبار المادة والإشعاع هيئتين لحالة كونية واحدة"؛ مضيفا إلى نظرية العالم الشهير ألبرت أينشتاين إضافات قيمة؛ تفيد بأن المادة والإشعاع صورتان لشيء واحد"، وبعد انشطار الذرة  عام 1939 أثبتت التجارب صدق ما توصل إليه د. مشرفة رياضيا من قبل، وقد أشاد بإسهاماته أبرز من عملوا فى هذا المجال، وعلى رأسهم ألبرت أينشتاين، وقد كان "مشرفة" واحدا من عشرة علماء أحاطوا بنظرية النسبية فى العالم كله.

قدم "مشرفة" إسهاماته فى عصر كانت فيه مصر ترزح تحت أغلال الفقر والجهل إبان الاحتلال الإنجليزي، وقد عانى كثيرًا خلال مسيرته، وليس أقل من الإشارة إلى أنه عاش سنوات يعانى الظلم والتهميش بسبب اعتداده بنفسه وآرائه؛ ومنها "أن تكون الجامعة والهيئات العلمية مستقلة، لا سلطان عليها من جانب مسئول أو وزير؛ فالعلم لا يتطور إلا فى جو من الحرية والاستقلال"، وقد اتخذ "السراى" موقفا متشددا منه، لكنه اضطر لمنحه لقب "باشا" عندما زار الملك عبد العزيز آل سعود عاهل السعودية الجامعة المصرية، ولم يسعد مشرفة بهذا اللقب، ولم يتقدم للسراى بالشكر على الإنعام الملكي، فغضب عليه الملك فاروق، وظل واقفا له بالمرصاد؛ فعندما اختارته الحكومة الأمريكية عضوا فى اللجنة الدولية للأبحاث الذرية، وكانت تضم أبرز علماء الرياضيات فى العالم، ومنهم الأعمدة الثلاثة فى مشروع "منهاتن" للذرة، ووافق مجلس الوزراء المصرى على انتداب "مشرفة" أستاذا زائرا بجامعة "برنستون" لإلقاء سلسلة محاضرات عن الذرة، لكن بينما تقلع الطائرة ألغى الملك فاروق القرار.

عرف "مشرفة" سر تفتت الذرة لكنه رفض استخدامها فى صناعة أسلحة وقنابل تفتك بالبشرية، رفض توظيفها فيما لا يخدم الإنسانية، كما كان  صاحب نظرة مستقبلية؛ إذ طالب مبكرًا بمشروع لاستغلال "الطاقة الشمسية"، وبوفاته فى سنة 1950 فقد العلم إمامًا من أئمته، وعالمًا رفع شأن  العلماء، وفقدت مصر علما من أعلام نهضتها العلمية وابنًا بارًا لها؛ حتى أن أينشتاين عندما سمع نبأ وفاته قال: "لا تقولوا إن مشرفة قد مات، إنها خسارة كبيرة.. إننا محتاجون إليه". وأصدر د. طه حسين وزير المعارف وقتئذ بيانا قال فيه: أمثال مشرفة من النابغين النابهين الذين يرفعون ذكر أوطانهم والذين يضيفون إلى الكنوز الإنسانية فى العلم والمعرفة".

كانت حياة "مشرفة" حياة نبوغ؛ درس وبحث وقرأ وتعلم وسافر واتصل بالهيئات الدولية بالخارج فتكونت شخصية العالم، وقد صنع لنا تاريخا عظيما، وليس أقل من أن نخلد ذكراه ونهتم بتاريخه مثلما تهتم الدول الأخرى بتراث علمائها وإنجازاتهم، وتحيى ذكراهم بتعظيم العلم؛ وإنشاء مؤسسات بأسمائهم، ونشر مؤلفاتهم على نطاق واسع، فعالمنا الجليل مصطفى مشرفة لا يقل أهمية عن أينشتاين، وإديسون، وبيل، وموريس، وماركونى، ونيوتن، وبيرد، وغيرهم ممن أفادوا الإنسانية بمنجزاتهم العلمية.

وفى مناسبة ذكرى ميلاده الـ 125 تدخل مجلة "الإذاعة والتليفزيون" عالمه الفسيح، وتحقق فيما تبقى من تراثه وكيفية التعامل فيه، وتدعو الهيئات العلمية والتعليمية والثقافية لإحياء ذلك التراث، وتطلق مناشدة لرفع الظلم عنه.

ابنته «سلوى» تكشــف أسراراً جديدة فى ذكرى ميلاده

التاريخ العائلــــــــى لصاحب المذهب الخامس

كان حافظاً للقرآن والإنجيل والتوراة.. وعازفاً ماهراً على البيانو والكمان

ارتبط بـ «دولت حسن بك زايد» فى حديقة الشاى بجنينة الحيوان

«مشرفة» هو من أدخل «الربع تون» على البيانو لعزف الموسيقى الشرقية

أبحاثه بكلية العلوم مفقودة.. ومكتبة الإسكندرية أهملت مقتنياته

نشــر حوالى 12 كتابا علمـيا ترجمة كتبـه حول نظرية النسبية إلى 4 لغات

الدكتور "مشرفة لم يكن عالما فقط، بل كان أديبا وناقدا اجتماعيا وخطيبا مفوهاً، وقبل كل ذلك كان أباً استثنائياً، وهذا ما سنعرفه من أبنته الدكتورة "سلوى" أستاذ كيمياء النبات بالمركز القومى للبحوث؛ حيث شاركتنا صغرى بنات العالم الراحل الكبير ذكرياتها عنه فى ذكرى ميلاده الـ 125 حيث ولد فى شهر يوليو 1898، متحدثة عن جوانب إنسانية شديدة الرهافة والثراء فى حياة والدها الراحل، وكشفت "سلوى" أسرارا جديدة عن علاقة والدها بـ "ألبرت أينشتاين"، وعن سر خلافه مع الملك فاروق، وعن حقيقة اغتيال الموساد له. 

حدثينا عن والدك "على مصطفى مشرفة".

ولد "على السيد مصطفى عطية أحمد جعفر مشرفة" فى 11 يوليو 1898 بمدينة دمياط بقرية المظلوم، علمه والده على يديه الكثير من العلوم حتى وصل إلى السنة الثالثة، بعد ذلك ألحقه بمدرسة "أحمد الكتبى" بدمياط، لم يكن مثل أقرانه يحب اللهو واللعب بل كان مختلفا لا يختلط بهم، إلا أنه عندما أنشئت فرقة التمثيل من الطلبة بدمياط انضم إليها؛ وكان والده ثريا، وفى عام 1907 خسر أملاكه فى بورصة القطن؛ فكان يملك 200 فدان بعد الأزمة أصبحوا 83 فدانا و20 قيراطا، وتوفى عام 1910، كان وقتها الابن الكبير "على" الذى يبلغ من العمر 11 عاما فقط، يستعد للحصول على الشهادة الابتدائية، لكن هذه الظروف لم تمنعه من التفوق وكان الأول على الجمهورية فى 8 يناير 1910، تزوجت والدته السيدة "رئيفة بنت أوجا بك بنت فاطمة العزبية" من رجل آخر ، وأصبح (على) فى هذه السن المبكرة العائل الوحيد لأربعة من أشقائه التفوا حول بعضهم البعض، وقاد والدى السفينة التى انتهت رحلتها بتخرج 3 دكاترة أولاد وبنت تزوجت من تاجر، فقام بحمل المسئولية ورعاية إخوته وأسرته، وكانت أسرة متكاتفة وبينهم ترابط قوى، لم يكن فى دمياط مدرسة ثانوية، فانتقل إلى مدرسة العباسية بالإسكندرية بالقسم الداخلى بالمجان لتفوقه، وتوفيت والدته عام 1916 وعمره وقتها 17 عاما، فانتقلت الأسرة إلى القاهرة مع جدتهم لأمهم "فاطمة العزبية" وأقاموا فى حى محيى بك بعابدين، والتحق بمدرسة السعيدية وبها ظهر نبوغه فى كل المواد، الأمر الذى جعل مدرس اللغة العربية "الشيخ المرصفى" يناديه (يا سيد) لنبوغه، حصل على شهادة الثانوية قسم أول (الكفاءة) عام 1912، وعلى القسم الثانى (البكالوريا) عام 1914 وكان عمره وقتها 16 عاما، والتحق بمدرسة المعلمين العليا، والتى اختارها حسب رغبته رغم أن تفوقه كان يؤهله للاتحاق بكلية الطب أو الهندسة، وتخرج فيها عام 1917، اختارته وزارة المعارف لبعثة علمية لأول مرة إلى إنجلترا بعد تخرجه، وقبل أن يسافر قرر الاطمئنان على أشقائه فزوج شقيقته من أحد تجار المانيفاتورة "محمد أحمد الجندى"، وألحق أشقائه "عطية وحسن" بمدرسة الزقازيق الابتدائية بالقسم الداخلى، وشقيقه مصطفى (بمدرسة المساعى المشكورة) الثانوية بشبين الكوم بالقسم الداخلى.

وفى عام 1917 سافر والتحق بكلية "نوتنجهام" إلى 1920 للحصول على درجة البكالوريوس فى الرياضة، ثم سافر إلى كلية الملك بلندن، حيث حصل منها على الدكتوراه فى الفلسفة عام 1923، كما حصل مشرفة على دكتوراه فى العلوم من الجامعة نفسها عام 1924 ليصبح بذلك أول عربى يحصل على الدكتوراه فى العلوم، عاد مشرفة إلى مصر عام 1925 وعين أستاذا مساعدا للرياضة التطبيقية بكلية العلوم بجامعة فؤاد الأول، وفى عام 1926 تم منحه درجة أستاذ وبعدها بنحو 10 سنوات اختير عميدا للكلية وانتخب للعمادة أربع مرات متتاليات، كما انتخب فى ديسمبر 1945 وكيلا للجامعة، وعين أستاذا زائرا لجامعة برنستون الأمريكية عام1974.

 لماذا أطلقوا على جدك "مصطفى" لقب "صاحب المذهب الخامس"؟

نشأ وتربى والدى "على" فى أجواء دينية؛ فعائلته عرف عنها العلم والتقوى وبعضهم تولى الإفتاء والقضاء، وكذلك أشقاؤه مصطفى وعطية وحسن ونفيسة، فوالده كان من المتمكنين فى علوم الدين، وكان يجتمع خلف حديقة ضريح الشيخ مظلوم مع أهل الدين والعلم والأدب وتقام به الندوات والمناقشات لأفضل العلماء، وكان من مدرسة "جمال الدين الأفغانى والإمام محمد عبده، وله أتباع ومريدون، لذا أطلق عليه صاحب المذهب الخامس، لذلك تعلموا من والدهم حب الخير والخلق الكريم وصلابة الإرادة، وحب الكفاح والتمسك بالدين والخلق.

 كم كانت أعمار أشقائك عندما توفى والدك؟

كان مصطفى شقيقى 14 عاما وكان بالسنة الرابعة بمدرسة مصر الجديدة، واختير مصطفى بعد تخرجه فى كلية الهندسة جامعة القاهرة فى عام 1959 لبعثة تصميم وصناعة الأجهزة العلمية المقررة للمركز القومى للبحوث بأمريكا، ونال فى أغسطس 1961 الماجستير بدرجة امتياز، وفى عام  1964 حصل على الدكتوراه من جامعة "منسوتا"، واخترع جهازا يطيل عمر بطارية جهاز تنظيم دقات القلب التى كانت تتغير كل عام، وبفضل اختراعه كان الجهاز يعيش طوال عمر المريض الذى قام بتركيبه، وتوفى عام 1992ولديه ثلاث أبناء، الكبرى نيفين، وهى مهندسة، ولديه ولدين "على وتامر" والاثنان اطباء جراحة تجميل بأمريكا، أما شقيقتى نادية فقد كان عمرها 10 سنوات وكانت تدرس بمدرسة الليسيه الفرنسية بمصر الجديدة وهى خريجة ليسانس أداب قسم إنجليزى، وتخرجت فى جامعة القاهرة عام 1960 ولها ابنتان، الأولى شريفة خريجة كلية العلوم والثانية شهيرة  خريجة أداب، وتوفيت شقيقتى فى عام 2006، وكان عمرى وقتها سنتين ونصف السنة، وحصلت على الدكتوراة من جامعة القاهرة كلية العلوم فى كيمياء النبات عام 1990، ولدى من الابناء الكبرى "نيفين" مهندسة و"محمود" مهندس أيضاً.

 حدثينا عن صفات والدك العالم الكبير كأب؟

كان رقيقا مع البنات أكثر من الأولاد، لأنه كان يؤمن بأن الشدة تخلق الرجال، فقد سمعت من أمى أن أخى "مصطفى" كان يعاقب عندما تخطئ أختى "نادية"، ولما كان يتسع له بعض الوقت كان يجلس مع أشقائى يتحدثون عن النجوم فى السماء وعن الفضاء وكل الأحاديث العلمية لكى يستفيدوا، وتعلمنا منه حب النظام والكفاح، وورثنا  منه حب العلم، كما علمنا حب الموسيقى، وكان يحضر لنا معلماً فى المنزل فكلنا نجيد العزف على البيانو والكمان باحترافية، كما كان دقيقا جدا فى عمله وفى البيت، وكان بيتنا يسير وفق نظام شديد فى كل شىء من خلال مواعيد محدد، وكنا نسكن بفيلا بمصر الجديدة، والدى كان حافظا للقرآن الكريم وللإنجيل وللتوراة، ويدخل فى مناظرات كثيرة فى هذا، إلى جانب حبه الشديد للرياضة خاصة لعبة التنس، وكان بفيلتنا بمصر الجديدة ملعب للتنس. 

 وماذا عن الموسيقى؟

كان اهتمامه شديدا بالموسيقى؛ حيث كان عازفا ماهرا للبيانو وآلة الكمان، ويعشق الطرب وله صوت حلو ويحب الأغانى الكلاسيكية، وهو الذى أنشأ قسم الصوت فى كلية العلوم للارتقاء بالموسيقى، وأدخل "الربع تون" على البيانو لعزف الموسيقى الشرقية، كما ألف جمعية هواة الموسيقى لترجمة الأوبرات الأجنبية إلى العربية عام 1945، و كان يحيى الحفلات التى كان يقيمها فى المنزل ويستضيف فيها الأساتذة والطلبة والسياسيين، كما كان محبا للأدب إلى جوار حبه للموسيقى؛ فقد ترجم العديد من الشعر من الإنجليزية إلى العربية.

 ومن هم أقرب الأصدقاء إليه؟

كان له أصدقاء كثيرون من السياسيين أمثال مكرم عبيد والنقراشى باشا وأحمد ماهر، وكان يحب الأدب وكانت لغته أدبية حتى إنه كتب يومياته وهو فى الخارج بطريقة أدبية رائعة، وكان من جيراننا بمصر الجديدة صديقه المقرب الأديب "طه حسين"، وكان صديقه المقرب أيضا الموسيقار "محمد عبدالوهاب".

 وكيف تعرف على رفيقة دربه؟

ارتبط أبى بأمى "دولت" ابنة "حسن بك زايد" بشكل غير تقليدى، فقد طلب أن يقابلها قبل الزواج فى وقت كان ممنوعا فيه ذلك، وبالفعل قابلها فى حديقة الشاى بحديقة الحيوان.

 طلب "ألبرت أينشتاين" مقابلة والدك الدكتور مشرفة، لكنها مقابلة لم تتم.. حدثينا عن هذه الواقعة.

والدى كان لديه مراسلات مع "ألبرت آينشتاين" شخصيا، وطلب مقابلة والدى فى أمريكا، لكن الملك فاروق رفض، لدرجة أنه منع أن تصل أى نقود له، الأمر الذى جعل والدتى- بالاشتراك مع شقيقة "مكرم عبيد"- تلجأ لتهريب نقود لوالدى فى "الفورير" الخاص بها، ولم يتمكن من السفر إليه بأمريكا، ووقتها حزن على ذلك حزنا شديدا، وعندما علم "ألبرت" بوفاة والدى قال عنه: "أعرب عن أسفى لوفاة مشرفة، وأعزى العالم فى تلك الخسارة العلمية الكبيرة" وأكد أينشتاين على أن اسم والدى وإنجازاته لن تنسى أبدا، وقال: "لا أصدق أن مشرفة قد مات، إنه مازال حيا بيننا من خلال أبحاثه، فنحن فى حاجة إلى مواهبه، بل هو خسارة كبيرة. كان عبقريا، وكنت متابعا لأبحاثه فى مجال الطاقة الذرية، وبالتأكيد فهو واحد من أفضل العلماء فى الفيزياء".

من هم تلاميذ الدكتور مشرفة؟

كان من تلاميذه, فهمى إبراهيم ميخائيل، ومحمد مرسى أحمد،  وعطية عاشور، وعفاف صبرى، ومحمود الشربينى، ومحمد جمال الفندى، وسميرة موسى التى كانت مساعدته وتوفيت فى سن الشباب فى حادث سيارة، وكانت تدرس سر القنبلة الذرية.

 وماذا تعلموا منه؟

كان يغرس فى تلاميذه فكرة الإطلاع والسعى وراء الحقيقة، وكان يقول "خير للكلية أن تخرج عالما واحدا كاملا من أن تخرج كثيرين من أنصاف العلماء"، فقد كان والدى يؤمن بأن العلم فى خدمة الإنسان دائما، وأن خير وسيلة لاتقاء العدوان أن تكون قادرا على رده بمثله، فالمقدرة العلمية والفنية صارتا كل شىء، وكان يؤمن أنه بغير العلم لا نستطيع المحافظة على اقتصادنا أو زراعتنا أو صناعتنا أو حتى صحتنا، وكان دائماً يريد تبسيط العلوم العامة، وكان يقول دائما إنه يجب على الدولة أن تجعل العلماء أحرارا فى حكمهم على الأمور.

 حدثينا عن "نظرية مشرفة" العلمية التى اقترنت باسمه؟

هو أول من قال إن المادة والإشعاع يمكن اعتبارهما صورتين لشىء واحد ويتحول أحدهما للآخر، أى أن المادة يمكن أن تتحول إلى شعاع، وقد اقترنت باسمه هذه النظرية ومهدت الطريق أمام العالم ليحول المواد الذرية إلى إشعاعات، وكذالك هو أول من قام ببحوث علمية حول إيجاد مقياس للفراغ.

 كيف كان استقبال والدك للقب الباشوية الذى منحه إياه الملك فاروق؟

رتبة الباشوية، ولم يكن أبى يحب لقب باشا، وكان يقول: يكفينى لقب الدكتور مشرفة، لذلك لم يذهب ليشكر الملك فاروق، وكان هذا سبب توتر العلاقة بينهما، لدرجة أنه عندما أخذ الباشوية كان وكيلا للجامعة، الملك غضب عليه فأرجعه من وكيل للجامعة إلى عميد كلية العلوم.

 أثرى الدكتور على مصطفى مشرفة الحياة العلمية المصرية بالكثير من المؤلفات.. هل يمكن أن تذكرى بعضاً منها؟

نشر أبى حوالى 12 كتابا علميا حول النسبية والرياضيات، منهم كتاب الميكانيكا العلمية والنظرية عام 1937، والهندسة الوصفية عام 1937، ومطالعات علمية عام 1943، والنظرية النسبية الخاصة عام 1943، والهندسة المستوية والفراغية عام 1944، وحساب المثلثات المستوية عام 1944، والذرة والقنابل الذرية عام 1945، ونحن والعلم عام 1945، والعلم والحياة عام 1946، والهندسة وحساب المثلثات عام 1947، كما تمت ترجمة كتبه حول نظرية النسبية إلى لغات مثل الألمانية والإنجليزية والفرنسية والبولندية، بالإضافة إلى قيامه بترجمة 10 كتب فى علم الفلك والرياضيات إلى اللغة العربية، بالإضافة لاهتمامات أدبية وفلسفية حيث كتب ما يقرب من 30 مقالا و35 بحثا علميا.

 كتب والدك فى مجلتنا "الراديو المصرى" عام 1945 مجموعة من المقالات بعنوان العلم والدين، العلم والأخلاق، العلم والسياسة، العلم والمال، والعلم والصناعة.. فما رأيك فيها؟

فى الحقيقة أنا قرأت هذه المقالات ووجدت أنه نزل فيها إلى مستوى القارئ العادى، حيث شرح فيها الألغاز العلمية المعقدة ببساطة ووضوح حتى يفهمها جميع الناس، حتى من غير المتخصصين، لأنه كان يؤمن بأهمية دور العلم فى تقدم الأمم، وذلك بانتشاره بين جميع طوائف الشعب؛ حتى وإن لم يتخصصوا به، لذلك كان اهتمامه منصبا على وضع كتب تلخص وتشرح مبادئ تلك العلوم المعقدة للمواطن العادى البسيط، كى يتمكن من فهمها والتحاور فيها مثل أى من المواضيع الأخرى، وكان يذكر ذلك باستمرار فى مقدمات كتبه، وأنا سعيدة بإعادة نشر هذه المقالات على صفحات مجلة "الإذاعة والتليفزيون" فى مناسبة الاحتفال بذكرى ميلاد والدى الـ125. 

 هل صحيح أنه تنبأ بموته؟

هذا حقيقى، لقد تنبأ بموته قبلها بسنتين ونصف السنة، فقد قال لوالدتى عند ولادتى: "البنت دى مسكينة مش هاعيش عشان أربيها"، لذلك كان يدللنى وكنت أنا الوحيدة المسموح لى بدخول مكتبه أثناء عمله.

 وماذا عن ظروف وفاته؟ وهل صحيح أن الموساد سبب اغتياله؟

توفى والدى فى يوم 15 يناير عام 1950 عن عمر يناهز 52 عاما، مات على سريره؛ ففى الساعة الثامنة قام من نومه فى حجرته التى كانت تقع بالدور الثانى من منزله وكعادته كان يدخل الحمام، ثم عاد لحجرته ليشرب فنجان الشاى ويرتدى الملابس الرسمية ليحضر حفل افتتاح البرلمان، ولكنه شعر فجأة بدوار ووقتها كنا نتناول طعام الإفطار فى غرفة الطعام بالدور الأول من المنزل، وفجأة رن جرس طويل ولما صعدت وجدته فى غيبوبة الموت، ومات حوالى الساعة التاسعة، لكن دون ألم كما يشاع، فكل من كان فى البيت أشخاص محل ثقتنا، عرفت هذا من أمى،  لكن الغريب  أنه قال لأمى إننى أعمل حاليا أبحاثا ستخلد اسمى طوال العمر، لكن عمى الدكتور "عطية" نفى أن يكون سبب الوفاة غير طبيعية.. وصلى عليه بجامع الكيخيا، وشيع جثمانة العديد من أساتذة الجامعة والطلاب مرتديين أروابهم الجامعية، وفضيلة شيخ الجامع الأزهر والدكتور على ماهر والدكتور بهى الدين بركات وإسماعيل الإزهرى رئيس مجلس السيادة السودانى.

 وكيف تقضى الدكتورة "سلوى" يومها؟

أنا أستاذ متفرغ بكلية العلوم جامعة القاهرة، وأذهب يومين فى الأسبوع إلى الجامعة، أما الإجازة الأسبوعية فأقضيها مع أبنائى وأحفادى فى منزلهم بمدينة 6 أكتوبر، كما أذهب بصفة دائمة الى دار الأوبرا المصرية.

 مقبرة آل مشرفة ازاحها طريق الأوتوستراد ماذا عن ذلك؟

كانت مقبرة جميلة جداً بها كل أسرة "مشرفة"، وكانت عمتى نفيسة تكاد تقيم بها بعد موت أبنائها ودفنهم هناك، ولكن لشق طريق الأوتوستراد أزاحتها الدولة لإنها كانت تعترض الطريق، وكاد الرفات يضيع لولا قيام الإمير "محمد عبد المنعم" الوصى على عرش مصر وقت شق الأوتوستراد  بنقل رفات "بابا" والعائلة إلى غرفة بحديقة مقبرة " قبة أفندينا" تقديراً وإجلالآ لقيمة بابا العلمية الذى لم يلق حقه حياً وميتاً.

بعد موافقة عمى الذى كان وقتها كبير لعائلة وموافقة وزارة الأوقاف.

نجل شقيقه وكاتم أسراره يكشف:

مكائد القصر منعت «مشرفة» مــــــــن مقابلـة «أينشتاين» فـى لندن

الملك فاروق حرمه من جائزة الدولة ومنحها لأحد تلاميذه

تمتع الدكتور على مصطفى مشرفة بنبوغ فذ وعقلية غير عادية؛ كان شغوفا بنشر الوعى العلمى على العامة، ومن الأوائل الذين نادوا بالإصلاح الاجتماعى والتطوير بناء على البحث العلمى.. وكتب العديد من المقالات والكتب حول العلوم بشكل بسيط، كما شجع أيضا حركات الترجمة للغة العربية، وأسهم فى كتابة موسوعة علمية عربية، وكتب فى التراث العلمى العربى أيضا.

وكان شقيقه الأصغر عطية مصطفى مشرفة هو سكرتيره الخاص والرفيق الدائم له فى العديد من الرحلات، وكتب عنه بعد رحيله كتابًا بعنوان "مصطفى مشرفة.. ثروة خسرها العالم". وحول علاقة الشقيقين "مصطفى وعطية" تحدثنا مع الدكتور عادل عطية مشرفة أستاذ الرياضيات بكلية العلوم جامعة القاهرة.

كان للدكتور مشرفة ثلاثة أشقاء هم "مصطفى، وحسن، وعطية"، ويقول د. عادل: "كان مشرفة حريصًا على تعليم أشقائه، وقبل سفره فى أول بعثة له اطمأن عليهم وأدخلهم مدارس داخلية، وكان يتابع درجاتهم فى الدراسة، وكلهم حصلوا على الشهادات العليا؛ فوالدى عطية تخرج فى كلية الآداب عام 1929، فى أول دفعة بالكلية، وبعدها درس الحقوق وتخرج فيها عام 1930، ثم حصل على الماجيستير فى الآداب، والدكتوراه فى التاريخ الإسلامى عن عصر الفاطميين، وصدر له كتاب بعنوان (نظم الحكم فى مصر فى عصر الفاطميين)".

للدكتور عطية مشرفة أربعة من البنين والبنات هم "عادل، وعاصم، وسهير، وسها"، ويصف د. عادل العلاقة بين والده وعمه بأنها لم تكن علاقة أخوة وحسب، ويقول: "كان والدى يعتبره والده، ويقول عنه إنه رائد أسرة ورائد علم، وبث فى أشقائه المثل العليا، وأرسى لوطنه قواعد ثابته فى العلم، خاصة فى النظرية النسبية، ونظرية الكم، والنظرية الإلكترونية، والنظرية الكهرومغناطيسية للضوء. ولقد أخذ والدى عنه أن الدراسة الجامعية يجب أن تعتمد على مجهود الطالب فى البحث، وأن الأستاذ ليس إلا للإرشاد والتوجيه والإيضاح، وبذلك ربى جيلاً من العلماء".

ويضيف د. عادل قائلا: "بعد رحيل عمى شعر والدى بأن عليه أن يرد الجميل لشقيقة الأكبر، فكتب كتابا عنه يسرد فيه سيرته الشخصية والعلمية، كان يهدف لأن تكون سيرة ومسيرة شقيقه نبراسا للجيل الصاعد من العلماء، وقد تضمن الكتاب الكثير من خطابات وكتب وأنشطة مشرفة، وهذا الكتاب يعتبر الوحيد  الموثق، وتم نشره عام 1956م، وفى تقديمه للكتاب كتب والدي: "أقدم هذا الكتاب لمصر بل للعالم عن عبقرى فقدناه، لكن كان لنا فى همته نور وفى عبقريته مثال وفى ذكراه لنا خير قائد لنهضتنا وخير باعث لهمتنا".

وحول ذكرياته عن عمه يقول د. عادل: "أتذكر عندما كان عمرى 8 سنوات أنه كان يأتى إلى منزلنا ليصحبنا الى التنزه فى منطقة مصر الجديدة وكان ذلك فى عام 1946، وقتها لم تكن لدينا سيارة لذا كان يحرص على أن يصحبنا معه بصحبة أولاده، وحينما توفى فى 1950 كان عمرى 12 عاما، وأتذكر حالة الحزن التى كانت عليها كل عائلتنا".

ويضيف د. عادل: "أتذكر أن حكومة الثورة أقامت له حفل تأبين كبيرا بمناسبة الذكرى الثالثه لرحيله بصالة الاحتفالات  الكبرى بمعرض القاهرة للراديو والتليفزيون بالجزيرة، ووقف الرئيس جمال عبدالناصر وألقى كلمة فى تمجيد العلم والعلماء قال فيها "إن الثورة تمجد العلماء وتقدر حاجة الوطن إليهم، وإن الحرب ليست بين الجيوش لكنها بين العلم والعلماء، وإن العلماء إذا ساعدوا بلادهم كان النصر حليفها.. والعلماء دائما أصدقاء الحرية، ولم تقم فى الدنيا نهضة إلا بهم".

ثم ألقى المشير عبدالحكيم عامر كلمة فى تعظيم العلم والعلماء، وكان من بين الحضور الصاغ صلاح سالم، وإسماعيل القبانى وزير المعارف وقتها، والشيخ أحمد ياقوت مدير الأزهر، والفريق محمد إبراهيم رئيس أركان حرب الجيش، والدكتور طه حسين، وفضيلة الشيخ محمد عبداللطيف دراز وكيل جامعة الأزهر، وعدد كبير من أساتذة الكلية والجامعة والمعاهد العلمية وكبار رجال العلم والدين، ومن العائلة حضر والدى ومعه شقيقه العميد حسن مشرفة، وشقيقته نفيسة، وزوجة عمى مشرفة وابنته نادية، ووالدتى وهى شقيقة الأستاذ الجليل أحمد لطفى السيد وغيرهم.

 كان والدك المصاحب له فى رحلته لمقابلة ألبرت أينشتاين التى لم تكتمل.. فماذا قال لك عن هذه الرحلة؟

فى30/3/1947 وافق مجلس الوزراء على إلحاق "على مصطفى مشرفة" إلى جامعة (برينستون) التى كان يدرس بها أينشتاين نفسه، دعته إليها ليقوم بإلقاء سلسلة محاضراته عن  الذرة بها كأستاذ زائر، على  أن تكون نفقات هذه الرحلة على حساب تلك الجامعة الأمريكية، وألا تتحمل الحكومة المصرية إلا مصاريفه فى إنجلترا عندما يزور هيئاتها العلمية، وصاحبه والدى عطية كسكرتير له، وعند ركوب الطائرة أبلغه سكرتير عام الجامعة وقتها الدكتور عبدالسلام الكردانى بأن الملك فاروق قد ألغى قرار مجلس الوزراء الخاص بندبه أستاذا زائرا لأمريكا بقصد إجباره  على عدم السفر بمنع المال، لكن صمم عمى على مواصلة  السفر بمصاحبة والدى على نفقتهما الخاصة، لكن بمجرد وصوله لإنجلترا شعر بتعب  وأثير هذا الخبر عنه، وظلا بسويسرا  بعض الوقت ثم رجعا إلى مصر، بدون أن يقابل أينشتاين، لكن كانت بينهما العديد من المراسلات.

 هل كان ينوى التقدم لجائزة نوبل فى العلوم الرياضية؟

الدكتور محمد النادى الأستاذ بالكلية قال إن "مشرفة" كان ينوى أن يجمع بحوثه ليحصل على جائزة نوبل فى العلوم الرياضية، وقد أحصى والدى أبحاث عمى فوجدها تزيد على الخمسة والعشرين بحثا فى تكوين الذرة والإشعاع أو فى الميكانيكا والديناميكا  وغيرها، وقد نشرت بمجلة (نيتشر) فى عام 1922 وحتى 1949.

 أسهم مشرفة فى إحياء الكتب القيمة لإظهارها للناس.. كلمنا عن هذا..

قام بنشر الكتب العلمية المبعثرة فى متاحف العالم ومكتباتها لكى تصل إلى أيدى الجمهور العربى المثقف، فاهتم بنشر كتاب محمد بن موسى الخوارزمى فى الجبر عام 1939 ، وشرح هو وصديقه الدكتور محمد موسى أحمد ما كان اساساً فى علم الجبر، كما تكلم عن الحسن بن الهيثم العالم العربى الرياضى بمناسبة مرور تسعة قرون على وفاته، وحرص على إحياء ذكرى نوابغ الإسلام والعرب، كما  نادى بتمجيد العلماء العرب وباحثيهم، وترجم من القرنين الثانى عشر والثالث عشر كتب الفارابى، وكتب الخوارزمى فى الجبر والحساب، وكتب الرازى فى الطب، وكتب جابر بن حيان فى الكيمياء، وكذلك مؤلفات الفرغانى والبتانى والصوفى فى علم الفلك.

 كان مشرفة يقول لوالدك عطية إن الكثير من علماء العرب لم  نعرفهم جيدا.. كيف؟

قال لوالدى كم من العلماء المصريين لم يعرفهم المصريون، منهم العالم  المصرى محمد الفلكى الذى قاس المجال المغناطيسى للأرض، ونشر نتائج أبحاثه فى أعمال المجتمع العلمى الفرنسى بباريس سنة 1856، وكذلك العالم المصرى عثمان غالب الذى اكتشف دودة ورق القطن عام 1879 وغيرهما الكثير.

 ماذا عن أبحاث الدكتور مشرفة التى كانت  لدى شقيقه عندما قام بعمل الكتاب؟

كل ما كان  لدى والدى أرسلته إلى مكتبة الاسكندرية، وهناك كتابان (جزء أول وثان) للأحاديث الإذاعية التى قام بها عمى عام 1939 و1940 فقامت  المكتبة بطبعها ثم إعادتها لى.

 رفض الملك فاروق إعطاءه جائزة الدولة ومنحها لأحد تلاميذه.. كيف حدث ذلك؟

هذا حقيقى.. تقدم بأبحاثه ليمنح جائزة الدولة، لكن الملك فاروق رفض وأعطاها لأحد تلاميذه.

 بعد رحيل "مشرفة" اتخذ الاتحاد العام بجامعة القاهرة العديد من القرارات منها إقامة مؤسسة علمية تحمل اسم "مشرفة" وإعداد جائزة مالية تمنح للمتفوقين فى  الرياضة وإطلاق اسمه على إحدى قاعات مكتبة الجامعة.. فهل هذا كله تحقق؟

أطلق على إحدى قاعات كلية العلوم  اسم "مشرفة" والجائزة المالية ما زالت موجودة.

 لماذا لم يوضع بمدخل كلية العلوم جامعة القاهرة شىء للاعتراف بقيمة هذا الرجل مثلما تم وضع 3 دواليب لجوائز الكلية والطلبة بساحة مدخل الكلية؟

فى الحقيقة انا دكتور بالكلية ومنذ زمن كانت هناك لوحة من الجرانيت الأخضر موجودة بمدخل الكلية بها كل عمدائها منذ نشأتها، وفى فترة قاموا بالتجديد فخلعت اللوحة ولم أعرف مكانها إلى اليوم.

 هل الدكتور مصطفى مشرفة أخذ حقه من التقدير؟

والله.. فى ظل الظروف القائمة كتر خير الدنيا ان الناس لسه فاكراه رغم رحيله عام 1950م.

رحلة البحث عن مصير مقتنيات عالم الذرة الشهير

إهدار كنوز مصطفى مشرفـــــــة بجامعة القاهرة ومكتبة الإسكندرية

عانى الدكتور على مصطفى مشرفة من الظلم فى حياته أثناء فترة حكم الملك فاروق، ورغم ذلك أعطى ظهره لكل ما وقع عليه من معوقات، وواصل مساره مع العلم والأبحاث، وحقق فى مسيرته ما يفخر به كل مصري، وطاله الظلم أيضا بعد وفاته؛ فعندما قررت الحكومة شق طريق الأوتوستراد قاموا بإزاحة مقبرة آل مشرفة، وكادت رفات العالم الجليل تضيع لولا أن "الأمير محمد عبد المنعم" أمر آنذاك بنقلها إلى مبنى مستقل بحديقة مقبرة قبة أفندينا؛ إجلالًا لتاريخ "مشرفة" وتكريمًا لمسيرته وإنجازاته، لكن التكريم الأكبر هو ما يجدر بالمؤسسات العلمية والتعليمية أن تتبناه وتقوم عليه الآن، والمتمثل فى العناية بميراثه العلمى وإحيائه؛ لأننا فى أمس الحاجة له فى عصر يُشكل فيه العلم كل شيء؛ السياسة والاقتصاد والمجتمع.

::وليس أقل من إحياء تراثه العلمى وميراثه وآثاره بإتاحتها للباحثين فى مجالات الرياضيات والفيزياء والذرة والأبحاث النووية؛ فماذا عن معمله وكتبه وأبحاثه فى كلية العلوم جامعة القاهرة، وماذا عن مقتنياته التى أهدتها ابنته الدكتورة سلوى مشرفة لمكتبة الإسكندرية للاستفادة منها، ولعرضها على الرواد والباحثين؟.. ماذا فعلنا بتراث عالم الذرة المصرى مصطفى مشرفة؟

هنا أبحث عن خيوط لإجابة من داخل كلية العلوم بجامعة القاهرة، ومن أروقة مكتبة الإسكندرية ودهاليزها.

مسيرة الدكتور مصطفى مشرفة مع كلية العلوم مضيئة وحافلة، فقد قضى نحو ربع قرن من مسيرته العلمية داخل أروقتها ومعاملها بجامعة فؤاد الأول، منذ أن تم تعيينه أستاذا مساعدا للرياضة التطبيقية فى أكتوبر 1925، ووصولا إلى عمادتها فى مايو 1939، وحتى وفاته فى سنة 1950م.

فى تلك السنوات اهتمت كلية العلوم بالبحث العلمى المبتكر، وخصصت له شطرًا كبيرًا من مجهودها، ونشرت نتائج هذه الأبحاث فى مجلات علمية معترف بها خارج مصر وفى أعمال الجمعيات العلمية داخلها، وتمتعت بشهرة علمية واسعة بين كليات العلوم بأوروبا وأمريكا مما جعل جامعات العالم تقدر شهاداتها العلمية. لكن ماذا فعلت الكلية بتراث الدكتور مصطفى مشرفة؟

قبل أن أشرع فى الذهاب إلى جامعة القاهرة سألت ابنته الدكتورة سلوى مشرفة عن كتب والدها وأبحاثه ومقالاته ومكتبته فى الجامعة، فقالت لي: ذهبت منذ سنوات إلى قسم الرياضيات بكلية العلوم لأشاهد مكتبة والدى؛ فقد كان لديه مكتبة كبيرة جدا بالكلية تحتوى على كتب وأبحاث علمية ومقالات، وهى موجودة إلى اليوم باسم "مشرفة"، لكنها للأسف خاوية لم أجد بها شيئا، وأسأل نفسى أين هذه الكنوز التى تخص والدى، وكان يجب على الكلية المحافظة عليها بصفتها تاريخا لعالم من علماء مصر والوطن العربى، وكلها مهمة يجدر بالطلاب الاستفادة منها.

 500 كتاب فى الدواليب تأكلها الأتربة

ما قالته لى د. سلوى مشرفة، دفعنى للذهاب إلى الجامعة كى أتحقق من المسألة، دخلت إلى مبنى كلية العلوم؛ البيت الذى أسسه العالم الجليل على مصطفى مشرفة، فلاحظت أن فى مدخلها ثلاثة دواليب مخصصة للجوائز التى حازتها الكلية وطلابها، وبحثت داخلها عن شيء يشير للعالم الذى كان وراء إنشاء قسم الرياضيات بها، فلم أجد شيئا يذكر؛ فالمعمل الذى يحمل اسمه تحول إلى مكتبة باتت الآن قديمة ومتهالكة، فقد كان آخر تحديث لها منذ عشر سنوات فى عهد عميد الكلية السابق الراحل الدكتور نظمى كساب.

تحدثت إلى عزة فاروق سليم؛ أمينة مكتبة كلية العلوم، فقالت: للأسف تحوّل معمل الدكتور مصطفى مشرفة منذ سنوات بعيدة إلى هذه المكتبة التى أعمل بها حاليا، وكان من الأفضل أن يظل معمله كما هو بكل أدواته ومعداته حتى يكون مزارًا  للطلبة من كل البلاد؛ فتراث عالمنا الجليل ليس ملكا للكلية أو لطلابها أو حتى ملكا لأسرته، بل هو ملك لمصر كلها؛ لأن هذا الرجل بنى على كتفه قسم الرياضيات بالكلية.

سألتها عن المكتبة الحالية فقالت: بها حوالى 250 كتابا خاصة بالدكتور مشرفة نفسه؛ كتب قام بترجمتها من الفرنسية والإنجليزية إلى العربية، وأخرى خاصة بأبحاث علمية كان يعمل عليها.

قلت لها: لقد ترك مشرفة فى مكتبة الكلية أكثر من 500 كتاب، فأين هي؟.. أجابت: موجودة، لكن وجودها على الأرفف وفى الدولاب جعل الكثير منها يتهالك وتأكله الأتربة، فبعد كل هذا التاريخ من العطاء العلمى لم يبق من تاريخ مشرفة داخل الكلية إلا بقايا مكتبة فى قاعة هى فى الأصل معمله، ولا يوجد شيء يدل عليها سوى لوحة تحمل اسم "معمل الدكتور على مصطفى مشرفة باشا".

وعن المسئول عن تحويل معمل مشرفة إلى مكتبة؛ تقول: لا أعرف، فقد حدث هذا منذ وقت طويل، وعندما استلمت عملى بها تمنيت أن أخصص دولابا أضع فيه كل الكتب الخاصة بالعالم الجليل، وفوق الدولاب صورة كبيرة له؛ حتى يتعرف عليه طلبة كلية العلوم، وكذلك رواد المكتبة عامة، وطرحت ذلك بوضوح، لكن للأسف لم يحظ الأمر باهتمام من إدارة الكلية وقتها.

 مقتنيات مشرفة فى دهاليز مكتبة الإسكندرية

خرجت من جامعة القاهرة وسافرت إلى الإسكندرية على أمل أن أجد فى مكتبتها العريقة احتفاء يليق بالدكتور مشرفة، وكانت ابنته الدكتورة سلوى مشرفة قد أهدت المكتبة ما فى حوزتها من مقتنياته فى عام 2014؛ وفى ذلك تقول: خوفا على تراث والدى أهديت المكتبة مقتنياته، ومنها صور نادرة وأبحاث وتقارير علمية بخط يده وميداليات ونياشين، لكى تكون متاحة فى مأمن من إهمال محتمل، وتظل ملكا للناس ولتتعرف عليه الأجيال الجديدة. وتضيف: أهديت كل ذلك للمكتبة لأننى الابنة الوحيدة له على قيد الحياة، وقد تجاوزت السبعين من عمري، وأخشى أن أرحل، وبرحيلى تضيع ذكرى مشرفة، وينسى الناس هذا العالم الذى كُتب فى تاريخ مصر بحروف من نور، وهو واحد من العلماء المصريين الذين لن يجود الزمان بمثلهم.

كان تقدير د. سلوى مشرفة أن توضع المقتنيات فى متحف بالمكتبة باسم "مشرفة" لكن للأسف هذا لم يحدث إلى الآن؛ تقول غاضبة: كلما ذهبت الى المكتبة وسألت عن المقتنيات لا أجد شيئًا، سوى أنها فى حوزة المكتبة، وتحفظها فى المخازن والأدراج، واكتفت بوضع الوثائق على شبكة الإنترنت، وإتاحتها فقط من خلال (منصة مشروع ذاكرة مصر المعاصرة)، وبهذا تكون المقتنيات المادية "معلبة" فى مخازن المكتبة، فكيف يشاهدها الزائرون من الجيل الجديد، ومن الذين يهتمون بالعلم كنوع من بث الحس الثقافى بين الشباب؟!

وعن ماهية المقتنيات، قالت: متنوعة جدًا ومتعددة، وهناك بيان تفصيلى بما تم تسليمه للمكتبة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر؛ "مفكرة خاصة لمشرفة عام 1919، ودفتر يوميات مذكراته بخط يده عام 1918، ووسام حصل عليه بمناسة العيد الماسى لكلية العلوم جامعة القاهرة، وميدالية برونزية بمناسبة مرور 90 عاما على إنشاء جامعة القاهرة، وميدالية فى مناسبة الذكرى السنوية لمشرفة، وألبوم صور نادرة  لجنازة مشرفة، وصور لحفل زفافه.

سألت د. سلوى عن السبب فيما يحدث، فقالت: لا أعرف ما هى الأسباب؛ هل الدكتور "مشرفة" لا يستحق مكانا يعرض فيه تاريخ هذا العالم الذى وهب عمره من أجل العلم، ألا يستحق مكانا يليق به مثل المكان المخصص لباقى الشخصيات المصرية أمثال الدكتور بطرس غالى، والدكتور مصطفى الفقى، والمخرج شادى عبد السلام، والكاتب محمد حسنين هيكل، والرئيس محمد أنور السادات، وغيرهم؟. 

 وثائق 200 شخصية مصرية بارزة داخل الكراتين

كان وقع كلمات ابنة خالد العلم مصطفى مشرفة يعبر عن عظيم الأسى؛ ذلك الأسى الذى حملته معى وأنا اقف أمام زوار مكتبة الإسكندرية القادمين إليها من كل مكان. كنت أتعمد تكرار السؤال على كل من صادفتهم أمام بوابتها أو فى ساحتها: "هل تعرف الدكتور على مصطفى مشرفة"؟.. ولأن جمهور المكتبة ذو طابع خاص؛ يعشق الثقافة ويجيد الاطلاع، فدائما ما تكون الإجابة: "نعم؛ هو عالم ذرة مصري، ولكن لا نجد له شيئًا يذكرنا بمسيرته فى برامج المكتبة أو داخل قاعات عروضها".

لا شك أن إمكانيات المكتبة تسمح بوضع المقتنيات بشكل يليق بتاريخ "مشرفة" بين أروقة قاعاتها وإتاحتها للعرض الحى وليس فقط وضعها على منصة. وفى ذلك سألت إيمان الخطيب المشرفة على (مشروع ذاكرة مصر المعاصرة): لماذا توجد مقتنيات مشرفة على المنصة فقط، ولماذا ليس لها مكان فى قاعات العرض؟.. ثم من المسئول عن قرار وضع أشياء بعينها على المنصة واستبعاد أخرى؟

"الخطيب" أفادت بأنها لا تعرف أصلا من  الذى أعطى القرار بوجود مقتنيات "مشرفة" على المنصة، موضحة أن إدارة المكتبة تغيرت أكثر من مرة، وأضافت أن هناك العديد من المقتنيات لشخصيات مصرية بارزة؛ تزيد عن 200 شخصية فى جميع المجالات موجودة على المنصة كصور، أما والأصول فموجودة فى كراتين بمخازن المكتبة.

ما ذكرته المشرفة على مشروع (ذاكرة مصر المعاصرة) يلفت النظر إلى أن تاريخ العديد من الشخصيات التى صنعت تاريخ مصر معلبة مثلما هو الحال مع تاريخ "مشرفة"؛ فما هى الأسباب التى تجبر إدارة المكتبة على حجب تلك المقتنيات عن الجمهور ودفنها فى المخازن؟.. لماذا لا تهتم بعرضها وتناولها ولو من خلال المراكز التابعة لقطاع التواصل الثقافى بالمكتبة؛ خصوصا أن القطاع يهتم بالمؤتمرات والبرامج وبه العديد من الأقسام.. أم أن مساحة المكتبة لا تسمح بذلك؟

 50 مجموعة خاصة ليس من بينها "مشرفة" !

 الواقع يشير إلى استبعاد عائق المساحة؛ فمساحة المكتبة تزيد عن 20 ألف متر مربع، عبارة عن القاعة الرئيسية ومكونة من أحد عشر طابقا؛ فى مستوى تحت سقف واحد، كما تتسع أرففها لحوالى 8 ملايين كتاب، وبها أربعة متاحف متخصصة، وأربع مكتبات فرعية لذوى الاحتياجات الخاصة، و13 مركزا بحثيا فى جميع فروع العلم؛ من بينهم مركز المخطوطات ومركز الدراسات الاستراتيجية ومركز زاهى حواس للمصريات، كما تضم 13 قاعة لمعارض الفنون التشكيلية، إضافة إلى مراكز فنون السينما والمسرح وغيرها. فهل هناك ما يحول دون وضع مقتنيات مشرفة فى معرض كغيره من الشخصيات؟ 

طرحت السؤال على الباحثة شيرين محمود؛ رئيس قسم المجموعات الخاصة بقطاع التواصل الثقافى بالمكتبة، فقالت: أنا مسئولة عن المجموعات الخاصة، وهذه المجموعات عبارة عن كتب وليست مقتنيات، ولدينا أكثر من خمسين مجموعة خاصة لشخصيات بارزة من بينهم (أحمد زويل وفاروق الباز وعبدالرحمن بدوى وعبدالرزاق السنهورى ونور الشريف والسلطان قابوس وسامى خشبة والفنان عبد الغنى أبو العينين ورفعت السعيد وصوفى أبو طالب)، وللأسف لم تسمح مساحة المكتبة بعرض الخمسين مجموعة، لذا نعرض بعضا منها والباقى متاح للزائرين من طلبة الأبحاث العلمية، ولا نعتبر (دكتور مشرفة) ضمن المجموعات الخاصة؛ لأن المتوفر لدينا فى القسم مذكراته فقط، وباقى المقنيات لا أعرف عنها شيئا، ومن الممكن أن تكون موجودة فى قسم آخر.

نقلت كلمات الباحثة شيرين محمود للدكتورة سلوى مشرفة، فما كان منها إلا أن أطلعتنى على البروتكول الموقع بينها وبين إدارة المكتبة فوجدته يضم عددًا كبيرًا من مقالات الدكتور مشرفة التى نشرت باللغتين العربية والإنجليزية، إضافة إلى أبحاثه العلمية وبعض المحاضرات التى ألقاها بجامعة القاهرة، وبعض مسودات أحاديثه التى ألقاها بالإذاعة المصرية، وميداليات ونياشين حازها فى حياته، والعديد من الكتب، إلى جانب مذكراته بخط يده؛ فى كتابين، والمفترض أن يكون كل هذا فى قسم المجموعات الخاصة، لكن إدارة المكتبة- وفقا لما قالته رئيس قسم المجموعات الخاصة بقطاع التواصل الثقافي- "لا تعتبر خالد العلم مصطفى مشرفة ضمن المجموعات الخاصة؛ لأن الموجود بالقسم مذكراته فقط"!

عدت إلى شيرين محمود وعرضت عليها صورة ضوئية من البرتوكول الذى يتضمن بيانا بكل ما سلمته د. سلوى لإدارة المكتبة، فقالت لي: للأسف كنا نتمنى أن يكون لدينا أشياء كثيرة للدكتور مشرفة، لكن لا يوجد فى القسم لدينا غير مذكراته فقط ، أما المقالات والأبحاث فسوف أبحث عنها فى المكتبة.

وأخيرا: هل المعاناة مكتوبة على خالد العلم الدكتور على مصطفى مشرفة حيا وميتا، ومكتوب علينا أن ننساه؟

فى العلم والدين والسياسة والاقتصاد والمال والأخلاق

استراتيجية «مشرفة» الشاملة لبناء المستقبل  وتحقيق سعادة البشرية

لم يكن العالم الجليل مصطفى مشرفة يعيش فى برج عاجى معزولا فى معمله، ومنفصلا عن قضايا المجتمع، بل كان حريصا على بث الثقافة العلمية لتكون فى متناول الجميع، ونظم أثناء عمادته لكلية العلوم بجامعة فؤاد الأول، مجموعة من الأحاديث الإذاعية الدورية، أطلق عليها «أحاديث كلية العلوم» يلقيها أساتذة كلية العلوم على المستمعين، وفى شهرى أبريل ومايو من عام 1945، حرصت مجلة «الراديو المصري» على نشر الأحاديث التى ألقاها «مشرفة» فى سلسلة مقالات فى الأعداد (525، و526، و528، و529، و531)، وكلها تدعو لتفعيل الوعى وتحرير العقل وبناء الفكر، وتناول فيها قضايا إشكالية فى العلم والدين والسياسة والاقتصاد والمال والأخلاق، وأولى بها اهتماما خاصا لتصل إلى النخبة والعامة؛ فقد ربطها بالعلم ربطا بسيطا وعميقا، وقدمها كاستراتيجية لبناء مستقبل البشرية وخلاصها من مصيرها المعتم البائس، ورأى فى تنفيذها السبيل إلى سعادة الإنسان.

جاءت المقالات بأسلوب أدبى خاص؛ تتفهمه النخبة بالضرورة، لكنه فى الوقت نفسه فى مستوى القارئ غير المتخصص؛ فقد كان «مشرفة» يسعى دائما أن يوصل علمه إلى العامة بأسلوب شيق ولغة رشيقة، وهو ما يلمسه القارئ واضحا فيها؛ يقول عن العلم وموطنه وقيمه، فى المقال الأول الذى نشر فى العدد (525) بتاريخ 7 أبريل 1945م تحت عنوان «العلم والدين»: (العلم ليس بضاعة أوربية؛ صدر عن ألمانيا أو برمنجهام، وليس ذا طابع غربى أو شرقي، بل هو مشاع بين الأمم؛ لا وطن له، يطلب فى الصين كما يطلب فى أمريكا، يوجد أينما وجد الفكر البشري، وينمو ويزدهر حيثما ترتفع الحضارة، وتعلو النفوس وتتحرر العقول). 

ويقول فى «العلم والمال» الذى نشر فى العدد التالى بتاريخ 14 أبريل: (المال إذا اقترن بالعلم سما بصاحبه إلى سماء الواجب، وأحاطه بقدسية الضمير، وتحولت حريته فى استخدامه من حرية الجاهل إلى حرية العالم، وشتان بين جاهل وعالم).

وفى مقالة «العلم والسياسة» يقول: (أليس من واجب السياسة- وهى التى تسعى لخير البشر وإسعادهم- أن تتعاون مع العلم على تسخير هذه القوى لخدمة الإنسانية ورفاهيتها، وهل ترون أن هذا التعاون بين العلم والسياسة يرفع من شأن السياسة؟).

وعن «العلم والصناعة» يقول: (العلم والصناعة يجب أن يرتبطا برباط متين فى كل بلد يرغب أن يكون له شأن فى مضمار الصناعة، وهذا الرباط هو الذى يحافظ على الصناعة وقوتها وتجديد شبابها، ويعمل على إنهاضها وتقدمها).

أما خاتم مقالاته فخصصه للحديث عن «العلم والأخلاق»، ويقول فيه: (إن طالب العلم طالب حقيقة، ومن طلب الحقيقة أحب الحق، ومن أحب الحق كان صادقا، ومن كان صادقا كان شجاعا، ومن كان شجاعا كان ذا مروءة، ومن كان ذا مروءة كان كريما، ومن كان كريما كان رحيما وأحب الخير، ومن كان رحيما وأحب الخير، ناصر العدل وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر).

 وقد كان عالمنا مصطفى مشرفة نموذجا فى ذلك، وجدير بالأجيال الجديدة الاقتداء بمنهجية «تحرير العقل وإصلاحه» بالنظر فى تراثه العلمي، وقد آثرنا فى مجلة «الإذاعة والتليفزيون» أن نلقى الضوء على ما تبقى منه من خلال الكشف عن تلك الأحاديث التى تجيب عن أسئلة شائكة لم تزل تشغل مجتمعنا حتى تلك اللحظة، ونعيد نشرها ليس تأريخًا للعالم الجليل؛ فقد بات الرجل نفسه تاريخًا بشهادة البارزين فى مجال علم الرياضيات والفيزياء فى حياته وبعد رحيله، بل لأننا فى أشد الحاجة لتأمل رؤاه والسير على دربه والسعى إلى الاستفادة مما قدمه؛ ففيه الخير الكثير لنا فى ظل عالم يحاصره الجهل وتتفشى فيه الشرور.

وإلى نص المقالات:

التسليــم بالمقدمات منــطق تسلط رجال الدين على التفكير البشرى

العلم والدين وجــــــــدل الاستقــراء والقيــاس

منطق العلم هو التمحيص والتجريب وليس التقليد والإذعان

من الأوهام الشائعة عند الغربيين، أن دراسة العلوم دراسة منظمة، إنما يرجع الفضل فيها إلى أهل أوروبا، فهم يقولون إن القرون الوسطى كانت عصورا مظلمة، خيم عليها الجهل، وحجبت عن نور العرفان،  وأن البشر قد ضرب على آذانهم زهاء ألف عام، من وقت سقوط الدولة الرومانية الغربية عام ٤٧٦ ميلادية ثم بعثوا من مرقدهم، فى أواخر القرن الخامس عشر، فنشرت علوم الإغريق بعد موتها، وعادت الحياة إلى فنونهم وآدابهم  فكانت النهضة، وقامت مدنية أوروبا الحديثة على أساس مدنيتها القديمة، ولما كان الإغريق القدماء من أهل أوروبا، فمدنيتهم مدنية أوروبية، تحمل الطابع الغربى، وبذلك يكون الغرب قد وصل ماضيه بحاضره مخترقا حجب القرون.

ويزعم أصحاب هذا الرأى، أن عصر النهضة فى أوروبا، قد أوجد منطقا جديدا، ومنهاجا مستحدثا من مناهج الفكر، هو المنطق الاستقرائى، أو هو المنهاج العلمى، يرجع الفضل فى صياغته إلى السير فرنسيس بيكون، الذى ألف كتابا باللاتينية عام ١٦٢٠ سماه "Novum organum" أو الأداة الجديدة، شرح فيه هذا المنطلق، و

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الاستعانة بـ«الروبوت» فى العمليات الجراحية لأول مرة فى مصر

أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية