مقامات الرضا .. الشيخ «أحمد الدرديرى» أبو البركات وقاضى الحوائج

يوارى ثرى مصر أجساد 40 شريفًا على الأقل من آل البيت النبوى الأطهار، وهم فى روضاتهم ينتشرون فى مختلف الربوع،

 بالإضافة إلى عشرات المقامات والأضرحة للأولياء الصالحين، لذلك أطلق المصريون على بعض تلك المناطق "بقيع مصر"، سواء عند سفح جبل المقطم أو فى مدينة البهنسا أو غيرهما من المناطق بجميع محافظات الجمهورية. "الإذاعة والتليفزيون" تعرض فى حلقات مسلسلة سيرة كل ولى بصورة صحيحة ومعتدلة، دون تقصير أو إفراط، مع بيان أهم ما يتميز به.

موعدنا اليوم مع أحد أبرز رجال الفقه من أهل السنة والجماعة، وهو الشيخ الصوفى الإمام "أحمد بن محمد بن أحمد بن أبى حامد العدوى المالكى الأزهرى الخلوتى" الشهير بالشيخ "أحمد الدرديرى" الذى وضع العديد من المؤلفات فى اللغة والفقه والتصوف وعلم الكلام، ومسجده ومقامه يقعان خلف الجامع الأزهر فى منطقة الكعكيين بالدرب الأحمر، ويقصدهما أناس من مختلف المحافظات، خاصة من أهل الصعيد، فشيخنا الجليل من مواليد "بنى عدى" بمحافظة أسيوط، وهى منطقة تسكنها قبيلة "بنى عدى" القرشية التى ينتهى نسبها إلى الخليفة الجليل "عمر بن الخطاب".

اتسم الشيخ "أحمد الدرديرى" بالزهد والورع والعلم، مما جعله أحد أهم الأولياء والعلماء الذين يقصدهم المصريون خاصة والمسلمون عامة، حيث تأتى إليه الوفود من مختلف دول العالم، خاصة شعوب شرق آسيا، وهم من يعرفونه حق المعرفة ويقدرون علمه وحكمته؛ وأمام مقامه الطاهر يقف الجميع ليدعوا الله آملين فى استجابة الدعاء وقضاء الحاجات.

كان كبير قبيلة "بنى عدى" رجلا مباركا من أهل العلم والفضل، ويدعى "الدرديرى" لذلك لُقِّبَ الشيخ "أحمد الدرديرى" بنفس الاسم تيمنا به، وحفظ القرآن وجوَّده، فقد حُبِّب إليه طلب العلم، لذلك قدم إلى الجامع الأزهر وحضر دروس العلماء الأجلاء، وأخذ العلوم عن الشيخ "الصعيدى" ولازمه وانتفع به، وأخذ العلم كذلك عن الشيخ "أحمد الصباغ" وعن "الملوى" و"الحفني" الذى أخذ عنه طريق التصوف، حتى صار من أكابر أهله، وحينما  بلغ "الدرديرى" عامه الثلاثين تسلم طريق التصوف والزهد من شيخ الأزهر وقتها "شمس الدين الحفنى" الذى وضعه على بداية الطريق، حيث قال الشيخ "عبد الحليم محمود" فى كتابه "أبوالبركات.. سيدى أحمد الدرديرى" إنه حينما لقنه الشيخ الحفنى "لا إله إلا الله" مكث بعدها "الدرديرى" حتى أحرق الذكر جسده لفرط الإيمان، وأطلق الناس عليه اسم "أبى البركات" فكان كلما صادف أحدًا جرى الخير والبركة بين يديه، فأحسّ الناس بتلك البركة التى أصابتهم بفضله.

كان الناس يطلبون منه قضاء مصالحهم والتدخل لدى الحاكم أو غيره فتقضى مصالح وحوائج الناس، وكانت هناك عبارة عرفت عنهم يقولونها للشيخ الدرديرى، وهى: "يا شيخ الحارة اركب الحمارة وهاتلنا البشارة واقضى العبارة"، فقد كان يقضى حوائج الناس بسرعة حقا، أما لقبه "شيخ أهل الإسلام وبركة الأنام" فجاء لتفوقه فى الفنون العقلية والنقلية، وقد كان صوفيًا زاهدًا قوَّالا للحق زجارا للخلق عن المنكرات والمعاصى، فلا يهاب واليًا ولا يهاب سلطانًا ولا وجيهًا من الناس، وكان سليم الباطن مهذب النفس كريم الأخلاق.

 من يمد رجليه لا يمد يديه

من أشهر مواقفه المشهودة التى تواتر الخبر بها موقفه مع أحد الولاة العثمانيين الجدد، ففور تعيين هذا الوالى فى منصبه أراد أن يكون الأزهر أول مكان يزوره، وذلك حتى يستميل المشايخ، فقد علم بقدرتهم على تحريك الثورة والجماهير فى أى وقت شاءوا أو عند حدوث أول مظلمة من الولى الجديد، ولمَّا دخل الوالى ورأى الإمام الدرديرى جالسًا مادًّا قدميه فى الجامع الأزهر وهو يقرأ وردَهُ من القرآن غضب؛ لأنه لم يقم لاستقباله والترحيب به، وقام أحد حاشيته بتهدئة خاطره قائلاً له: إنه مسكين ضعيف العقل ولا يفهم إلا فى كتبه يا مولانا الوالى. فأرسل إليه الوالى صرة نقود مع أحد الأرقاء فرفض الشيخ الدرديرى قبولها وقال للعبد المرسل «قل لسيدك من مدَّ رجليه فلا يمكن أن يَمُدَّ يديه».

وفى موقف آخر دعى الشيخ لمأدبة الوالى، لكنه لا يأكل المال الحرام، فجلس على المأدبة يتمتم والغضب بادٍ على وجهه، فنظر إليه الوالى: "أتعصى ولى الأمر يا شيخ أحمد؟" فأجابه الدرديرى: "والله لولا علمى بأنى إن تخلّفت فسيتخلف خلق من الناس والطلاب وأتسبب فى جلدهم ما كنت لبيّت دعوتكم ولا جلست على موائدكم، وأنتم تعرفون أنى لا أحب القرب من السلاطين ولا العمل فى الدواوين، ولا أحب أن آكل شيئا لا أعرف من أين اكتسب ولا ممن أُخذ وغُصِب"، فقال الوالى وقد أدرك أنه بلغ غايته من الشيخ، وأنه سوف يرتكب خطأ يسجن بسببه: "أتزعم أن مالنا حرام يا شيخ أحمد، وليس لديك بينة ولا دليل؟ هذا قذف للناس واتهام لضمائرهم، وأنتم معشر الفقهاء أعرف الناس بحكم القذف والتشهير"، فأجابه الدرديرى: "إن كنت تريد دليلًا فهاك الدليل"، وأمسك فى قبضته بحفنة من الأرز أخذها من الطبق وعصرها ثم وقال: "اللهم أظهر الدليل والحجة على عيون الناس"، فنزل منها دم كأنه دم إنسان.

 تلميذ الشيخ الصعيدى

 تلقى الشيخ الدرديرى الفقه من عالم لم يكن يكبره كثيرا فى العمر، وهو الشيخ على الصعيدى العَدوى (1700 –1775)، فقد كان الشيخ الصعيدى يكبر الدرديرى بخمسة عشر عاما فقط، ولازَمه فى كل دروسه حتى ظهرت نجابته ونباهته، ومن الجدير بالتكرار هنا أن شيخ الأزهر الشيخ أحمد العروسى (1721-1793) كان من الشيخ على الصعيدى بمثابة المعيد، ثم إن الشيخ أحمد الدرديرى وضع كتابه الخاص به هو نفسه وهو متن أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك، وقد انتهى من تأليفه فى 1779م، ثم بدأ الشيخ الدرديرى فى شرح متنه هذا لكنه لم يصادف حظ تلميذه الشيخ الأمير الكبير الذى أتيح له أن يؤلف المستويات الثلاثة: المتن والشرح والحاشية، وإنما وقف فى شرح كتابه عند فصل متقدم من كتاب الطهارة، وقد أتم الشيخ مصطفى العقباوى هذا الشرح، وهو الشرح المعتمد فى الفتوى عند المالكية (بما يقابل حاشية ابن عابدين عند العلماء الأحناف). وقد طبع مبكرا فى عام 1865، ثم طبع على نطاق واسع بعد أكثر من مائة وعشرين عاما، ثم تعددت طبعاته فأصبح لا يكاد يمضى عام من دون طباعته.

ولما توفى الشيخ على الصعيدى تم تعيين الشيخ الدرديرى شيخًا للمالكية، وفقيهًا وناظرًا على “وَقْفِ الصعايدة” وشيخًا لـ”رواق الصعايدة” بالأزهر، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر كلًا من الراعى والرعية، ولا تأخذه فى الله لومة لائم، وكانت له فى السعى على الخير يد بيضاء، ومن أهم المؤلفات "شرح مختصر خليل" الذى هو عمدة الفقه المالكى، أورد فيه خلاصة ما ذكره الأجهورى والزرقاني، واقتصر فيه على الراجح من الأقوال، ثم كتاب "أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك" وهو متن فى فقه المالكية فرغ من تأليفه سنة 1193هـ، وطبع بالقاهرة عام 1321هـ ثم تعددت طبعاته بعد ذلك، ثم كتاب "الشرح الصغير على أقرب المسالك". ووصل فيه إلى باب الجنابة ثم أكمله تلميذه الشيخ مصطفى العقباوى، وهذا الشرح هو الذى أقرَّه جميع المالكية فى الفتوى، وعليه مشهور المذهب المالكى والأقوال المعتمدة فيه، واعتمده الشيوخ فى تلقين المذهب للطلاب، وفى الفتاوى على مذهب الإمام مالك، وقد طبع فى بولاق بالقاهرة سنة 1281هـ، ثم كتاب "نظم الخريدة السَّنِيَّة فى العقيدة السُّنيَّة" وهو فى علم التوحيد على مذهب الأشاعرة وشرحها كذلك.

 	أحمد الحضري

أحمد الحضري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الاستعانة بـ«الروبوت» فى العمليات الجراحية لأول مرة فى مصر

أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،

ضحايا الكلاب الضالة.. بين القتـل والإصابات الخطرة

من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة

العنف ضد المرأة.. جرس إنـذار لمجتمع فى أزمة

عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...

رودينا تامر: أم كلثوم قدوتى الفنية

حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية