سيارات نقل الموتى فى ملاعب كرة القدم

الأعمار دائماً وأبداً بيد الله.. لكن من أخطاء البشر تقع الكثير من الكوارث.. ومع تزايد الإهمال يسقط عشرات الجرحى والمصابين والأموات أيضاً.. وفى ملاعبنا المصرية يتزايد

الأعمار دائماً وأبداً بيد الله.. لكن من أخطاء البشر تقع الكثير من الكوارث.. ومع تزايد الإهمال يسقط عشرات الجرحى والمصابين والأموات أيضاً..

وفى ملاعبنا المصرية يتزايد الإهمال برغم التقدم الشديد فى مناحى عديدة، وبرغم تطور الكثير من منشآتنا الرياضية إلا أن هناك قصوراً بالغاً فى إجراءات السلامة والوقاية بشكل يدعو للاستغراب والتوقف وإيجاد الحلول.

فى ملاعب مصر.. تبدو التفرقة واضحة بين أولاد الذوات فى الدورى الممتاز لكرة القدم على سبيل المثال وأولاد الغلابة فى الدرجات الأدنى، كما تجد تفاوتاً هائلاً بين إجراءات السلامة فى الصالات والملاعب التى تستضيف الألعاب الأخرى بالأندية الكبرى وبين نظيراتها فى أندية الأقاليم على سبيل المثال.

وقد فتحت واقعة وفاة مدرب فارسكور الملف المسكوت عنه خاصة فى ملاعب كرة القدم التى تفتقد إلى إجراءات السلامة للحفاظ على الأرواح.

ففى الوقت الذى يتم فيه تأمين المنشآت.. لا تتوافر إجراءات تأمين الأرواح وهو ما يترك الفرصة لتساقط مزيد من الدماء على المستطيل الأخضر وكافة الملاعب الأخرى.

لم يكن أكرم حفيلة المدير الفنى لفريق مركز شباب أهلى فارسكور بمحافظة دمياط أول من يسقط متوفياً فى ملعب للكرة لكن وفاته ألقت الضوء على كارثة كبرى تتمثل فى فقدان ملاعبنا لأبسط قواعد حماية الأرواح.

بعد إحراز فريقه للهدف الثانى خلال مباراة مهمة أمام فريق الروضة بالقسم الرابع لدورى لكرة القدم أصيب أكرم بسكتة قلبية وسقط على الأرض منتظراً الإسعافات الأولية السريعة أو سيارة إسعاف تنقله إلى أقرب مستشفى لكن الملعب بلا سيارة إسعاف.

وبحسب الدكتور أحمد أشرف استشارى أمراض القلب والقسطرة فإن أكرم حفيلة توفى نتيجة إصابته بسكتة قلبية بسبب ما يسمى بفرحة القلب المنكسر سواء كان يشعر بفرحة شديدة أو حزن شديد، مؤكداً أن أمراض شرايين القلب هى الأكثر انتشاراً بين الرياضيين.

مات أكرم حفيلة داخل الملعب وتأكد الجميع من وفاته إلا اللاعبون الذين واصلوا اللعب من أجل إسعاد مدربهم الذى توجه للمستشفى وبمجرد إطلاق الحكم صافرته بانتهاء المباراة علموا بخبر الوفاة ليدخلوا فى نوبة من البكاء الشديد وسط اندهاش حكم المباراة الدولى محمد عادل الذى كان عليه رفض بدء اللقاء إلا فى وجود سيارة إسعاف.

منطقة دمياط لكرة القدم كانت المسئول الأول عن تلك المباراة لأنها ضمن تصفيات الصعود للدرجة الأعلى وتعهدت المنطقة بتوفير سيارة إسعاف فى الاجتماع التحضيرى للمباراة لكن ذلك لم يحدث، والسر فى إيجار سيارة الإسعاف.

مديريات الصحة بالمحافظات المختلفة ترفض إرسال سيارات إسعاف للملاعب إلا بعد دفع الإيجار المعتمد والذى يختلف من مديرية لأخرى.

فى القاهرة تبدو رسوم إيجار سيارة إسعاف هى الأعلى بين جموع المحافظات حيث يصل إيجار سيارة الإسعاف فى بعض المباريات إلى ثلاثة آلاف جنيه، فى حين يتم تأجير نفس السيارة فى مباريات الناشئين والأقسام الأدنى مقابل 1500 جنيه وهو ما يشير إلى عدم توحيد قيمة الإيجار وهو ما يعد إجراءً غريباً من جانب وزارة الصحة.

فى محافظات الأقاليم ارتفعت قيمة إيجار سيارة الإسعاف فى آخر عامين من 250 جنيهاً فى مباريات القسم الثانى إلى 750 جنيهاً، فيما تصل رسوم التأجير إلى 500 جنيه فى القسم الثالث و250 جنيهاً فى القسم الرابع.. لكن بعض الأندية تفشل فى تأجير سيارات الإسعاف لعدم توافرها بالعدد الكافى فى بعض المحافظات نظراً لإقامة عدة مباريات فى نفس اليوم أو انشغال سيارات الإسعاف بأحداث مهمة أخرى أو دخول بعض سيارات الإسعاف للصيانة، وهو ما تسبب فى الاستعانة بسيارات نقل الموتى والمدون عليها نفس الاسم فى مشهد غريب على ملاعب كرة القدم.

تصور أنك مدرب أو لاعب أو مشجع تدخل ملعب للكرة فتجد فى صدارة المشهد سيارة نقل الموتى بدلاً لسيارة الإسعاف التقليدية.

نادى دمياط استعان بسيارة لنقل الموتى فى نهاية عام 2019 عند مواجهة فريق الشهداء نظراً لعدم توافر سيارة للإسعاف ورفض الحكام إقامة المباراة بدونها.

أما حسين أبوحسين أمين صندوق مركز شباب فارسكور والذى فقد مدربه فأكد أنه يستعين بسيارة نقل الموتى فى عدة مباريات للتغلب على نقص سيارات الإسعاف وعدم القدرة على التأجير، مشيراً إلى أن عدم وجود سيارة الإسعاف كان سبباً فى عدم إنقاذ المدرب الراحل.

وفجر أبوحسين مفاجاة كبرى عندما أكد أن إيجار سيارة تكريم الأموات تكلف النادى مائة جنيه فقط يحصل عليها السائق دون توافر أى إمكانيات بالسيارة لإسعاف أى مصاب أو مريض، فى حين تكلف سيارة الإسعاف التابعة لوزارة الصحة ما بين 250 و 750 جنيهاً حسب المسابقة.

الغريب أن الأندية تدفع آلاف الجنيهات فى الدرجة الرابعة والثالثة وعدة ملايين فى الدرجة الثانية وأحياناً ترفض استئجار سيارة إسعاف وهو ما يفتح قضية خطيرة تحتاج لقوانين واضحة ولوائح صارمة.

الدكتور محمد سلطان رئيس اللجنة الطبية بالاتحاد المصرى لكرة القدم أكد أن الاتحاد وضع فى لوائحه ضرورة وجود سيارة إسعاف فى كل مباراة ولم يترك الأمر للاجتهاد وتغاضى بعض الأندية عن ذلك هو خطأ تلك الأندية وليس أى جهة أخرى.

وأشار سلطان إلى أن اتحاد الكرة بصدد توقيع بروتوكول تعاون مع وزارة الصحة لإيجاد حل حاسم لأزمة سيارات الإسعاف وإيجارها، مشدداً على ضرورة تعاون الأندية كافة فى هذا الملف خوفاً من سقوط ضحايا جدد فى ملاعبنا.

وقال سلطان فى تصريحات خاصة لماسبيرو الرياضى «كل الأندية المشاركة فى كل الأقسام تدفع مبالغ كبيرة، ولا يجوز أبداً التهاون فى الاستعانة بسيارة إسعاف بحجة أن استئجارها مكلف مالياً فهذا ضد المنطق».

كلام سلطان يشير ببساطة نحو دفع الأندية مبالغ طائلة لشراء ملابس وأدوات وصرف مكافآت للفوز ورواتب مدربين وعقود لاعبين لكن عند استجار سيارة إسعاف يتحول الأمر إلى أزمة مالية ومعاناة شديدة.

فى المقابل ترى أندية «الغلابة» بالمحافظات أن اتحاد الكرة شريك فى تلك الأزمات لأنه تفرغ فقط لجمع الأموال من الأندية دون دفع أى مستحقات لأطراف اللعبة.

اتحاد الكرة أجبر الأندية فى كل الأقسام وفى مسابقات الناشئين على سداد مستحقات الحكام وهو ما يكلف الأندية مبالغ طائلة وكان من باب أولى أن يتكفل الاتحاد بتلك المصروفات فى ظل الدخل المالى الكبير للجبلاية والتى يتحصل عليه من عقود الرعاية وغيرها.. ووقتها سيكون كل ناد بالقسمين الرابع والثالث على سبيل المثال قادراً على توفير سيارة إسعاف مع كل مباراة دون عناء.

أندية عديدة بالغربية والمنوفية ودمياط وكفر الشيخ وعدة محافظات بالصعيد طالبوا اتحاد الكرة ووزارة الشباب والرياضة بضرورة توقيع اتفاق رسمى مع وزارة الصحة لتوحيد قيمة استجار سيارة إسعاف فى المباريات نظير دفع 250 جنيهاً فقط وهو ما يرفع من الأعباء المالية على تلك الأندية.

مصدر مسئول بوزارة الشباب والرياضة - تحفظ على ذكر اسمه - قال إن طلب الأندية من الصعب تنفيذه على أرض الواقع لأن وزارة الصحة وهيئة الإسعاف المصرية سوف ترفضان بكل تأكيد نظراً لارتفاع تكاليف صيانة سيارات الإسعاف وعدم توافرها بأعداد كافية ومن ثم فإن زيادة رسوم تأجير سيارات الإسعاف سوف يتزايد مع مرور الوقت ولن تستطيع وزارة الرياضة المساهمة فى تلك التكاليف لأن الرياضة لا تنحصر فقط فى مباريات كرة القدم وسيكون لزاماً على الوزارة توفير سيارات إسعاف فى كل الملاعب وفى جميع الألعاب وهذا مستحيل على حد وصفه.

وقال المسئول بالوزارة «الحل يكمن فى ضرورة تخفيض رسوم استئجار السيارات وإلغاء أى مباراة لا تتوفر بها سيارة الإسعاف للحفاظ على الأرواح».

وتابع «سوف نحاول الوصول لحل وسط مع هيئة الإسعاف المصرية ووزارة الصحة فى هذا الصدد لمصلحة الجميع.. وسوف نحاول توقيع بروتوكول لحل الأزمة».

وعن وجود سيارات نقل الموتى فى بعض الملاعب علق قائلا «هذه رسالة سيئة ولا بد من تداركها.. خاصة مع تزايد الاهتمام بالمباريات حتى لو كانت فى الدرجة الرابعة».

** بعيداً عن الأضواء

هناك ملاعب كبرى بالأقاليم توجد وسط المقابر فلم يكن غريباً أن ترى خلف خط المرمى سيارة نقل الموتى.. ولا تنتظر الرقابة فى ظل فشل بعض المراقبين فى لجنة المسابقات دخول الملاعب لعدم حصولهم على كارنيه معتمد من اتحاد الكرة.. فكيف لهم أن يشرفوا على إجراءات السلامة والأمان؟.

بعيداً عن الأضواء وفى القسمين الرابع والثالث تقام معظم المباريات بدون سيارة إسعاف بعد تعهد إدارى الفريق صاحب الأرض بمسئوليته عن ذلك وكذلك مباريات الناشئين فى كل المحافظات بما فيها القاهرة والجيزة، فى حين يرفض الحكام بدء أى مباراة بالدورى الممتاز أ أو ب إلا فى وجود سيارة إسعاف.

التأمين على عناصر اللعبة

سقوط عدد من اللاعبين أو المدربين فى ملاعب الكرة يجبر المشرفين على المنظومة الرياضية والكروية على فتح ملف التأمين الإجبارى على عناصر اللعبة سواء كانوا لاعبين أو مدربين أو إداريين لكن قبل التأمين مالياً على عناصر اللعبة فمن الأفضل الحفاظ على أرواحهم بتوفير أدنى درجات الأمان.

أحمد مجاهد عضو مجلس إدارة اتحاد الكرة السابق أكد أن أكرم حفيلة مدرب فارسكور يعد شهيداً فى محراب كرة القدم ولم ينل شهرة أو مالاً ولكن شغفه بالكرة افقده حياته ومثله العشرات من المخلصين فى أقاليم مصر وأنديتها المظلومة ممن يضحون بكل شىء من أجل كرة القدم وأنديتهم المطحونة.

مجاهد أشار إلى أن الجميع يتحملون المسئولية وعلى كل الجهات أن تتحمل مشقة الوصول لحلول حقيقية لحماية الجميع فى ملاعب الكرة.

اما وليد العطار المدير التنفيذى لاتحاد الكرة فأكد أن الجبلاية قامت بصرف تعويض مالى لأسرة الفقيد لكنه فى الوقت ذاته رفض تحميل اتحاد الكرة المسئولية، مشيراً إلى أن اللائحة تؤكد أن مسئولية توفير سيارة إسعاف فى كل مباراة هى مسئولية الفريق المضيف.

من جانبها ترى لجنة الحكام باتحاد الكرة أن إجبار الحكام على إلغاء أى مباراة بمسابقات الناشئين والقسمين الثالث والرابع لا تتوافر بها سيارة إسعاف يعنى ببساطة إلغاء أكثر من 90 بالمائة من المباريات ومن ثم لا بد من البحث عن طرق أخرى للحل عن طريق إجبار كل فريق على الاستعانة بطبيب مختص بالإسعافات الأولية ويمتلك الأدوات المناسبة لإنقاذ أى مصاب أو مريض لحين نقله لأقرب مستشفى فى حالة عدم وجود سيارة إسعاف، وهو الأمر الذى يفتح قضية أخطر وهى عدم وجود أدوات صالحة للإسعافات الأولية وعدم وجود طبيب مع كل الفريق المشاركة بالأقسام المختلفة وهو ما يعرض حياة البشر فى ملاعبنا لخطر شديد.

عمرو الجناينى رئيس اتحاد الكرة اكتفى بتوجيه العزاء لأسرة مدرب فارسكور دون أن يضع حلولاً منطقية لأزمة سيارات الإسعاف أو التنسيق والتشاور مع الأندية أو توجيه دعم مالى للاستعانة بمتخصصين فى الإسعافات الأولية أو استئجار سيارات إسعاف، فى حين قدم هانى أبوريدة عضو المكتب التنفيذى للفيفا والكاف ورئيس اتحاد الكرة السابق العزاء واصفاً إياه بفقيد كرة القدم وكان على أبوريدة أن يدعو لمؤتمر موسع وورشة عمل لوضع خطة كاملة لإنقاذ الأرواح فى ملاعب الكرة بشتى الطرق الممكنة.

 


 	محمود شوقى

محمود شوقى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

«أزواج ». . ولكن

استغلال المرأة العاملة يؤدى للجريمة والانحراف ويهدد استقرار المجتمع بأكمله عضو لجنة الفتوى: شرط مساهمة المرأة فى أعباء الحياة باطل...

«المجنونة ».. تاريخ من الأزمات والضحك

أطاحت بوزراء ورموا بها «العندليب » فى أول ظهور له

أم عماد: جزارة وأفتخر

تجاوزت الخامسة والستين وتعمل دون كلل أو ملل

التوحد الرقمى.. علة الجيل الجديد

الذكاء الاصطناعى بات بديلًا عن التفاعل الإنسانى د. شريف اللبان: تكنولوجيا الاتصال أعادت تشكيل بنية الأسرة فصار لكل فرد عالمه...