على طول الطريق المؤدى لقرية "القراموص" بمركز أبو كبير محافظة الشرقية، لن ترى عيناك غير نبات البردى بسيقانه الطويلة وشواشيه الخضراء الجميلة؛ المصريون القدماء هم أول من
على طول الطريق المؤدى لقرية "القراموص" بمركز أبو كبير محافظة الشرقية، لن ترى عيناك غير نبات البردى بسيقانه الطويلة وشواشيه الخضراء الجميلة؛ المصريون القدماء هم أول من زرعوا هذا النبات الفريد الذى يشبه الأشجار الصغيرة، والذى كان مقدراً له أن يحمل كل حضاراتهم العظيمة بعد أن تفننوا فى تحويله إلى أوراق يدونون عليها معارفهم وعلومهم التى أذهلت العالم لآلاف السنين.
فى بداية سبعينيات القرن الماضى تخرج أحد أبناء قرية "القراموص" فى كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان؛ أهالى القرية كلهم لا يزالون يتذكرونه إلى اليوم ويرددون اسمه دائماً بفخر، هو الفنان "أنس مصطفى" الذى سيحمل على عاتقه إحياء صناعة الورق من نبات البردى من جديد، وسيخص بهذا السر العظيم قريته الصغيرة، فما هى إلا سنوات قليلة ويعود "أنس مصطفى" من البعثة التى ذهب فيها ليتعلم تاريخ الفنون فى إيطاليا إلى قريته من جديد، حاملاً معه السر الأعظم، ففى قطعة أرض لا تتعدى مساحتها الـ3 أمتار زرع نباتاً لم يكن يعرفه أحد من أهالى القرية فى ذلك الحين، وبعد أن وصل ذلك النبات الغريب إلى مرحلة النضج، وجد أهالى القرية الدكتور "أنس" وقد حول بيته إلى معمل لصناعة الورق البردى معيداً أمجاد فترة عظيمة من تاريخ مصر التى صدرت للعالم علومها وفنونها بواسطة تلك الصناعة القديمة.
نجحت تجربة "أنس" وبدأ شباب القرية يتوافد على منزله ليرى المعجزة، وأستغل أنس تلك الفرصة العظيمة، فدعا زملاءه الفنانين مثل فاروق حسنى وآدم حنين ليعلموا شباب قريته الرسم على ورق البردى، وكان يأخذهم لمعامل قسم النسيج فى كلية الفنون الجميلة ليدرسوا تقنية فصل الألوان.
وجد الفلاحون فى "القراموص" أن زراعة البردى غير مكلفة على الإطلاق، فتحمسوا لزراعته، خاصة بعد أن رأوا الأرباح التى تجنيها صناعة الورق من ذلك النبات القديم، وما هى إلا سنوات حتى تحولت القرية بالكامل إلى زراعة البردى.
"سعيد أبو على" كان أحد الشباب الذين عاصروا تلك الفترة الذهبية فى تاريخ قرية "القراموص"، هو بالضبط من الجيل الثانى الذى انتقل سريعاً لزراعة البردى وصناعة الورق منه؛ فرد "أبو على" مجموعة من لوحات البردى المرسومة بخط اليد، لوحات فرعونية وأخرى عربية، قائلاً: "كنا نصدرها إلى تايوان" وبتنهيدة تنم عن الأسى استطرد أبو على: "منذ 10 سنوات لم يكن فى القرية عاطل واحد، لا شاب ولا سيدة، حتى الأطفال كانوا يساعدون أهاليهم بالعمل فى صناعة البردى، لأن البيوت كلها كانت عبارة عن ورش ومصانع صغيرة تنتج الورق، والتسويق كان يتم بشكل يومى، فقد كان يأتى إلى قريتنا المستوردون وأصحاب البازارات أفوجاً، أما اليوم فنستقبل لجاناً من مجلس الوزراء بعد ضم القرية إلى لجنة تسمى (الصون العاجل) من أجل الحفاظ على مهنة زراعة وصناعة البردى التى أوشكت على الاندثار".
يشكو أبو على من أزمة السياحة التى تعتمد عليها صناعة البردى بشكل أساسى، فمنذ ثورة 25 يناير أصبح الإقبال على منتجات القرية التى تعيد أمجاد الفراعنة من جديد أقل كثيرا من الحجم المتوقع، الأمر الذى دفع العديد من الورش لغلق أبوابها تأثراً بتلك الأزمة، وقال أبو على: " لقد قمت بالتفكير خارج الصندوق، من خلال استغلال أوراق البردى فى عمل حقائب ومجسمات لمراكب وحافظات للملفات، كنماذج لمنتجات جديدة، بعد أن بارت المنتجات القائمة على الرواج السياحى، لأن أوراق البردى تتحمل وتعيش 100 سنة وأى منتجات منها بمرور الزمن يصبح لها قيمة تاريخية".
تجلس نساء القرية أمام البيوت، وأمام كل واحدة منهن حزمة من سيقان البردى المقطع فى مقاسات معينة، حتى تبدأ الأنامل المدربة فى تحويله إلى شرائح معدة للتصنيع، قالت السيدة خضرة محمد: "لست صاحبة ورشة للبردى ولا أملك أرضاً لزراعته، لكن صاحب المصنع يأتى به معبأ فى حمولات لنقوم بتشريح الحمولة، ونتقاضى على ذلك 12 جنيها". وتضيف خضرة: "سيدات القرية كلهن يعملن فى هذه المهنة، ويعتبرنها تسلية بدلا من الجلوس أمام البيوت بلا عمل، إنها تمثل دخلا إضافيا يساعدنا على أعباء الحياة".
ظل المصريون يكتبون على ورق البردى حتى الدولة الأموية، وفى بداية الدولة العباسية أبطل الخليفة "أبوجعفر المنصور" الكتابة على البردى وأمر بالكتابة على "الرق" الذى يستخرج من جلد الحيوان لاعتقاده بأنه كان أكثر متانة وقدرة على التحمل.
خيوط من البلاستيك معلقة فى بكرها على الحائط، والخيط مربوط فى النهاية بقطعة صغيرة من قوالح الذرة الجافة، تشدها "سماح عاطف" وبجوارها والدتها التى تفعل نفس المهمة، إنها أولى مراحل تصنيع البردى بعد حصاده من الحقل، حيث يتم تقطيعه إلى مقاسات حسب الطلب، وتقوم سماح مع أمها بعملية "التشريح" أو كما يسمونها "التشريخ" حيث تمسك كل واحدة منهن بساق البردى المقطع، وتدخل فيه الخيط البلاستيك المشدود على الحائط، ليتحول فى ثوان إلى شرائح تدخل بعدها المرحلة الثانية.
قالت سماح: "أنا ابنة الحاج عاطف صاحب المصنع، ومتزوجة فى قرية مجاورة، لكنى تعلمت المهنة منذ طفولتى، لأن المصنع فى بيتنا، وكل سيدات القرية يعملن فى البردى، كل واحدة منهن بعد أن تقضى شغل بيتها تتجه لورشة البردى، وأنا أعمل بعد زواجى لأقوم بسداد أقساط وأساعد زوجى فى المعيشة بدلا من الانشغال بالفيس بوك، وتساعدنى أمى لتخف عنى أعباء العمل، وحتى تزيد الكمية فيزيد إنتاجى فى اليوم وأحصل على أجر أكبر".
"شغل البردى كله يعتمد على النساء".. هكذا قالت والدة سماح، فأى ورشة تحتاج رجلا واحدا يقف على ماكينة التقطيع فقط، وباقى العمالة من السيدات، فمن الممكن أن يكون بالورشة عشرون سيدة ورجل واحد".
فى المرحلة الثانية من التجهيز تقف آمال مرسى وأمامها شرائح البردى لتقوم بوضعها فى "البوتاس" لتصبح الشريحة لينة سهلة التصنيع، ثم توضع فى "الكلور" لتحديد لون الورقة من الأبيض أو البنى، ثم تنتقل "آمال" بالورق لرصه شرائح عرض وطول بالتناوب وبين كل طبقة وأخرى، ويوضع قماش "الضمور" ثم يدخل المكبس ليعصر ويخرج الماء الزائد فيصبح الورق رقيقا بعد هذه المرحلة، وأخيراً ينشر فى الشمس لمدة يومين بعدها يدخل المخازن وتكون الورقة صالحة للاستخدام".
بدأ "عاطف شحاتة" صاحب المصنع فى شرح تجربته مع ورق البردى، هو من الجيل الأول الذى تعلم على يد الفنان "أنس مصطفى" الذى صار أيقونة المهنة وباعث سر أمجادها من جديد.
قال عاطف: "كنت فى سن صغيرة عندما أدخل الأستاذ أنس البردى للبلد، فى البداية كان يعمل وحده فى بيته، وبعد أن نجحت تجاربه، فتح بيته لكل أبناء البلد يتعلمون منه، فقد علمنا الزراعة والتصنيع، وعرفنا أن ورقة البردى أغلى ورقة فى العالم، لكنها لم تأخذ حقها فى التسويق على مستوى العالم، فهناك إهمال من قبل الحكومة فى عملية الترويج، وكان من الممكن أن تطبع تذاكر الطيران على أوراق البردى، فتكون دعاية عالمية وتصبح تذكرة طيران مصر تذكارا للسائح وللمصرى معاً، ومن الممكن أن تطبع الشهادات العليا مثل الماجستير والدكتوراه على ورق البردى، وهذا سوف يجعل الصناعة تقوم من جديد، فالقرية الآن وبعد آلاف السنين قامت بإحياء ورق الفراعنة، بالرغم من اننا نزرع ونصنع إلا أن العائد الأكبر يذهب للرسامين، فنحن نأخذ من الزراعة والصناعة ما يعادل الثلث، والتلتين يذهب للرسامين.
ويواصل عاطف: "شجرة البردى من الأشجار المعمرة التى تبقى فى الأرض لمدة 20سنة، وهى غير مكلفة فى زراعتها فلا تحتاج إلا الماء والسماد، ومخلفاتها تذهب وقوداً للأفران البلدى التى تخبز الخبز، فهى شجرة صديقة للبيئة، ويعتبر فصل الصيف هو الفصل المثالى لنمو نبات البردى، حيث يصل طول الشجرة إلى حوالى 5 أمتار.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تنظم الجمعية المصرية لزرع العدسات وتصحيح إنكسار العين المؤتمر السنوي الـ38 الأربعاء المقبل بمحافظة الأسكندرية ، بحضور عدد كبير من...
هانى بيتر: يجب التعامل مع الحملة ضدنا ك «حرب سمعة».. وعدم السماح بخلط الأوراق حسام هزاع: بالأرقام.. مصر بلد الأمن...
حالة تأهب فى جميع المنافذ والمعابر.. وتفعيل إجراءات الحجر الصحى لمنع التسلل مصر خالية تماماً من الفيروس.. ودرجة الحرارة أبرز...
ضيق الشرايين التاجية الأكثر انتشارًا