كثيرا ما يربط الناس بين الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، وبين الفاطميين، فبحسب الاعتقاد الشائع فإن الفاطميين هم أول الذين أدخلوا الاحتفال إلى مصر، غير أن العلامة جلال
كثيرا ما يربط الناس بين الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، وبين الفاطميين، فبحسب الاعتقاد الشائع فإن الفاطميين هم أول الذين أدخلوا الاحتفال إلى مصر، غير أن العلامة جلال الدين السيوطى كان له رأى آخر، بل إنه ألف كتابا بعنوان (حسن المقصد فى عمل المولد)، بين فيه مشروعية المولد، ورد على من يقول ببدعية الاحتفال بمولد خير الأنام.
عاش السيوطى فى العصر المملوكى، وعرف عنه هجومه الشرس على الشيعة، وانحيازه الكامل لأهل السنة والجماعة، والتدقيق الشديد فى كل ما يمكن أن يكون فيه شبهة شيعية، وهو ما يعنى أن الاحتفال بالمولد النبوى الشريف لم يكن بدعة شيعية فاطمية، بل إن عددا من المؤرخين يذهب إلى أن احتفال الفاطميين بذكرى المولد النبوى الشريف، لم يكن بالضخامة التى يتخيلها البعض، بل كانت احتفالاتهم بمولد الإمام على ومولد السيدة فاطمة الزهراء ومولد الإمام الفاطمى - الحاكم فى وقتها- تلقى معظم الاهتمام.
حسن المقصد
يبدأ "السيوطى" كتابه (حسن المقصد فى عمل المولد)، بالإشارة إلى ورود أسئلة له حول مشروعية الاحتفال بالمولد النبوى فى شهر ربيع الأول، ما حكمه من حيث الشرع؟.. وهل هو محمود أم مذموم؟.. وهل يثاب فاعله أم لا؟
ويجيب عن هذه الأسئلة بقوله: عندى أن أصل عمل المولد الذى هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن ورواية الأخبار الواردة فى مبدأ أمر النبى صلى الله عليه وسلم وما وقع فى مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط يأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك، هو من البدع الحسنة التى يثاب عليها صاحبها لما فيها من تعظيم قدر النبى صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف.
وأول من أحدث فعل ذلك هو الملك الأيوبى المظفر أبو سعيد كوكبرى حاكم "اربل"، وكان يحتفل بالمولد الشريف فى ربيع الأول احتفالا هائلا، وقد صنف له الشيخ أبو الخطاب بن دحية مجلدا فى المولد النبوى أسماه (التنوير فى مولد البشير النذير) فأجازه على ذلك بألف دينار.
ونقل السيوطى عن "سبط بن الجوزى" أنه قال: حكى بعض من حضر سماط "المظفر" فى بعض الموالد إنه عد فى ذلك السماط خمسة آلاف رأس غنم شوى وعشرة آلاف دجاجة ومائة فرس ومائة ألف زبدية وثلاثين ألف صحن حلوى. وكان يحضر عنده فى المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم، وكان يصرف على المولد فى كل سنة ثلاثة مائة ألف دينار.
بدعة مذمومة
ثم تطرق السيوطى لما قاله الفقيه المالكى تاج الدين عمر بن على الفاكهانى والذى اعتبر الاحتفال بالمولد النبوى بدعة مذمومة، وألف فى ذلك كتابا أسماه (المورد فى الكلام على عمل المولد) وذهب فيه إلى أنه ليس للاحتفال بالمولد أصل فى الكتاب ولا فى السنة، ولم ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، مع أن الشهر الذى ولد فيه صلى الله عليه وسلم - وهو ربيع الأول- هو بعينه الشهر الذى توفى فيه، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه.
ورد السيوطى على ما قاله الفكهانى فقال: إن قول الفكهانى "لا أعلم لهذا المولد أصلا فى كتاب ولا سنة"، يرد عليه بأن نفى العلم لا يلزم منه نفى الوجود.
وقوله: إن الاحتفال بالمولد بدعة أحدثها البطالون. يرد عليه بأن من أحدث الاحتفال أو ابتدعه ملك عادل عالم، وقصد به التقرب إلى الله تعالى، وحضر عنده فيه العلماء والصلحاء.
وأن المحدثات أو البدع من الأمور ضربان: أحدهما: ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة الضلالة. والثانى: ما أحدث من الخير وهذه محدثة أو بدعة غير مذمومة. وقد قال عمر رضى الله عنه فى قيام شهر رمضان: (نعمت البدعة هذه) يعنى أنها محدثة لم تكن.
ويرد السيوطى على قول الفكهانى أن ربيع الأول هو بعينه الشهر الذى توفى فيه النبى صلى الله عليه وسلم، فليس الفرح فيه بأولى من الحزن فيه. فيذكر أن ولادته صلى الله عليه وسلم أعظم النعم علينا، ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم، والصبر والسلوان والكتم عند المصائب، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة، وهى إظهار شكر وفرح بالمولود، ولم يأمر عند الموت بذبح ولا غيره، بل نهى عن النياحة وإظهار الجزع، فدلت قواعد الشريعة على أنه يحسن فى هذا الشهر إظهار الفرح بولادته صلى الله عليه وسلم دون إظهار الحزن فيه بوفاته.
مدح الشكر وذم المحرمات
ثم يتطرق السيوطى بالشرح لكتاب "المدخل على عمل المولد" للإمام أبو عبد الله بن الحاج، والذى مدح ما فى الاحتفال من إظهار شعائر الإسلام وشكر المولى عز وجل، وذم ما احتوى عليه من محرمات ومنكرات. مؤكدا أن الاحتفال بمولد النبى الأعظم صلى الله عليه وسلم لا يذم فى حد ذاته، بل يذم ما يحتوى عليه من المحرمات والمنكرات التى يرتكبها البعض وهو يتوهمون أنهم يحسنون صنعا، فينبغى أن يخص هذا الشهر بزيادة فعل البر وكثرة الخيرات والصدقات وغير ذلك من وجوه القربات، وهذا هو عمل المولد الذى استحسناه، فإنه ليس فيه شىء سوى قراءة القرآن وإطعام الطعام وذلك خير وبر وقربة.
واستشهد السيوطى على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوى بما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانى، حيث قال: أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى فى عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة، وإلا فلا.
فما يعمل فى المولد فينبغى أن يقتصر على ما فيه الشكر لله تعالى مما تقدم ذكره من التلاوة والإطعام والصدقة وإنشاد شىء من المدائح النبوية والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة.
وأما ما يتبع ذلك من السماع واللهو وغير ذلك، فما كان من ذلك مباحاً بحيث يقتضى السرور بذلك اليوم، فلا بأس بإلحاقه به، وما كان حراما أو مكروهاً فيمنع.
عرف التعريف
ويستشهد الإمام السيوطى بما ذكره إمام القراء الحافظ شمس الدين بن الجزرى فى كتابه (عرف التعريف بالمولد الشريف)، حيث قال: إذا كان أبو لهب الكافر الذى نزل القرآن بذمه يخفف عنه كل ليلة اثنين، لفرحه بمولد النبى وإعتاقه "ثويبة" عندما بشرته بولادة النبى صلى الله عليه وسلم، فما حال المسلم الموحد من أمة النبى صلى الله عليه وسلم يسر بمولده ويبذل ما تصل إليه قدرته فى محبته صلى الله عليه وسلم، لعمرى إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم. ثم أنشد:
إذا كان هـذا كافرا جـاء ذمـه... وتبت يـداه فى الجحـيم مخـلدا
أتى أنـه فى يـوم الاثنين دائـما... يخفف عنه للسـرور بأحــمدا
فما الظن بالعبد الذى طول عمره... بأحمد مسرورا ومات موحـــدا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لا شك أن الصراعات الإقليمية والعالمية أثرت بشكل كبير على سلاسل الإمداد حول العالم خاصة مع توقف الملاحة فى العديد...
د. عمرو الوردانى: الدولة المصرية تغلق "أبواب الرحلات الخلفية".. وعقوبات تنتظر المخالفين ناصر تركى: نقلة نوعية فى تأمين ضيوف الرحمن.....
عبد الغفار مغاورى: تعديل قانون التأمينات لمعالجة الأعباء المالية.. ومطالب برلمانية لتعديل الحد الأدنى للمعاشات عبد المنعم إمام: تحركات لدعم...
النائب عصام هلال: إهتمام القيادة السياسية بملف الأحوال الشخصية يستهدف استقرار الأسرة خبيرة حقوقية: لا بد من تنظيم حق الكد...