عندى شغف عظيم وقديم ومتزايد بسيرة القطب الصوفى المهيب سيدى أحمد البدوي، الذى احتفل مريدوه ومحبوه بمولده قبل أيام، وزحفوا من كل البلدان إلى مقامه العامر فى طنطا، فى
عندى شغف عظيم وقديم ومتزايد بسيرة القطب الصوفى المهيب سيدى أحمد البدوي، الذى احتفل مريدوه ومحبوه بمولده قبل أيام، وزحفوا من كل البلدان إلى مقامه العامر فى طنطا، فى تلك المظاهرة المليونية السنوية فى محبة شيخ العرب..
ويتواصل الشغف ويزداد رغم أنى لم أحظ بزيارة (فتوة الأولياء) والصلاة فى مسجده، ورغم المحاولات وسلامة النية إلا أنه فى كل مرة كان يظهر فى اللحظات الأخيرة ما يعطل ويحول ويمنع أو قل يؤجل، وهو ما فسرته لى صديقتنا المخرجة السينمائية الموهوبة جيهان الأعصر – بيقين أولاد (الطريق)- بأن الشيخ لم يأذن لى بعد، وعليّ أن أكون فى وضع الاستعداد والتأهب عندما يأتى (الإذن)، وعندها ربما أكون بعدها من (المقربين)!
وجيهان الأعصر واحدة من الأسباب الرئيسية فى محبتى وشغفى بشيخ العرب، فما ذكرته عنه فى فيلمها البديع (مكتوب عن الحب) يهز القلب ويغسل الروح ويسيل الدمع ..
و(مكتوب عن الحب) ليس فيلما تسجيليا عن محبة المصريين العارمة لسيدنا النبى، متجسدة ومتجلية فى عشقهم للأولياء من آل بيته الذين تشرفت مصر بمقاماتهم، من مولانا الحسين إلى البدوى، ومن ستنا نفيسة إلى الشاذلى .. لكنه فوق ذلك حضرة زكية، تتقاطر فيها المحبة والسماحة والرضا، حيث لا حضور إلا لمن أتى بقلب سليم..
وعلى صور من المقام الأحمدى ومريديه يطل صوت جيهان الأعصر، يتلو فى خشوع نورانى بعضا مما ورد على لسان صاحب المقام:
أنا الملثم فسل عنى وعن هممي
ينبيك عزمى بما قد قلته بفمي
أنا السطوحى واسمى أحمد البدوي
فحل الرجال إمام القوم فى الحرم
مذ كنت طفلا صغيرا نلت منزلة
وهمتى قد علت على سائر الهمم
****
إذا دعانى مريدى وهو فى لجج البحار
نجا من سطوة العدم
لك الهنا يا مريدى لا تخف أبدا
واشطح بفكرى بين البان والعلم
أنا الملثم أنا السلطان أنا البدوي
ليس التخلى عن الأتباع من شيمي
أبنائى كالزيتون ..بعضها صغير وبعضها كبير
ومن لا زيت له فأنا زيته.. مساعد له فى جميع أموره
لا بحولى وقوتى ..بل ببركة النبى صلى الله عليه وسلم".
ولم يتسع الفيلم لسرد تلك العلاقة المدهشة التى ربطت الرئيس السادات بمقام البدوى، ولا ما جرى داخل المقام قبل ساعات من حرب أكتوبر :
لا يعرف بتلك الواقعة إلا ندرة من كبار شيوخ ومريدى الطريقة الأحمدية, يتداولون تفاصيلها ويعدونها من كرامات شيخ العرب.. تقول تفاصيل الواقعة إن الرئيس السادات ذهب فجر يوم الخميس 4 أكتوبر 1973 إلى المسجد الأحمدى بطنطا, حيث أدى صلاة الفجر كما اعتاد, لكنه هذه المرة لم ينصرف بعد أداء الصلاة كما اعتاد ..بل همس فى أذن إمام المسجد بطلب أثار دهشته: عايز أدخل غرفة الأثر الأحمدى !
وغرفة الأثر الأحمدى لمن لا يعرف هى الغرفة الملحقة بضريح شيخ العرب وتضم آثاره الباقية وعلى رأسها عباءته التى لم يجرؤ أحد على استخدامها منذ انتقاله إلى رحاب مولاه.. لكن السادات وحده جرؤ وطلب إخراج عباءة البدوى الملثم من دولابها, وتناولها بخشوع وقبلها برفق ثم فردها وارتداها ..ونام بها على أرض الحجرة, واستأذن الحاضرين أن يتركوه نائما حتى الصباح !
وطال نوم السادات فى حجرة الأثر الأحمدى, إلى أن دخل عليه إمام المسجد وخادم الضريح الشيخ أحمد حجاب فوجد إمارات البشر على وجهه, فعانقه السادات وقبّل رأسه,وعاد إلى غرفة العمليات بالقوات المسلحة, لتشتعل الحرب بعد ساعات ويحدث العبور العظيم فى يوم السبت 6 أكتوبر ..الموافق لبدء مولد شيخ العرب .. (وكثيرون لا يلحظون هذا التوافق المدهش بين مولد البدوى وذكرى العبور).
لا يعرف كثيرون أن السادات كان متصوفا حقيقيا ومن أبناء الطريقة الأحمدية ومريدى جامع شيخ العرب, ويحرص على الصلاة فيه فجر كل جمعة, ويرتبط بصداقة عميقة مع إمامه الشيخ أحمد حجاب, الذى كانت له مع السادات قصة مدهشة, إذ أوصى الشيخ قبل انتقاله أن يدفنه السادات بنفسه فى الحجرة المدفون بها شقيق سيدى عبد العال خليفة شيخ العرب وتلميذه الأثير, فلما استغرب السادات من الطلب, إذ كيف يدفنه فى قبر معمور, لكن الشيخ أصر على وصيته, ولما كانت له فى قلب السادات مكانة خاصة بحكم أنه شيخه الذى أخذ العهد على يديه بالتعبير الصوفى, فقد طلب السادات تنفيذ الوصية, ولما فتحوا القبر المطلوب وجدوه خاليا ووجدوا الجثمان الخاص بشقيق سيدى عبد العال قد انتقل إلى جوار شقيقه المدفون على بعد خطوات منه .. دفنه السادات بيديه وصلى عليه !
(2)
وشيخ المداحين وعمدتهم سيد النقشبندى واحد من أسباب محبتى لشيخ العرب، وكان عشقه للبدوى مضرب الأمثال، فعاش بجواره حتى آخر حياته، رافضا كل المغريات والضغوط لكى ينتقل إلى القاهرة حيث المجد والأضواء، مفضلا ومتمسكا بالإقامة فى طنطا، موقنا برؤيا رآها فى المنام، فقد جاءه البدوى يطلب منه أن يتراجع عن قراره بالرحيل إلى القاهرة، وكان قد عقد العزم بعد أن ذاع اسمه وصيته وأصبح مطلوبا فى حفلات الإذاعة والمناسبات الدينية، وقبل الرحيل بأيام زاره البدوى فى المنام ليقول له : لا تتركنى يا سيد !
صدق النقشبندى الرؤيا، وقرر أن يستجيب للزائر، وعاش إلى جوار المقام الذى بدأت منه شهرته، منشدا فى مولده وقارئا فى رحابه ورافعا للأذان فى ساحته ..
وحتى بعد أن أصبح النقشبندى علما للإنشاد الدينى فى العالم الإسلامى، وردد المحبون معه أغنيته الأشهر (مولاى إنى ببابك)، التى كتبها عبد الفتاح مصطفى ولحنها بليغ حمدى بأمر الرئيس السادات الذى كان من كبار محبى صوت الشيخ سيد وسميعته، ظل الشيخ سيد مقيما فى طنطا، لا يغادرها إلا لزيارات سريعة وارتباطات عاجلة .. ولا تستقر روحه إلا بجوار شيخه الذى زاره فى المنام متمنيا عليه : لا تتركنى يا سيد!
(3)
ويزداد الشغف ويتضاعف بسيرة البدوى الملثم مع صدور تلك الرواية البديعة عنه :(الصوفى والقصر..سيرة ممكنة للسيد البدوي) والتى كتبها الروائى والمفكر الفلسطينى المرموق د. أحمد رفيق عوض، وصدرت قبل شهور فى رام الله، وهى رواية كاملة فى 303 صفحات تحكى تفاصيل حياة البدوى وسيرته، وفيها من تجليات الكتابة والسرد الكثير..
نحن إذن أمام سيرة مغايرة للسيد البدوى، يبدأها مؤلفها منذ أن بلغ الرجل الأربعين من عمره، ناسكا متعبدا منقطعا للذكر وحيدا فى مغارة معتمة بجبل أبى قبيس على أطراف مكة المكرمة، أحب بلاد الله إلى الله ورسوله، البلد الحرام الذى جاءه صبيا مهاجرا مع أسرته من مدينة فاس المغربية ..إلى أن ينتهى به المقام فوق سطح داره بقرية صغيرة مجهولة فى قلب دلتا مصر، سرعان ما حولها إلى مدينة عامرة وقبلة لمحبيه وزواره وواحدة من أشهر المراكز الروحية فى العالم، رقق المصريون اسمها من (طنطدة ) إلى ( طنطا )!
كان أحمد بن على بن يحيى ينتمى إلى أسرة من الأشراف، إذ يمتد نسبه إلى مولانا الحسين، وفى مكة التى اختارها والده مستقرا لم يبق له الموت سوى شقيقته فاطمة وشقيقه حسن التاجر المجتهد، الذى لم يكن فقط هو كافله وراعيه نفقة ومعاشا، بل كان كذلك شيخه الأول فى طريقه إلى الله، وعلى يديه أخذ خرقة التصوف ..وعلى دربه سار سنيا شافعيا ..ورفاعيا قادريا نسبة إلى الوليين أحمد الرفاعى وعبد القادر الجيلانى.
تقدم الرواية وصفا تفصيليا لشخصية البدوى، شكلا وفكرا، فقد كان قوى البنية أعطاه الله بسطة فى الجسم، ثم إن له " وجها عريضا مبقعا ببثور جدرى قديم وبشامتين على أنفه وجرح بين عينيه، ولولا عيناه القويتان والثاقبتان لكان وجها من تلك الوجوه التى لا تترك أثرا " .. قوة الجسد جعلت منه فارسا لا يشق له غبار، وذاع صيته كمحارب شرس فى جيش الأمير حسن ومعاركه للاستحواذ على الحكم فى مكة وصراعه مع شقيقه راجح، وأشتهر البدوى بقدرته على أن يبارز بسيفين فى وقت واحد ..
لكنه سرعان ما أدرك أنه ما خُلق إلا للحب ولذكر الله، تحكى الرواية : ما إن انتهت فتنة القتال بين الشقيقين الأميرين حسن وراجح اعتزل أحمد الناس جميعا، قال له شيخه برى إن عليه أن يغتسل، فلما اغتسل رجع إليه وقال : لقد اغتسلت يا شيخى، تبسم الشيخ الذى بدأت عيناه فى الغياب : ما هذا قصدت يا بنى ..اغسل قلبك .. اغسل يديك ..اغسلهما بالدموع .قال أحمد علمنى يا شيخ. قال الشيخ : ان تقول ذلك وأن تسألنى ..يعنى كأنك تقول أريد أن أقلدك ..لا تقلد حبى ..اصنع حبك بيديك أو بعينيك أو بقلبك ..أو بكل ذلك ".
أصبحت حياة البدوى بعدها رحلة للبحث عن الله، فهرب من مكة أمام إلحاح أميرها الجديد ليضمه إلى جيشه، قرر أن يخلى قلبه من شهوات الدنيا وصراعاتها وألا يكون فى قلبه مكان إلا لله، وأن يقضى وقته مأخوذا بذكره لا يشغله سواه، وبدأت نفحات الله وكراماته تهطل عليه، وبدأت الأسرار العلوية تتفتح له، وهو ما أدركه فى تلك الرؤيا التى تجلت القدس وحولها ..له فى ذلك الخان الصغير بقلعة الكرك الذى نزل فيه على أبواب مدينة الله التى بارك فيها وحولها..
فى الرواية مواقف درامية مذهلة من حياة القطب الصوفى المهيب، ستتوقف بينها حتما عند قصته مع فاطمة بنت برى، أجمل نساء زمانها وأكثرهم فتنة ومالا، وكانت قد اشتهرت بقدرتها على إغواء الزهاد والعبّاد، فتدخلهم فى امتحان رهيب، لم ينجح فيه أحد ..حتى ساقت الأقدار إليها أحمد البدوى فى أرضها على أطراف الموصل ..
تحكى الرواية ببلاغة عن هذا اللقاء بين الزاهد والفاتنة فى خيمتها: " وما هى إلا لحظات حتى دخلت الأميرة فاطمة بنت برى يتبعها بطانتها من نساء وخدم ورجال آخرين من دون لحى أو شوارب، قام الشيخ على رجليه، كانت الأميرة فاطمة تضع نقابا شفافا على وجهها، ورغم ضوء الأسرجة القوى إلا أن الشيخ لم ير منها سوى جرمها الطويل الفارع.. عاد الصوت المموج الموقع إلى إثارة الخواطر: أهلا بك يا شيخ أحمد..سقط الصوت على قلب الشيخ، تذوقه، تملاه، قرأه، وقع بين نصلين حادين: نصل الرجل ونصل العارف، تدفق الدم من عروقه مثل كوكبة من الأحصنة تركض فى برية لا حدود لها ..قال الشيخ أحمد بصوت أو بغير صوت: لا يهم ..يا فاطمة لا تمتحنيني..ردت بصوت أو بدونه: لا يهم، كلكم متشابهون، أجساد الأسود وقلوب الثعالب.. قال بصوت أو من دونه : الله وحده من يحاسب ومن يغفر.. قالت بصوت أو من دونه : أنا ابتلاؤه ..قال بصوت أو من دونه : تخطئين مرتين، تتحدثين باسمه وبأمره، ثم تبتذلين نفسك، وأنتِ أكرم من ذلك...قالت بصوت أو من دونه : لم تر جمالى حتى الآن ..ألست رجلا؟..ندت عن الأميرة حركة غاضبة، مدت كفيها إلى نقابها ثم رفعته ببطء إلى وجهها : يا إلهى العظيم، صار الوجه الوضئ كله أمام الشيخ أحمد ".
وبعد حوار طويل واختبار قاس ينتصر الزاهد على الفاتنة: " قالت الأميرة بصوت متردد، متواضع خفيض: أشهد الله، وأشهدك يا شيخ أننى لن أفعل هذا مع زاهد أبدا، ادع لى الله أن يغفر لى ..لم يشعر الشيخ بالزهو أو الانتصار وهو يقول : اصلحى قلبك أيتها الأميرة قبل أن تصلحى غيرك.. قالت : دعنى أقبل يديك..قال وهو يهم بالمغادرة : لا تفعلى أيتها الأميرة ".
ومنذ أن استقر فى طنطا صار السيد البدوى حبيبا للمصريين .. يتبركون بمقامه ويسعدون بجواره ويتلمسون بركته ..صار زيت من لا زيت له ..
فيا شيخنا ..فى انتظار الإذن بالزيارة ..والقرب!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أعلنت وزارة الصحة المصرية مؤخرًا عن بدء تشغيل أول روبوت جراحى فى مستشفيات الوزارة بمعهد ناصر،
من دفتر أحوال الشرطة وفقاً لتقارير الداخلية حوادث العقر منتشرة فى فى أكثر من محافظة
عبير عاطف: يجب تبنى استراتيجية شاملة لتعزيز مهارات التفاهم والهدوء النفسى قبل الزواج إبراهيم عطية: الظروف الاقتصادية تؤدى إلى شجار...
حصلت على المركز الأول فى الغناء على مستوى الجمهورية