التـاريخ السرى لمرشدة الجماعة

من تكون تلك المرأة الحديدية التى تدخل بقدميها فى صراع دموى، وتبارك الاغتيالات وتشارك فى انقلابات، وتتحدى زعيما بسطوة عبدالناصر، وتدخل السجن بتهمة التآمر على قلب نظام

من تكون تلك المرأة الحديدية التى تدخل بقدميها فى صراع دموى، وتبارك الاغتيالات وتشارك فى انقلابات، وتتحدى زعيما بسطوة عبدالناصر، وتدخل السجن بتهمة التآمر على قلب نظام الحكم، وتنتزع لنفسها دورا ومكانة وسط جماعة دينية سياسية تسعى للسلطة بقوة المصحف والمسدس؟!

فى وقت كانت فيه المرأة المصرية تقبع فى (الحرملك) راضية بدور (ست البيت) كانت زينب الغزالى تسعى لأن تكون (ست الجماعة) ووزيرة ماليتها وصاحبة رأى ومشاركة فى كل المعارك وفاعلة فى كل الأزمات والمؤامرات والصراعات.. ورغم أن عمر جماعة الإخوان يقترب من التسعين عاما فإنها فشلت بجدارة فى أن تقدم منافسة واحدة لزينب الغزالى، ومن قدمتهن الجماعة فى ذروة صعودها بعد يناير 2011 على أنهن قيادات نسائية إخوانية مثل أم أيمن وجيهان الحلفاوى لم تكن المقارنة أبدا فى مصلحتهن، فقد ظلت زينب الغزالى هى (أيقونة) الإخوان.. وسيدتهم الأولى حتى بعد رحيلها!

ولابد أن الذين تابعوا الجزء الثانى من مسلسل (الجماعة) استوقفتهم شخصية الحاجة زينب الغزالى، التى جسدتها الفنانة صابرين بحرفية وبراعة، وبكل ما تتميز به من قوة وصلابة ومغامرة ودهاء.. أعاد المسلسل زينب الغزالى إلى الحياة من جديد، وذكّرنا بسيرة هذه الإخوانية العتيدة التى كانت شاهدة ومشاركة وفاعلة فى فصول الصدام الدامى بين عبدالناصر والجماعة..

قدم المسلسل تفاصيل كثيرة من سيرتها وملامح شخصيتها، لكن وحيد حامد الكاتب الكبير ومؤلف ومؤرخ (الجماعة) لم يقدم زينب الغزالى (كاملة)، فهناك تاريخ سرى لها لم يهتم به المسلسل ولم يتوقف عنده كثيرا!

صفحات كثيرة مثيرة من هذا التاريخ وجدتها عند عمرو عبدالمنعم الباحث فى تاريخ الإسلام السياسى، وواحد من الذين أتيحت لهم محاورة (الحاجة زينب) والإبحار فى عقلها وذاكرتها.. يحكى لى أن أول لقاء جمعهما كان فى عام 1992، وذهب إليها ليجرى معها حوارا صحفيا لصالح جريدة عربية، وأول ما لفت نظره عندما التقاها هو بنيانها الجسمانى القوى، وصوتها الجهورى الذى كان يميزها كخطيبة، وكذلك ملابسها البيضاء الناصعة (وكان الأبيض لونها الدائم)، وعقلها المتفتح: فكانت تسلم باليد على ضيوفها من الرجال، وتضع (طفاية) سجائر على مكتبها للمدخنين من ضيوفها، ولها حجرة مكتب خاصة تستقبل فيه زوارها وفيها كانت تضع صورا لقيادات جماعة الإخوان ورموزها يتوسطهم حسن البنا بالطبع.. الرجل الذى دخلت الجماعة على يديه.

وفى مكتبتها كنت تجد روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقى وإحسان عبدالقدوس، وليس سرا أنها التقت بإحسان رغم أنها كانت تصفه فى كتاباتها بأنه (أديب ماجن)، وبحكم صداقة كانت تجمعها بمحمد عبدالقدوس فإنه رتب لها موعدا مع والده، ولم يمانع إحسان فى مقابلة سيدة الإخوان، عسى أن يجد فيها (كاركترا) يمكن أن يجعله شخصية فى رواياته، والمدهش أن الحاجة زينب خرجت مبهورة بشخصية إحسان، وعرضت عليه مداعبة أن ينضم لجماعة الإخوان و(يتوب) عن (الأدب الجأهلى) الذى يكتبه!

ومما لفت نظر عمرو عبدالمنعم فى زيارته الأولى للحاجة زينب وجود سيدة (عليها بؤس الزمن وعلاماته) تقوم بمهمة مديرة منزل سيدة الجماعة الشهيرة، وعرف فيما بعد حينما حاور نجيب عبدالفتاح إسماعيل (ابن القيادى الإخوانى المعروف وزميل الحاجة زينب فى تنظيم 65 المتهم بمحاولة قلب نظام الحكم) أن تلك السيدة اسمها عزيزة، وكانت مسجونة بسجن القناطر وقت أن كانت الحاجة زينب تقضى فترة عقوبتها وتولت خدمتها ورعاية شئونها (بالمناسبة تم إيداع الحاجة زينب فى عنبر "المتسولين" بسجن القناطر وهو الذى يضم المحكومات عليهن فى جرائم خفيفة كالتسول وفيه يسمح للسجينات السياسيات باتخاذ مساعدة لخدمتهن.. وفضلت إدارة السجن إيداعها بعيدا عن عنبر الجنائى والمحكومات فى قضايا القتل والدعارة)، ولما خرجت عزيزة بعدها من السجن لم تجد لها مأوى فلجأت إلى الحاجة زينب، فخصصت لها حجرة فى فيلتها بجوار كلية البنات بمصر الجديدة، وكانت هى التى تشرف على الأعمال المنزلية.

الحياة الخاصة لزينب الغزالى كانت من (المحرمات) فى سيرتها وخطا أحمر لا تسمح بالمرور منه أبدا.. فلا أحد يعرف شيئا عن زوجها الأول، والمعلومات المتوافرة عن زوجها الثانى محمد سالم شحيحة جدا، وإن كانت تتكلم عنه بإجلال وتقدير فى جلساتها، وحسب عمرو عبدالمنعم فإن قيادات إخوانية وشخصيات عربية عرضت الزواج من زينب الغزالى بعد انفصالها عن محمد سالم لكنها رفضت، وربما كان من أسباب عزوفها عن الزواج الحريق الذى تعرضت له فى صباها وشوه جسدها.. الحقيقة المؤكدة أنها تزوجت مرتين ولم تنجب!

روت زينب الغزالى سيرتها العامة خاصة علاقتها ودورها بجماعة الإخوان فى كتابها (أيام من حياتى)، وحكت بالتفصيل مهمتها فى تكوين تنظيم 65 القطبى التكفيرى الذى حاول قلب نظام حكم عبدالناصر الذى كانت تعتبره عدوا للإسلام، وهى مهمة بدأت بعدما التقت عبدالفتاح إسماعيل فى السعودية بعد خروجه من السجن فى قضية 54، وباركت أفكاره وخطواته التكفيرية الانقلابية.. وعبدالفتاح هو شقيق القيادى الإخوانى الذى كتب فيه الهضيبى كتابه الشهير (دعاة لا قضاة) منتقدا أفكاره المتطرفة.. وعلى إسماعيل (الذى تعود جذوره إلى كفر البطيخ بمحافظة دمياط) هو والد الزوجة الأولى للشيخ على جمعة مفتى الديار المصرية السابق..!

لكن هناك جوانب مجهولة فى سيرة الحاجة زينب حاولت جاهدة أن تخفيها وكذلك تصر الجماعة أن تنفيها، لعل على رأسها دورها فى محاولة الانقلاب على السادات فيما عرف بتنظيم (الفنية العسكرية) فى ربيع عام 1974، وأترك عمرو عبدالمنعم (الحاصل على الماجستير من قسم التاريخ بآداب جامعة القاهرة عن دراسة قيمة فى الفتوى وقضايا المجتمع المصرى فى النصف الأول من القرن العشرين) ليحكى التفاصيل:

بعد (ضربة) 1965 التى كسرت ظهر الجماعة بإعدام وسجن قياداتها حاول شباب الجماعة إحياء الفكر الجهادى وظهرت 3 تيارات فى الإسكندرية والجيزة وشبرا اجتمعت فى عام 1973 على شخصية جاءت إلى مصر فى ضيافة زينب الغزالى، وهو صالح سرية فلسطينى الأصل عراقى الجنسية، وكان من قيادات الجماعة فى العراق ودخل فى نزاع مع مراقب الجماعة فى العراق عبدالكريم زيدان وقرر أن يأتى إلى القاهرة ليشكوه للمرشد العام للجماعة، ورأت فيه الحاجة زينب شخصية قيادية شابة ومختلفة وأكثر حماسا من قيادات الجماعة الذين أرهقتهم سنوات السجن.

وعرفته الحاجة زينب على قيادات فى الجماعة، وعن طريقها تعرف على محمد إبراهيم سالم قائد التنظيم الجهادى فى الإسكندرية والذى كان أبرز أعضائه طلال الأنصارى وهانى الفرنوانى.. وبدأ صالح سرية يستقطب الشباب المتحمس فى تلك الجماعات، وكان أغلبهم يؤمن بالفكر القطبى التكفيرى، وانتهى الأمر إلى التخطيط لإقامة دولة إسلامية فى مصر عن طريق انقلاب مسلح، وكانت الخطة أن يقوموا بالهجوم على مقر الكلية الفنية العسكرية والاستيلاء على ما فيها من أسلحة وذخائر والتوجه إلى مقر الاتحاد الاشتراكى حيث يعقد السادات اجتماعا مع أركان حكمه ويتم اعتقاله وتُعلن الدولة الإسلامية بقيادة صالح سرية.. لكن الخطة فشلت وجرى القبض على قيادات التنظيم ومنهم صالح سرية الذى كان يقيم مع أسرته فى شقة بالدقى، وقبضوا عليه فى شقته وأغلقوا بابها ووضعوا حراسة على زوجته وأولاده، وحكى لى أحمد ابن صالح سرية فيما بعد أن والدته اتصلت بزينب الغزالى تستنجد بها أنهم قطعوا عنهم المياه والكهرباء، فتوجهت إليهم الحاجة زينب واشتبكت مع الضابط المكلف بالحراسة وكسرت باب الشقة وكانت تحمل كيسا من البرتقال، وخلال دقائق جاء اللواء فؤاد علام القيادى بأمن الدولة وألقى القبض عليها واصطحبها إلى لاظوغلى حيث كان يجرى التحقيق مع قيادات تنظيم الفنية العسكرية، وواجهها فؤاد علام باعترافات طلال الأنصارى الذى أقر بدورها فى التنظيم، وعندما دخلت الحاجة زينب على المتهمين اتجهت مباشرة إلى حيث يجلس طلال الأنصارى ورفعت العصابة السوداء من فوق عينيه وقالت له بغضب: انت عيل يا طلال.. ثم بصقت عليه!

وكانت تلك رسالة منها مشفرة إلى طلال: "ما دمت قد وقعت و(شلت) القضية فلا تورط معك آخرين"، وقد فهم طلال الرسالة بدليل أنه غيّر أقواله فيما بعد فى النيابة ونفى أى صلة لزينب الغزالى بالتنظيم ومحاولة الانقلاب.. وكانت هناك بعدها صفقة صامتة بين الجماعة والتنظيم، حيث تولى محامو الإخوان الدفاع عن المتهمين فى القضية، كان منهم عبدالله رشوان ومحيى قمر والمحامى الشاب وقتها مختار نوح.

نفت زينب الغزالى أية صلة لها بتنظيم الفنية العسكرية ومحاولة قلب نظام حكم السادات، لكن كل الشواهد كانت تدل على ضلوعها ودعمها ومباركتها للعملية، وما زالت القضية محل جدل تماما مثل قضية تعذيبها فى سجون عبدالناصر، فما حكته زينب الغزالى عن وقائع تعذيبها فى السجن الحربى فوق الخيال وطاقة البشر، ومن الإخوان أنفسهم من اعترف بأن الحاجة زينب بالغت كثيرا فى حكايات تعذيبها بغرض تشويه عهد عبدالناصر، ووصفها إخوانى سابق مثل ثروت الخرباوى بأنها (ست كدابة) وهو الوصف نفسه الذى استخدمه وحيد حامد عندما سئل عن رأيه الشخصى فيها!

أعود إلى الباحث فى تاريخ جماعات الإسلام السياسى عمرو عبدالمنعم الذى يشكك هو الآخر فى وقائع تعذيب زينب الغزالى استنادا إلى شواهد كثيرة بينها شخصية عبدالناصر نفسه كرجل صعيدى صاحب نخوة تمنعه من تعذيب النساء وإهانتهن، فالثابت أنه أخر اعتقال المتهمات فى تنظيم 65 مثل زينب الغزالى وحميدة قطب وعلية الهضيبى، وأنه تعاطف مع زوجة عبدالمنعم عبدالرؤوف وكان من مؤسسى حركة الضباط الأحرار وينتمى لجماعة الإخوان وحكم عليه بالإعدام بعد الثورة، وقد لجأت إليه زوجته بعد الحكم تستعطفه لتخفيفه، وهناك رواية تقول إن عبدالناصر (تساهل) فى هروب عبدالمنعم خارج مصر!

لكن زينب الغزالى ظلت على موقفها من عبدالناصر وتعذيبها، وروت أن الضابط المسئول عن تعذيبها اعتذر لها وجاء بنفسه إلى بيتها بعد أن أصبح وزيرا للداخلية ليطلب منها الصفح والمسامحة.. ولم يكن هذا الضابط سوى اللواء أحمد رشدى!

زينب الغزالى شخصية درامية مثيرة تستحق مسلسلا بمفردها، يعكف السيناريست أحمد عاشور منذ سنين على كتابته بالفعل.. فهل يجرؤ على أن يقول كل شىء بصراحة عن سيدة الجماعة الحديدية وأن يفتح الصناديق السوداء للمرأة التى شاركت فى الانقلاب على عبدالناصر والسادات؟.. أشك!


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

الدكتور عماد فهمي: لحم خروف العيد..نكهة أقوى ودهون أعلى ومصدر جيد للبروتين

تعتبر الأضحية من الشعائر الإسلامية العظيمة التي يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى في عيد الأضحى المبارك. وهي إحياء لسنة...

سبيل أم محمد على الصغير.. مبنى أثرى عتيق ومأوى للكلاب الضالة!

أنشأته زيبا قادين زوجة محمد على الكبير سنة 1869 م اختيار موقع السبيل فى ميدان رمسيس لم يكن عشوائيا لكن...

خبراء يحددون روشتة نجاح برنامج الدعم النقدى

النائب أمير الجزار: خطوة مهمة لمواجهة التلاعب ومنح المواطن حرية الاختيار د. بلال شعيب: المنظومة الحالية بوابة رئيسية لتجار السوق...

مسئولون وخبراء يكشفون التفاصيل.. إجراءات الحكومة لمواجهة تداعيات أزمة الطاقة

لا شك أن الصراعات الإقليمية والعالمية أثرت بشكل كبير على سلاسل الإمداد حول العالم خاصة مع توقف الملاحة فى العديد...