حين اتفق أحد المستوردين على شراء شحنة بالدولار، كان يعرف كم ستكلفه بعملة بلده. لكن مع حلول موعد السداد، وجد نفسه يدفع أكثر مقابل البضاعة نفسها. فقد ارتفع سعر الدولار مقابل عملة بلده، رغم بقاء سعر الشحنة بالدولار ثابتاً. وفي أحد المصانع، قد تكون زيادة أسعار النفط كافية لإعادة حساب تكلفة الإنتاج، فيما تَدفع تصريحات البنك المركزي الأمريكي مستثمراً إلى مراجعة قراره بشراء الذهب. هكذا تنتقل التحولات الاقتصادية العالمية من الأخبار إلى قرارات الشراء والإنتاج والاستثمار، حتى لدى من يظنون أنهم بعيدون عن تأثيرها.
ويظهر هذا التأثير بوضوح في النفط، حيث يزيد ارتفاع سعره إيرادات المنتجين، لكنه يرفع فاتورة الوقود لدى شركات الطيران. ومع استمرار الزيادة، قد ترفع الشركات أسعار التذاكر لتغطية جزء من تكاليفها، فيدفع المسافر أكثر حتى لو لم يكن يتابع أخبار الطاقة. وبطريقة مشابهة، قد يصل ارتفاع أسعار الحبوب إلى فاتورة الغذاء، وارتفاع المعادن إلى تكلفة السيارات والأجهزة.
وفي سوق العملات، تتجه الأنظار إلى أسعار الفائدة وما توفره من عوائد. فعندما تمنح الودائع والسندات بالدولار عائداً أعلى، قد تجذب مستثمرين من دول أخرى يحتاجون إلى شراء الدولار للاستثمار فيها، فيزداد الطلب عليه. ولا تكفي نسبة العائد وحدها لإقناعهم، فهم ينظرون أيضاً إلى استقرار الاقتصاد والتضخم لأن ارتفاع الأسعار يقلل القوة الشرائية للأموال التي سيحصلون عليها لاحقاً.
لكن رفع الفائدة لا يعني بالضرورة ارتفاع العملة. فقد يتوقع المستثمرون زيادة كبيرة ويشترون العملة استعداداً لها، ثم تأتي الزيادة أقل مما توقعوا فيبيع بعضهم وتتراجع قيمتها. لهذا قد يبدو رد فعل السوق غريباً لمن يقرأ الخبر وحده، فالقرار يُقارن بما كان المستثمرون ينتظرونه وليس بمستوى الفائدة السابق فقط.
وتبدأ هذه التوقعات بالتشكل قبل اجتماع البنك المركزي بأسابيع، إذ يتابع المستثمرون بيانات التضخم والتوظيف والإنفاق بحثاً عن إشارات تساعدهم على تقدير قراره المقبل، ويتحركون بالبيع والشراء قبل الإعلان الرسمي. وعندما يصدر القرار، قد لا يغير الأسعار كثيراً إذا جاء كما توقعوه. لكن إشارة من البنك إلى استمرار رفع الفائدة أو احتمال خفضها لاحقاً قد تعيد تحريك السوق لأنها تغير توقعات المستثمرين للأشهر المقبلة.
وتؤثر الفائدة أيضاً في قرار شراء الذهب. فلا يمنح الاحتفاظ به دخلاً دورياً، بينما توفر السندات عائداً قد يجعلها أكثر جاذبية عندما يرتفع.
وحين تنخفض العوائد، يزداد اهتمام بعض المستثمرين بالذهب. لكن في أوقات الأزمات، تختلف حسابات المستثمرين، إذ يلجأ البعض إلى الذهب بحثاً عن حماية قيمة أموالهم من الاضطرابات، حتى مع بقاء الفائدة مرتفعة، من دون أن يعني ذلك أن سعره بمنأى عن التراجع.
أما المستورد الذي ارتفعت فاتورته بسبب الدولار، فعليه أن يقرر كيف يتعامل مع التكلفة الإضافية. قد يقبل بربح أقل ليحافظ على عملائه أو يرفع سعر البيع لتغطية جزء منها. وإذا كانت الشحنة مواد أولية لمصنع، فقد تمتد الزيادة إلى تكلفة المنتجات التي يصنعها.
هكذا يصل أثر تغير سعر الصرف إلى مشترٍ يدفع بعملته المحلية ولا يتعامل بالدولار أصلاً.
وتزداد الضغوط حين ترتفع الأسعار العالمية بالتزامن مع تراجع العملة المحلية، فالمستورد يدفع دولارات أكثر لشراء السلعة ويحتاج إلى مبلغ أكبر بعملة بلده لتأمينها. ومع ذلك، قد لا يشعر المستهلك بالزيادة فوراً.
فالمتجر الذي يبيع من مخزون قديم يستطيع تأجيل رفع أسعاره، والشركة المرتبطة بعقد توريد بسعر ثابت قد تبقى تكلفتها مستقرة حتى ينتهي العقد. وتحد المنافسة والدعم الحكومي لبعض السلع أيضاً من مقدار الزيادة التي تصل إلى المستهلك.
ولا تتوقف حركة السلع على الدولار والفائدة، فما يحدث داخل المصانع يؤثر أيضاً في أسعارها.
عندما تزيد طلبات الشراء، تحتاج المصانع إلى مواد أولية وطاقة أكثر وتتحرك شاحنات إضافية لنقل البضائع. وإذا اتسع هذا النشاط في اقتصادات كبرى، يرتفع الطلب على النفط والمعادن. أما حين تتراجع المبيعات، فقد تخفض الشركات إنتاجها وتؤجل شراء المعدات، فيضعف الطلب على السلع المرتبطة بها.
ويصل الأثر إلى الدول التي تصدر هذه المواد. قد ترفع زيادة الطلب والأسعار إيراداتها وتدفقات العملات الأجنبية إليها، بينما يضغط التراجع على مواردها. وتكون الدول التي تعتمد على سلعة واحدة أكثر تأثراً بتقلباتها من اقتصادات تتنوع صادراتها ومصادر دخلها. أما انعكاس ذلك على عملاتها، فيختلف بحسب نظام سعر الصرف والسياسات الاقتصادية المتبعة.
لكن النفط قد يرتفع حتى حين تتباطأ المصانع. فتوقف الإنتاج أو تعطل طرق الشحن قد يقلل الكميات المتاحة ويدفع الأسعار إلى الأعلى. هنا تواجه الشركات تكلفة إضافية من دون زيادة في مبيعاتها تساعدها على تحملها. لذلك يختلف ارتفاع الأسعار الناتج عن نشاط اقتصادي قوي عن ارتفاع تسببه صعوبة الحصول على الإمدادات.
وتغير الرسوم الجمركية بدورها قرارات الشراء، فقد يصبح مورّد اعتادت شركة التعامل معه أغلى بعد فرض رسوم على بضاعته، فتبحث عن بديل في دولة أخرى. ومع انتقال جزء من التجارة، تتغير حركة المدفوعات والطلب على العملات. وقد تحتاج الشركات إلى أشهر لتبديل الموردين واختبار جودة البدائل وترتيب الشحن، فتظهر آثار القرار تدريجياً.
ومن يتداول العملات عبر سمسار الفوركس يتابع حصيلة هذه التطورات في الأسعار. لكن تفسير الخبر لا يضمن نجاح الصفقة، فقد يكون السوق قد استجاب له مسبقاً أو تظهر معلومات تغير اتجاهه. وتؤثر تكاليف التداول وشروط التنفيذ في النتيجة، بينما تضخم الرافعة المالية الأرباح والخسائر.
لهذا، يستحق كل تحرك في الأسعار سؤالاً عن سببه. هل ارتفع النفط لأن المصانع تنتج أكثر أم لأن الناقلات تأخرت؟ وهل صعد الدولار بسبب قرار جديد أم توقعاً لقرار مقبل؟ تساعد الإجابة على فهم ما قد يصل لاحقاً إلى تكلفة الإنتاج وفاتورة الشراء.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
حين اتفق أحد المستوردين على شراء شحنة بالدولار، كان يعرف كم ستكلفه بعملة بلده. لكن مع حلول موعد السداد، وجد...
خالد جاد: الدولة تتحرك لتأمين سلة الغذاء.. ومصر على رأس قائمة الدول العربية فى الإنتاج ماجدة السيد: توريد أكثر من...
تعاون دولى يدعم مسار الإصلاح والرقمنة مناقشة الضرائب الدولية وتسعير المعاملات وتحديث القيمة المضافة.. وتبادل الخبرات فى التكنولوجيا والبيانات وبناء...
المسسئول بوزارة «التضامـن» الدكتور أحمد عبدالرحمن: زيادة مخصصات الدعم النقدى لاستيعــاب أكبر عدد من الأسر المستحقة تنقية قوائم المستفيدين يتم...