الدكتور محمود السعيد: البرازيل نجحت فى إقناع العاملين بالأنشطة الموازية بالتحول نحو المسار الرسمى الدكتور رشاد عبده: لابد من تقديم «جزرة» مغرية قبل «العصا»
في قلب كل مدينة وقرية، وفى أزقة الأسواق الشعبية وعلى أرصفة الشوارع المزدحمة، ينبض قلب آخر للاقتصاد الوطني.. بعيدًا عن أعين السجلات التجارية والبطاقات الضريبية، إنه الاقتصاد غير الرسمي، أو ما يطلق عليه مجازا الاقتصاد الموازي، الذي يعمل في الخفاء، لكنه يمثل كتلة ضخمة تحرك حياة ملايين البشر، ولم يعد ليس مجرد رقم غائب في الدفاتر الرسمية.. بل هو واقع معيشى أو طوق نجاة أمام تحديات الفقر والبطالة.
اليوم.. تضع الدولة المصرية هذا الملف على رأس اولوياتها الاقتصادية، ليس فقط من منظور زيادة الحصيلة الضريبية، بل كضرورة حتمية لتحقيق التنمية المستدامة، ودمج ملايين العمال في مظلة الحماية الاجتماعية. ولكن.. الطريق إلى الدمج يحتاج معالجة شاملة تتجاوز القوانين والقرارات إلى تغيير ثقافة، وخهذا ما نناقش مع خبراء وباحثين معنيين بتقديم إجابات وحلول قابلة للتطبيق.
عن طبيعة الاقتصاد الاسود" أو غير الرسمى
يؤكد الدكتور محمود السعيد العميد السابق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة أن الاقتصاد غير الرسمى يتشكل من كافة الانشطة الاقتصادية التي لا تخضع للتنظيم الحكومي أو الرقابة الرسمية، ولا تدرج فى الحسابات القومية للناتج المحلى الاجمالي بدقة، مضيفا أن هذا الاقتصاد ينمو فى المناطق التي تغيب فيها كفاءة الاجراءات البيروقراطية، وهو ليس بالضرورة اقتصادا غير مشروع، بل هو اقتصاد هامشي أو غير مسجل يسعى لتقليل التكاليف والتهرب من التعقيدات الادارية، مشددا على ضرورة الفصل بين الاقتصاد غير الرسمى والاقتصاد الإجرامي، مشيرا إلى أن أنشطة مثل تجارة المخدرات والدعارة تندرج تحت مسمى الاقتصاد الأسود بمعناه الحرفي أو الإجرامي، وهى أنشطة تجرمها القوانين ولا علاقة لها بالأنشطة الإنتاجية والخدمية المشروعة التي يمارسها الباعة الجائلون أو أصحاب الورش.
وأوضح الدكتور محمود السعيد أنه لا يوجد احصاء دقيق لحجم الاقتصاد غير الرسمى نظرا لطبيعته الخفية، لكن التقديرات تضعه في الدول النامية بنسب تتراوح بين ٣٠ إلى ٥٠ ٪ من الناتج المحلي معتبرا أن الهدف الحكومى من الدمج يجب أن يكون ادخال هذه الأنشطة في مظلة الحماية الاجتماعية والرقابة الفنية، وليس مجرد الجباية، حيث يستفيد العامل عند انضمامه من التأمين الصحى والمعاش والوصول إلى التمويل البنكي، مستشهدا بتجارب دولية مثل البرازيل التي فعلت نظام المشروعات المتناهية الصغر معتمدة على حوافز ضريبية مقطوعة ومبسطة، وهو ما اقنع العاملين بالتحول نحو المسار الرسمي.
الأنشطة غير المشروعة
من ناحيته يرى محمد سعودی مستشار رئيس هيئة التامينات الاجتماعية والمعاشات أن هيئة التامينات والمعاشات تنظر إلى الاقتصاد غير الرسمى باعتباره مخزونا هائلا من العمالة التي تفتقر للأمان الاجتماعي، موضحا أن فئات مثل عمال اليومية، وسائقى التوك توك، والعمالة الزراعية يمثلون جوهر الاقتصاد غير الرسمي، وهم الفئات الأكثر عرضة للمخاطر في حال تعرضهم لإصابات عمل أو بلوغ سن التقاعد، حيث يجدون أنفسهم بلا معاش أو رعاية صحية، مشيرا إلى أن الهيئة تسعى لدمج هؤلاء من خلال مبادرات التأمين على العمالة غير المنتظمة، بتقديم اشتراكات مدعومة وتسهيلات في السداد لجعل الاشتراك فى التأمينات الاجتماعية عبئا خفيفا وميزة ملموسة.
وأوضح سعودى أن فلسفة الدولة في الدمج قائمة على مبدا الشمول المالى والاجتماعي، فالحكومة لا تسعى لملاحقة صاحب التوك توك ضريبيا بقدر ما تسعى لضمان حقه فى الرعاية الطبية ومعاش يؤمن مستقبله، كما أن التحدى الحقيقي يكمن في الثقافة السائدة لدى هذه الفئات.. والتى ترى في التأمينات خصما من دخلها، لذا تعمل الهيئة على حملات توعية مكثفة وتطبيقات رقمية تتيح للعامل سداد اشتراكاته بسهولة، مؤكدا أن نجاح عملية الدمج يتطلب تنسيقا بين وزارة المالية والهيئة، بحيث يشعر العامل أن دخوله فى المنظومة الرسمية يفتحله أبواب التمويل البنكي بفوائد ميسرة، وهو ما يعتبر حافزا قويا للانتقال من الظل إلى النور.
التنافسية والعدالة
في ذات السياق تقدم الدكتورة يمن الحماقي استاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس وخبيرة المشروعات الصغيرة قراءة تحليلية للأسباب التي تدفع الدولة نحو هذا الملف، موضحة أن الاقتصاد غير الرسمى يمثل تهديدا مباشرا للمنافسة العادلة فالمشروعات الرسمية التي تدفع ضرائب وتلتزم بمعايير الجودة والأجور، تجد نفسها في منافسة غير متكافئة مع مشروعات غير رسمية لا تتحمل هذه التكاليف، مؤكدة أن التوسع في دمج هذه الأنشطة يؤدى حتما إلى زيادة الحصيلة الضريبية وهذا أمر مشروع ومطلوب لتمويل الخدمات العامة والبنية التحتية التي يستفيد منها الجميع، بما في ذلك العاملون في الاقتصاد غير الرسمي، لكنها تستدرك بأن الحكومة إذا اقتصرت على الجانب الضريبي فستفشل، مشددة على أنه يجب أن تكون حزمة الحوافز هي الاساس مستشهدة بتجارب دولية ناجحة، منها تجربة الهند في التحول الرقمي للخدمات الحكومية، وتجربة المكسيك في تقديم اعفاءات ضريبية متدرجة للشركات الصغيرة التي تقنن أوضاعها، كما أن المزايا المطلوبة يجب أن تشمل توفير مساحات عمل قانونية بأسعار مدعومة.
وتسهيل الحصول على التراخيص المهنية التي تسمح لهذه العمالة بممارسة عملها دون مطاردات من المحليات أو الأجهزة الرقابية.
و تختتم الدكتورة يمن الحماقى تعليقها بالتأكيد على أن ملف الاقتصاد غير الرسمى هو مرآة لاختلالات هيكلية في سوق العمل، والحل لا يكمن في القرارات الفوقية، بل في خلق بيئة استثمارية تشجع الصغير على أن يصبح كبيرا، وتجعل من العمل الرسمي فخرا ومصدر ثقة وليس مجرد عبء إداري أو مالي.
الجزرة قبل العصا
رؤية نقدية واقعية يقدم الدكتور رشاد عبده رئيس المنتدى المصرى للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، مشددا خلالها على أن التسمية الصحيحة لهذا القطاع هي (الاقتصاد الموازي). لأنه يعمل كجهاز تنفس صناعي للطبقات الفقيرة رافضا بشدة إدراج الأنشطة غير المشروعة ضمن هذا الملف، معتبرا أن الخلط بينهما يسيء إلى ملايين البسطاء الذين يعملون في المهن الحرة والزراعة والحرف اليدوية، فهؤلاء ليسوا هاربين من القانون، بل هم ضحايا لتعقيدات قانونية وإجرائية جعلت من السهل عليهم العمل في الظل، ويرى أن الحكومة عندما تستهدف هؤلاء، فإنها يجب أن تقدم لهم (جزرة) مغرية قبل (العصا)، والحوافز هنا يجب أن تكون ملموسة، مثل تمويلات ميسرة للمشروعات واعفاءات ضريبية كاملة خلال السنوات الثلاث الأولى للتقنين وضمانات اجتماعية شاملة.
وأوضح الدكتور رشاد عبده أن الهدف الضريبي وإن كان موجودا ومحقا إلا أنه يجب أن يكون نتيجة ثانوية لعملية الدمج، وليس الغاية الاساسية؛ فإذا زادت إنتاجية هذه المشروعات نتيجة دعمها رسميا ستزيد أرباحها، وبالتالي ستزيد حصيلة الضرائب بشكل طبيعي وعادل أيضا هذه التجارب التي فشلت في العالم هي التي اعتمدت على الجباية بينما نجحت التجارب التي اعتبرت الاقتصاد غير الرسمى شريكا في التنمية وليس خصما، داعيا إلى تبسيط الاجراءات الإدارية كشرط أولى لأى خطوة دمج حقيقية ومستدامة، مشددا على أن الدمج الحقيقي هو الذي يحول العامل البسيط إلى رائد اعمال. يساهم في النمو الاقتصادي بدلا من أن يكون مجرد رقم في سجلات الملاحقات الضريبية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الدكتور محمود السعيد: البرازيل نجحت فى إقناع العاملين بالأنشطة الموازية بالتحول نحو المسار الرسمى الدكتور رشاد عبده: لابد من تقديم...
أكد أحمد كجوك وزير المالية، أن الكل سيستفيد من التسهيلات الضريبية الجديدة، أخذا في الاعتبار أنها «جاية من السوق والقطاع...
عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب: الدولة تستهدف دمج مستحقات الدعم ورقمنتها لتأمين وصولها لأصحابها رئيس شعبة المخابز: المواطن لم يتأثر...
شهدت الأسواق المالية خطوة إيجابية جديدة مع إعلان اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في 29 يوليو 2026 الاحتفاظ بمستويات أسعار الفائدة...