أحمد شوقى.. أمير الشعراء الذى حقق «شعبية» الشاعر وكتب 23 ألف بيت

كتب المسرحية الشعرية عن شخصيات تاريخية فأصبح رائدًا للمسرح الشعرى العربى قصائده فى مدح الرسول.. من أجمل ما كتب فى المدائح النبوية قصيدته «الرحلة إلى الأندلس» درس بليغ فى حب الوطن والحنين إليه

يعتبر أحمد شوقى علامة فارقة فى تاريخ الشعر العربي على مر تاريخه.. إذ استطاع أن يحقق فرضية كادت تبدو مستحيلة في تاريخنا الحديث والمعاصر، وهي أن يكون الشاعر نجماً يحظى بشهرة عريضة، وبمساحة نجومية لدى العامة، وهو ما لم يحققه شاعر في عصره، باستثناء حافظ إبراهيم، الذى أسهمت صداقته بشوقى، ومساجلاته الشعرية معه، ومنافسته له، فى تمتعه بشهرة وشعبية أيضاً لدى العامة، ليفتحا باباً للنجومية وشعبية الشاعر فى أجيال مصرية وعربية لاحقة، مثل نزار قباني وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش.

فى يوم 16 أكتوبر عام 1868 ولد أحمد شوقى بحى الحنفى بالقاهرة، لأب تركى من الأكراد وأم شركسية.. وكانت جدته لأمه تعمل وصيفة فى قصر الخديو إسماعيل. وبعد ولادته مباشرة، تكفلت به جدته، وكان يقيم معها. ويقال إنه فى طفولته المبكرة جدا كان ينظر دائما لأعلى، إلى السماء، ولا ينظر إلى الأرض أبدا، ورآه الخديو إسماعيل على هذا الحال، فأتى بقطع من الذهب ونثرها تحت قدميه، ليجذب بريق الذهب عينى الطفل الصغير، فينظر طويلا إلى الأرض. وقال لجدته: عالجيه بهذه طريقة، فأجابته ببديهة حاضرة "لا أحد يملك هذا العلاج غيرك يا مولاي".

حفظ أحمد شوقى فى طفولته القرآن الكريم فى كتاب الشيخ صالح، ثم انتقل بعدها للدراسة فى مدرسة المبتديان الابتدائية. وفى هذه المرحلة بدأ ينظم الشعر، وبعد تخطيه المرحلة الابتدائية، التحق بمدرسة الحقوق لينضم إلى قسم الترجمة، ويستمر فى نظم الشعر العمودى الذى أعجب كثيرا أستاذه الشيخ محمد البسيونى، الذى كان يقوم بالتدريس له فى المدرسة. وكان البسيونى يكتب الشعر، وكثيرا ما كان يعرض شعره على شوقى قبل أن ينشره، لثقته الكبيرة فى تفردة وقدرته فى النظم.. وكان البسيونى يحظى أيضا بمعرفة الخديو توفيق، فتكلم كثيرا عن شوقى أمامه، ليذهب شوقى إلى قصر الخديو ويحظى برعايته وتبنيه لموهبته.

تخرج شوقى فى مدرسة الحقوق، وكان وقتها قد أصبح قريبا من الخديو توفيق، فأرسله إلى فرنسا لاستكمال دراسته فى جامعة مونبلييه لمدة عامين، ثم انتقل إلى باريس لمدة عامين آخرين لاستكمال دراسته. وهكذا قضى شوقى فى فرنسا أربع سنوات للدراسة، غير أنه نظم خلالها شعرا كثيرا يمدح الخديو توفيق.. ذلك الذى أدخل الاحتلال الإنجليزي إلى مصر..

وفتح الطريق للاحتلال وتعاون معه وصار فى حمايته. كما كتب شعرا يذم فيه أحمد عرابى ويقدحه، ولعلها الوصمة الكبرى فى حياة شوقى، وستظل تلازمه بلا شك. ولما أنهى شوقى دراسته للقانون عاد إلى مصر، وكان توفيق قد رحل، وتولى بدلا منه ابنه عباس حلمى الثاني، الذى ناوأ الاحتلال وعاداه، وكان ت له مواقفه الوطنية التى تختلف تماما عن مواقف أبيه. ولما عاد شوقى، عينه عباس حلمى الثاني فى القصر الملكى، وأسبغ عليه، فكتب قصائد مدح كثيرة فيه، وظل وفيا له يسانده فى مواقفه الوطنية ضد الاحتلال.

ضد الإنجليز

فى تلك الفترة أيضا تصدى شوقى، بشعره، لكل من كان ينافق الاحتلال ويداهنه، وهو أمر يحسب له بلا شك. مثلا، حين ألقى رياض باشا -رئيس النظار- خطبة توالى الإنجليز وتوالسهم، كتب فيه شوقى قصيدة ذم، قال فى مطلعها:

"غمرت القوم إطراء وحمدًا ... وهم غمروك بالنعم الجسام"

خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا ... أضيف إلى مصائبنا العظام

لهجت بالاحتلال وما أتاه ... وجرحك منه لو أحسست دام"

تعددت مواقف أحمد شوقى المناوئه للإنجليز والموالية والمعضدة للحركة الوطنية، وكان واحدا من مؤيدى مصطفى كامل ومواقفه الوطنية، وحين رحل كامل فى شبابه كتب شوقى قصيدة عصماء تنعيه.. وقد تأخر بعض الشيء فى رثائه، وقال البعض إنه على ما حدث من تغيير فى موقف شوقى الوطني، من تأييد تام للخديو توفيق، وبالتالي مناصريه الإنجليز، إلى تصد لهم ولوجودهم وإدراك لمأساة الاحتلال، فإنه رغم ذلك ظل ولاؤه الرئيسي للقصر، بدليل أن رثاءه لمصطفى كامل تأخر، لأنه كان ينتظر موافقة عباس حلمى الثاني على هذا الرثاء، وكان حلمى قد تخلى وقتها عن وقوفه إلى جانب الحركة الوطنية.. على أية حال كتب شوقى قصيدة رثاء حزينة شفيفة فى مصطفى كامل، يقول فى مطلعها:

"المشرقان عليك ينتحبان ... قاصيهما في مأتم والداني

يا خادم الإسلام أجر مجاهد ... في الله من خلد ومن رضوان

لما نُعيت إلى الحجاز مشى الأسى ... في الزائرين وروّع الحرمان"

كما والى شوقى الخلافة العثمانية وكتب قصائد مدح فى السلطان عبد الحميد وفى الخلافة العثمانية بشكل عام، وكان مما كتب:

"أما الخلافة فهي حائط بيتكم ... حتى يبين الحشر عن أهواله

لا تسمعوا للمرجفين وجهلهم ..."

فمصيبة الإسلام من جُهّاله"

فى مدح الرسول

وفى تلك الفترة، التى ثار فيها الحس الوطني لدى شوقى، محاولا على قدر ما استطاع أن يكفر سقطة وقوفه مع توفيق، كتب أيضا إسلامياته الشهيرة، وهى تلك القصائد التى مدح فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنها قصيدته الشهيرة نهج البردة، التى عارض فيها قصيدة البوصيرى الخالدة، وقال فى مطلع قصيدته:

"ريم على القاع بين البان والعلم ... أحل سفك دمي في الأشهر الحرم"

وقد استفاض وأبدع فى مدحه للنبي الكريم، ومما قاله فى قصيدته العصماء، ردا على مزاعم الاستشراق بأن الإسلام انتشر بحد السيف:

"قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا ... لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم

جهل وتضليل أحلام وسفسطة ... فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم"

وكتب أيضا فى ذكرى المولد النبوى الشريف:

"ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزمان تبسم وثناء"

أيام المنفى

فى عام 1914 أعلن الإنجليز الحماية على مصر، وخلعوا الخديو عباس حلمى الثاني، وجاءوا بعمه حسين كامل ليكون سلطانا على البلاد.. وكان ضمن ما اتخذوا من قرارات، لمحاولة واد الروح الوطنية، نفى أحمد شوقى إلى الأندلس أو إسبانيا..

وفى منفاه سكن شوقى بيتا جميلا على البحر المتوسط فى مدينة برشلونة.. وكان من أهم ما أنجز فى منفاه هو عكوفه على قراءة التاريخ الإسلامى والعربى، وتاريخ الأندلس، قراءة شاملة وعميقة، ليبلع لنا فى منفاه أرجوزته الكبرى (دول العرب وعظماء الإسلام) وهي أرجوزة تضم 1400 بيتا من الشعر، توزعت على 24 قصيدة، حكى فيها واستعرض شعرا تاريخ الإسلام، منذ عصر النبوة والخلافة الراشدة.

وفى منفاه بإسبانيا، استبد الشوق إلى مصر بشوقى، فكتب قصيدته السينيك الشهيرة (الرحلة إلى الأندلس) وبلغ عدد أبياتها 110 بيتا، وهى عبارة عن معزوفة شعرية رائعة فى حب الوطن والحنين إليه، ويقول فى بعض أبياتها:

"يا ابنة اليم ما أبوك بخيل ... ما له مولع بمنع وحبس

أحرام على بلابله الدوح ... حلال للطير من كل جنس"

ويقول أيضا:

"وطني لو شغلت بالخلد عنه ... نازعتني إليه في الخلد نفسي

وهفا بالفؤاد في سلسبيل ... ظمأ للسواد من عين شمس

شهد الله لم يغب عن جفوني ... شخصه ساعة ولم يخل حسي"

العودة إلى الوطن

كان من نتائج ثورة 19 ونجاحها، وما حققته من تنامى الروح الوطنية المصرية، ومقاومة الاحتلال، عودة أحمد شوقى من منفاه بعد سنوات، فقد عاد إلى أرض الوطن عام 1920، واستقبلته جموع الشعب، وكان فى مقدمة مستقبليه صديقه حافظ إبراهيم..

وبعدعودته انقطعت صلة شوقى تماما بالقصر الملكى، ولم تعد تربطه أى صلة به أو بساكنيه، وأصبح همه الشاغل أن يلتف المصريون حول هدفهم الأسمى، وهو طرد الاحتلال الإنجليزي. وحين لاحظ أن الأحزاب تتناحر بشكل زائد عن الحد، ويضر بالالتفاف الوطني حول هدف مقاومة الاحتلال، كتب:

"إلام الخلف بينكم إلاما؟ ... وهذي الضجة الكبرى علاما؟

وفيم يكيد بعضكم لبعض ... وتبدون العداوة والخصاما

وأين الفوز لا مصر استقرت ... على حال ولا السودان داما"

ومن المؤكد أن سنوات المنفى كانت عنصرا فارقا فى مسيرة شوقى، فبعد عودته من منفاه، اتسعت مساحة دفاعه عن القضايا الوطنية، لتتجاوز حدود مصر إلى عالمها العربي.. فكان اهتمامه بقضايا الشعوب العربية لا يقل عن اهتمامه بالشأن المصري، ولنا فى قصيدة "دمشق"، التى كتبها عام 1926 عقب القصف الفرنسي لدمشق أثناء الثورة السورية الكبرى، خير دليل، وهي القصيدة التى لا زالت باقية فى صفحات التاريخ بأبياتها الخالدة، مثل:

"وللأوطان في دم كل حر ... يد سلفت ودين مستحق

وللحرية الحمراء باب ... بكل يد مضرحة يدق"

جزاؤكم ذو الجلال بني دمشق ... وعز الشرق أوّله دمشق"

وقد أصدر شوقى فى عام 1926 ديوانه الأشهر والجامع (الشوقيات) الذى وضع فيه خلاصة ما كتب من شعر فى جميع الأغراض الشعرية.

شوقى وحافظ

لم يكن اهتمام شوقى مقصورا فقط على حاضر أمتنا المصرية والعربية، لكنه أيضا دلف إلى التاريخ من باب الشعر، ومن باب المسرحية الشعرية، حتى عد الرائد المسرحى الشعرى العربي، فكتب مسرحيات (مصرع كليوباترا) و(على بك الكبير) و (قمبيز) و(عنترة) و(مجنون ليلى) و(أميرة الأندلس)، بالإضافة إلى مسرحيتين اجتماعيتين هما (الست هدى) و(البخيلة)، وهذة الأخيرة مسرحية نثرية.

كان طبيعيا أن تتوج هذه المسيرة الشعرية العظيمة والحافلة، التى كتب خلالها أكثر من 23 ألف بيت شعرى، توزعت على جميع الأغراض الشعرية مثل الشعر الوطني والقومى والتاريخى والدينى وشعر الغزل والمدح والهجاء والرثاء، أن يتوج شوقى بلقبه الأثير (أمير الشعراء) فى مؤتمر الشعر العربي عام 1927 بالأوبرا. وكان صديقه ومنافسه فى الشعر حافظ إبراهيم فى مقدمة مبايعيه، وكتب قصيدة شهيرة فى مبايعة شوقى أميرا للشعراء، قال فى مقدمتها:

"أمير القوافي قد أتيت مبايعا ... وهذي وفود العرب قد بايعت معي"

والحقيقة أن الصداقة المتينة التى جمعت بين شوقى أمير الشعراء وحافظ إبراهيم شاعر النيل، فى ظل المنافسة الشعرية بينهما، تستحق مزيدا من الاهتمام من الباحثين.

رحل شوقى فى 14 أكتوبر عام 1932، عن 64 عاما.. وكان صديقه حافظ إبراهيم سبقه بشهور، ورحل فى نفس العام 1932، وقال فيه شوقى قصيدة رثاء شهيرة كان مطلعها:

"قد كنت أوثر أن تقول رثائي ... يا منصف الموتى من الأحياء"

طويت صفحة شوقى، بعد صديقه حافظ.. وبقيت لنا صفحات شعر لا تغيب.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - إن فاتك البحر.. اتمرّغ فى سَمَكُه

آخر ما يمكن أن تتخيل رؤيته في هذه الصحراء الصفراء الممتدة: سمك حي.. تبرق فضته تحت الشمس.. و"يلعبط" كأنه ما...

أحمد شوقى.. أمير الشعراء الذى حقق «شعبية» الشاعر وكتب 23 ألف بيت

كتب المسرحية الشعرية عن شخصيات تاريخية فأصبح رائدًا للمسرح الشعرى العربى قصائده فى مدح الرسول.. من أجمل ما كتب فى...

شخصيات لها تاريخ «120» إليزابيث الأولى.. آنسة حديدية فوق عرش إنجلترا

والدها الملك هنرى الثامن أعدم والدتها بتهمة الخيانة واعتبر إليزابيث ابنة غير شرعية حتى لا تتولى الحكم من بعده أختها...

جمال الغيطانى.. صاحب أهم رواية عن بطـولات الشهيد إبراهيم الرفاعى

وثّق وقائع النصر من أرض المعركة فى «المصريون والحرب» و«يوميات حرب أكتوبر» عبد الناصر أشاد برسائل الغيطانى من جبهة القتال...