البحث العلمى مازال يعانى ويحتاج حلولًا عاجلة وزيادة المخصصات المالية «المؤرخين العرب» هدفه الحفاظ على الهوية التاريخية للأمة العربية بعض الكتاب يلهثون وراء الجوائز ويكتبون بشروطها طمعًا فى قيمتها المادية
يجمع الدكتور طارق منصور، أستاذ التاريخ والحضارة بجامعة عين شمس، بين دقة المؤرخ وخيال المبدع فإلى جانب مسيرته الأكاديمية والبحثية في التاريخ قدم أعمالا روائية وقصصية تعكس اهتمامه بالإنسان والمجتمع والهوية، عن مؤلفاته وعلاقة التاريخ بالأدب وواقع الجامعات المصرية ومشروعاته القادمة تحدثنا معه في هذا الحوار...
أنت مؤرخ وروائي، ما الذي تمنحه الرواية للمؤرخ ولا تمنحه الدراسة الأكاديمية؟
في الدراسة الأكاديمية أنت ملتزم بمناهج بحثية محددة، ولا يجوز أن تخرج عنها، لأن أي إخلال بها يؤثر في صحة البحث والكتابة التاريخية. أما في العمل الروائي فهناك مساحة أكبر للإبداع والخيال، تمنحالكاتب حرية في التعامل مع الحقبة التاريخية ويقدمها للقارئ بالطريقة التي تناسب رؤيته، وهنا نتساءل هل الرواية التاريخية هدفها أن تكون الحقيقة مجرد خلفية تدور فيها الأحداث، أم أن الحقيقة التاريخية هي الهدف الأساسي ويستخدمها الكاتب لتقديم رؤيته ويكشف جانبا معينا من التاريخ.
ذكرت أن الحارة في رواية "بنت الحارة" صورة مصغرة من مصر، لماذا اخترت الحارة تحديدا لتكون مرآة للمجتمع المصرى؟
الحارة في روايتي ليست حارة نجيب محفوظ التي لها تاريخ ولها عادات وتقاليد وبها قوانين تحكمها. فالحارة عندى عشوائية نشأت على أطراف القاهرة في منطقة الألف مسكن، وهذه كانت آخر حدود القاهرة في تلك الفترة وكانت ضمن مشروع أنشأه الرئيس جمال عبد الناصر كمساكن إيواء، فالحالة العشوائية التي وصلنا لها اليوم، بدأت من أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات وبالتالي هذه حارة افتراضية، يلجأ إليها كل هارب من المجتمع ومن الحياة وكل من لديه مشكلة، ومن خلال هذه الحارة نتعرف على العديد من النماذج والشخصيات التي تعيش في حارة واحدة، تغرق في مياه الصرف الصحى، وشوارع غير ممهدة وعمارات على حافة الانهيار الرواية هي الجزء الأول من ثلاثية روائية، تتواصل أحداثها في جزءين لاحقين، لتنتهي في الجزء الثالث عند عام ۲۰۱۱ في مشهد ختامي على كوبرى قصر النيل، دون الدخول في أي تفاصيل، لأن الكاتب الحقيقي يجب أن يكون أذكى من أن يدخل مناطق الألغام، متجنبا الوقوع في فخ التصنيفات التي تختزل الأدب في شعارات أو مواقف جاهزة.
مجموعتك "النور الأبيض" بها 17 قصة تعالج قضايا اجتماعية وإنسانية متنوعة لماذا اخترت تنوع الموضوعات بدلا من محور واحد؟
"النور الأبيض" أول مجموعة قصصية لى، والعنوان يقوم على الخداع والتورية ويتناقض مع الأجواء والأحداث داخلها فأنا أجنح في كتابة القصة القصيرة إلى المزج بين التأمل والبعد الفلسفي والواقعية الاجتماعية، لأن كتاباتي قائمة على الكتابات المجتمعية وتحاول أن تصلح المجتمع، أو تعطى فرصة لكي نعيد التأمل في أحوالنا، ربما يكون هناك إصلاح ونحن غير منتبهين له، لذلك تظل النزعة الاجتماعية الإصلاحية السمة الأبرز في كتاباتي، لأنني أؤمن بأن للأدب رسالة سامية تتجاوز مجرد إمتاع القارئ، وذلك يسهم في إصلاح المجتمع بقدر ما يستطيع الكاتب أن يفعل. صحيح هناك من يكتب بهدف المتعة وحدها، فيقدم نصا أدبيا يحقق للقارئ قدرا من التسلية، وهو هدف مشروع، لكنه يظل قصير الأمد، ينتهى بانتهاء متعة القراءة، وهناك من يكتب سعيا إلى تحقيق جماهيرية واسعة أو مكاسب مادية وهذا حقه، أما ما أطمح إليه فهو أن يجمع الأدب بين القيمة الجمالية والرسالة الإنسانية، وأن يترك أثرا يتجاوز لحظة القراءة إلى وعى القارئ وحياته.
المجموعة تناولت موضوعات قليلة التناول مثل الزواج العرفى لماذا اخترت هذه الموضوعات تحديدا؟
هدفى من الكتابة الإسهام بقدر ما أستطيع في إصلاح المجتمع، من خلال ومضات أو مشاهد قصيرة تلقى الضوء على قضايا قد تبدو بسيطة، لكنها تستحق التأمل. مثلا تناولت قضية الزواج العرفي داخل أسوار الجامعة، وكان الرهان على طريقة المعالجة الفنية، وكيف يمكن للأدب أن يكشف التحولات التي طرأت على منظومة القيم لدى بعض الشباب، حتى باتت بعض الممارسات أمرا عاديا، والأدب لابد أن يسلط الضوء على هذه الظواهر، لعل قارنا يتوقف أمامها أو يعيد التفكير فيها، أو يتذكر يوما أن كاتبا نبه إلى قضية تستحق الانتباه، وإذا أسهم ذلك في تعزيز التمسك بالقيم والاهتمام بالتربية الأسرية والحرص على تنشئة الأبناء، فإن الأدب يكون قد أدى جانبا من رسالته.
ما الذي أضافته لك تجربة القصة القصيرة مقارنة بالرواية والدراسة التاريخية؟
القصة القصيرة منحتني مساحة كبيرة للتأمل والتعبير عن آرائي في القضايا التي تهم المجتمع، وبحكم تخصصی کمؤرخ وبحكم قراءاتي الأدبية وبحكم عملي في النقد الأدبي، أصبحت أنظر للواقع بعين ناقدة، أحاول أن أكشف ما أراه خطأ أو زائفا، وأن ألفت الانتباه إليه لعل ذلك يدفع القارئ إلى التفكير وإعادة النظر في بعض الأمور، وهذا يتوافق مع شخصيتي فأنا بطبيعتي أميل إلى النزعة الإصلاحية ودائما أنشد للكمال وإلى اليوتوبيا، وأعرف أن اليوتوبيا صعبة التحقيق، ولا يمكن أن نقول إننا سنحققها في حياتنا، لكن بقدر الإمكان كل إنسان يسعى ويجتهد، المهم أن نسير في هذا الطريق وأن نحاول أن نقترب من المجتمع الأفضل. أنا لا أكتب بغرض إحداث المتعة فقط، وإنما أيضا بغرض إصلاح المجتمع، وكشف التحولات التي شهدها المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، ومن هنا أرى أن دور الأدب هو أن يضيء هذه المناطق ويساعد الناس على رؤية ما قد لا ينتبهون إليه.
لماذا اخترت شكل النوفيلا في زیزی هانم" بدلا من الرواية الطويلة؟
النوفيلا لا تحظى باهتمام كبير في مصر وتكاد تكون غائبة عن المشهد الأدبي، وجزء كبير ممن يكتبون الأدب اليوم أعينهم على الجوائز العربية، وهذا أفاد الرواية العربية بقدر ما أضرها، فمع انتشار الجوائز خاصة التي تقدم مكافآت مالية كبيرة في عدد من الدول الخليجية، يسعى بعض الروائيين والكتاب إلى نيل هذه الجوائز وبعضهم يلهث وراءها، ليس حبا في الجائزة نفسها بقدر ما هو طمع في قيمتها المادية، ولهذا جانب إيجابي وآخر سلبي الإيجابي أنه خلق تنافسا بين الكتاب. أما الجانب السلبي فهو أن بعض الأعمال أصبحت تكتب وفق المعايير التي تجذب لجان التحكيم والنقاد، وليس بالضرورة ما يجذب القارئ، ولهذا يلجأ بعض الكتاب إلى استخدام عناصر سردية تتسم بالجرأة والخروج عن المألوف، لأن هناك تصورا بأن الحداثة الأدبية ترتبط بكسر التابوهات والتجريب في تناول الأفكار وفي المقابل تتهم الكتابات المحافظة بأنها تقليدية، وأنها مازالت تسير على نهج السلف الصالح، لذلك كثير من الكتاب يركز على الرواية، لأن معظم المسابقات الأدبية مخصصة للرواية، وقليل يركز على القصة القصيرة، أما النوفيلا فلا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، بالرغم من أنها جنس أدبى معروف في أوروبا منذ القرن التاسع عشر ولكنها لم تلق إقبالا من الأدباء العرب، على الرغم من أنها تمزج بين تقنيات السرد الروائي والسرد القصصي فقررت خوض التجربة وكتبت نوفيلا من ثلاث قصص "شقة المعادي"، و"زيزى هانم"، و"والله ما كان قصدى"، لإعادة لفت الانتباه إلى هذا الفن الأدبي الجدير بمكانة أكبر في الأدب العربي.
كيف تقيم انتشار المحتوى التاريخي على وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل هذا الانتشار أسهم في نشر الوعي التاريخي أم في تشويه بعض الحقائق ؟
جزء من المحتوى التاريخي المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي ويوتيوب يمثل نوعا من العبث بالتاريخ، فهو يضلل أكثر مما يثقف، ولا يسهم في توسيع أفق المتلقى أو تقديم معرفة حقيقية، بل يطرح أحيانا معلومات بعيدة تماما عن الحقائق التاريخية، ويعتمد بعض مقدمي هذا المحتوى على الإثارة والتشويق والحركات أمام الكاميرا، أكثر من التوثيق والتحقيق التاريخي، وفي النهاية يخرج المشاهد برواية لا تستند إلى أساس علمي راسخ. وفى المقابل هناك من يقدم محتوى تاريخيا جادا ويحاول أن يلتزم بالحد الأدنى من الحقيقة التاريخية، لكن المؤسف أن بعض الموضوعات لا تطرح كما تكشفها المصادر، وإنما تقدم بالصورة التي يريدها الشارع أو يؤمن بها، خوفا من الهجوم أو النقد، ولهذا بعض صناع المحتوى يعتمدون على الكاريزما أمام الكاميرا وقدرتهم على جذب المشاهد، وآخرون يعتمدون على لغة الجسد وطريقة الأداء، فينشغل المتلقى بأسلوب التقديم أكثر من انشغاله بما يقال وهناك من لا يمتلك لا أدوات العرض ولا أدوات البحث التاريخي، ومع ذلك يصر على تقديم نفسه باعتباره صانع محتوی تاريخي، وهناك صناع محتوى أكن لهم كل الاحترام. وكل ما أتمناه أن تخضع المادة التاريخية للمراجعة العلمية قبل تقديمها.
تتولى منصب الأمين العام لاتحاد المؤرخين العرب، كيف ترى دور الاتحاد في دعم الباحثين الشباب. وتعزيز البحث التاريخي العربي؟
مهمة الاتحاد الحفاظ على الهوية التاريخية للأمة العربية وصيانة التاريخ العربي والتأكيد على البصمة التاريخية للعرب في كل مجالات الحياة. نفتح الباب في الاتحاد لكافة الباحثين، بهدف التواصل بين الأجيال وأن يرى الباحثون الشباب المؤرخين الكبار عن قرب، ويحدث بينهم تفاعل مباشر يسهم في نقل الخبرات، وتطوير الكتابة التاريخية على أيدى الأجيال الجديدة. كما يتيح الاتحاد الفرصة للباحثين من مختلف أنحاء الوطن العربي لنشر أبحاثهم في المجلات العلمية والمعتمدة التي تصدر باسم الاتحاد، إلى جانب مشاركتهم في الندوات والمؤتمرات العلمية. ولدينا مؤتمر سنوى يجمع المؤرخين العرب من مختلف الدول ويشارك فيه باحثون من مختلف الأجيال ونناقش في كل دورة قضية أو موضوعا يمس الأمة العربية، ففي العام الماضي تحدثنا عن عروبة فلسطين والحق العربي في هذه الأرض، وهذا العام سوف نتحدث عن الوثيقة ودورها في التدوين التاريخي وكيف يمكن للوثيقة أن تلعب دورا كبير في كتابة التاريخ.
بعد سنوات من العمل أستاذا في الجامعة، كيف تقيم واقع الجامعات المصرية اليوم؟
ما تحقق في قطاع التعليم العالي بعد إنجازا يستحق أن نفخر به جميعا، فمنذ بداية الخمسينيات وحتى عام ٢٠٢٦ شهد التعليم العالي في مصر تطورا كبيرا، ليصل عدد الجامعات إلى ما يقرب من ١٣٤ جامعة. ما بين جامعات حكومية وأهلية وخاصة وأجنبية والأكاديميات العليا والكليات العسكرية. هذا من ناحية العدد. أما من ناحية الجودة، فالجامعات المصرية تتنافس على الظهور في التصنيفات الدولية مما انعكس على تطوير منظومة التعليم والارتقاء بأدوات التدريس وتحسين البنية التحتية للجامعات، حتى تصبح قادرة على المنافسة عالميا، واليوم لدينا عدد كبير من الجامعات الحكومية المصرية حقق قفزات ملحوظة في التصنيفات العالمية ما بين تصنيف تايمن وتصنيف 15، وتصنيف شنغهاي الصيني هذا إذا كنا نتحدث عن الجانب التعليمي. ولكن البحث العلمي مازال يعاني ويحتاج حلولا عاجلة وزيادة المخصصات المالية التغطية رواتب الباحثين ومكافأتهم، ولتوفير الاحتياجات المعملية وأدوات البحث العلمي فمن غير المعقول أن يضطر الباحث إلى دفع رسوم قد تصل إلى ألف دولار النشر بحث في دورية علمية دولية، هذا يضع كثيرا من الباحثين أمام أزمة حقيقية، فيضطر البعض إلى النشر في مجلات محلية هربا من هذه التكلفة، وهو ما يؤثر في انتشار أبحاثهم، وبدلا من أن ينطلقوا إلى العالمية. تكون النتيجة تراجع سمعة مصر العلمية وسمعة الباحثين المصريين نتيجة عدم القدرة على الوفاء بالتزامات النشر، والكثير من المعامل في جامعاتنا يعاني من نقص التجهيزات الحديثة، كما أن توفير المواد والأدوات المعملية يواجه صعوبات كبيرة بسبب الإجراءات الروتينية والبيروقراطية. فضلا عن محدودية المخصصات المالية الموجهة لتطوير المكتبات الجامعية، حتى تواكب ما وصلت إليه الجامعات المتقدمة. فالكثير من مكتباتنا لم تعد قادرة على تلبية احتياجات الباحثين، وفوق كل ذلك تعانى هيئة التدريس والباحثون من تدنى الأجور لذلك تأمل أن يحظى البحث العلمي بمزيد من الاهتمام، سواء من خلال زيادة التمويل أو تطوير البنية التحتية أو توفير الأدوات والإمكانات اللازمة، لأن الاستثمار في البحث العلمي هو استثمار في مستقبل الدولة.
ما مشروعاتك البحثية والأدبية التي تعمل عليها حاليا ؟
انتهيت مؤخرا من كتابة رواية جديدة بعنوان تعاريج العشق والقدر، ومن مجموعة قصصية جديدة لم أستقر على اسمها، وهي مجموعة مجتمعية فلسفية تأملية، كما أعمل حاليا على كتابة ثلاثة أبحاث تاريخية اثنين منها باللغة الإنجليزية، والثالث باللغة العربية، وكلهم سينشرون خارج مصر لأنني مهتم جدا بأن يصل صوت الباحث المصري الخارج، حتى يعرف العالم أن مصر لديها علماء ومبدعون في مختلف المجالات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
على «سَبَت» المحبوب ودِّينى
كامل بك الشناوى يكرم نقيب أطباء الأسنان الراسبين
البحث العلمى مازال يعانى ويحتاج حلولًا عاجلة وزيادة المخصصات المالية «المؤرخين العرب» هدفه الحفاظ على الهوية التاريخية للأمة العربية بعض...
والده كان مولودًا غير شرعى وكان يضربه بالكرباج فى طفولته فكره والده وكتب عن كراهيته له فى مذكراته ترك المدرسة...