تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون نصف مغمضة
سعى الإنسان عبر العصور المختلفة لتجاوز الصعاب کى تستمر الحياة دون معاناة بقدر الإمكان.. لذا ربما أيقن أن هناك قوة غير مرئية تمنحه طاقة الاستمرار، لذلك تطرق للخرافات والشعوذات حتى وصل إلى حكى الأساطير لكى يجد تفسيرا منطقيا لما يحدث له من وهن وضعف وأحيانا يأس وإحساس بالاضطهاد، حتى وصل عبر هذا التأمل التحليلي الصامت إلى راحة ما، فراحيسعى مرة أخرى إلى هذه الحالة التي منحته من قبل منحة الهدوء والتفكر.
في أحد الأفلام الوثائقية عن قوة التأمل نجد عددا كبيرا من العلماء بعلم الأعصاب والأحياء والنفس قد تعقبوا عن كتب بزوغ فكرة التأمل وتأثيرها على حياة الإنسان وتحديدا الصحية، ثم ربط ذلك بالعلم للتأكد من صلة التأمل بحالة الاستشفاء التي يحكيها كثير من التجارب الحياتية لعدد لا يستهان به من البشر حول العالم وبخاصة فيما يتصل ببعض الأمراض المستعصية التي اعتبر الشفاء منها عملا معجزا، حتى حدا هذا بكثير من الأطباء في السنوات الأخيرة للنصح بممارسة تلك الطقوس بشكل متعمد، حتى وإن لم ترق نتائج الأبحاث العلمية إلى ما يؤكد نسبة الشفاء، من باب أنها إن لم تنفع فلن تضر، وحتى إن ظلت مجرد عادة لوهم أو خرافة دمغت في العقول، بعد أن اعتنقها الأجداد، فكان لها هذا التأثير الإيجابي.
حيلة جديدة لممارسة قديمة
في الماضي مارس الإنسان مبكرا التأمل بشكل فطری عفوى من أجل اكتشاف الحياة من حوله، والبحث عن مزيد من الوظائف لما يملكه في الطبيعة من أدوات تعينه على الحياة على هذا الكوكب المجهول بالنسبة له.. هذا حتى قبل أن يتوصل الإنسان الأول إلى ممارسة التأمل بشكل تطبيقي كنوع من الطقس الروحاني أو الديني العقائدي، سواء في الديانات الوضعية أو بعد نزول الأديان السماوية التوحيدية التي دعت كلها للتأمل في خلق الله كآية دالة على وجوده سبحانه وحقيقة خلقه لهذا الكون الشاسع ومن ثم وجوب عبادته وحده.
ومع ضغوط الحياة ونسقها المادي المزعج والذي علا فيه منطق المادة فوق قوة الروح وجد الإنسان نفسه مضطرا مرة أخرى للجوء إلى بعض الهدوء والبحث عن واحة يستظل فيها من سرعة إيقاع الحياة أو أحيانا رتابتها ومللها، وهنا بدأ بعض المتخصصين يجدون ضالتهم في الرجوع للتأمل بخاصة في الدول الغربية فأخذوا يدقون ناقوس الخطر في مواجهة هذا الأثر السلبى لتداعي التفوق الصناعي والتكنولوجي، وبالتالي تأثر المخ والعقل وبشكل عام الجسد بكل ما يحدث حول الإنسان في هذا العصر الذي وصف - ليس ظلما - بالعصر اللاهث.
اعلاج وليس رفاهية
وبالطبع لاحظ العلماء والأطباء من خلال مرور العالم بتجربة انتشار وباء الكوفيد ۱۹ التي ضربت الكرة الأرضية أن المصابين بالعدوى وكان جهازهم المناعى بالقوة الكافية لمحاربة المرض قد تم شفاؤهم بسرعة لافتة للنظر عمن سواهم من ذوى المناعة الضعيفة، وهذا ما استفاد منه قبل الجائحة حالات من مرضى الأورام الخبيثة؛ حيث يهتم أطباؤهم جدا بحالة مرضاهم النفسية حتى تبقى مرتفعة للانتصار على المرض والإحساس بدنو الأجل.. وعل هذا تحديدا ما يفعله التأمل حيث ينصب العمل التدريجي عبر ممارسة هذا الفعل على تعلية الروح المعنوية، ومن خلالها يقوى الجهاز المناعي للإنسان حين تصح كل من الروح والنفس.. وتعتبر الدماغ بمناطقها المختلفة هي أكثر الأماكن التي تتأثر بعملية التأمل، لذلك انصبت أغلب الدراسات الحديثة على دراسة كيفية تفاعل مكونات الدماغ مع ممارسة هذه الرياضة الروحية العقلية البسيطة، وبخاصة تلك المادة الرمادية الموجودة بقشرة المخ التي يوجد بها أغلب الخلايا العصبية وهي المسؤولة عن تلقى المعلومات ومعالجتها والتي حين يقل سمك تلك القشرة المغلفة للدماغ تحدث الشيخوخة وتضعف الذاكرة.. وهنا يأتي التأمل كسد منبع ضد هذه العوامل المؤثرة على الإنسان سلبا.. حيث في هذه الحالة يعمل على تنشيط الذاكرة وتقليل سماكة القشرة الدماغية بالهدوء والصمت اللازمين لعملية التأمل نفسها
مما يقلل هذه الأعراض المعروفة عند بعض المرضى وكبار السن، وقد تأكد هذا بدراسة تمت بجامعة متشيجان الأمريكية شملت ۲۰۰۰ عينة بحث لما قبل وبعد عملية
التأمل، فكان ظهور ذلك الفرق.
وعلى ما يبدو أن ملاحظة هذا التأثير المؤكد من قبل الأطباء والعلماء لعملية التأمل على الجهاز العصبى للإنسان خاصة في ظل التوتر الدائم من خلال متابعة
الأحداث السلبية باستمرار والتعرض اللحظي لها في ظل سماوات مفتوحة وكرة أرضية أصبحت مثل قرية صغيرة في يد كل من يملك مجرد شاشة صغيرة
ما يسبب هذا التدهور النفسي التراكمي لدى الافراد والجماعات، وكل هذا عجل بنداء العودة للطبيعة والممارسة ما يدعو للهدوء النفسي من خلال ممارسة هذا الفعل التأملي الذي لا يحتاج إلا القليل من الوقت والإمكانيات والأدوات فالتكلفة هنا ليست إلا مكانا مربعا هادئا مع إضاءة طبيعية في هواء شبه نظيف مع التكرار المستمر ما اعتبره العلم أشبه بتمرين رياضي يعمل على التحكم في النفس ومن ثم الاسترخاء الذهني ما يساعد على تنشيط الدورة الدموية وزيادة سعة الرئتين ومرونة المفاصل ومعالجة العمود الفقرى وتقوية العضلات من خلال الوضعية السليمة الجلوس القرفصاء.
منذ هذا النداء الذي انطلق في ستينيات القرن ازداد عدد المقبلين على رياضة التأمل بما يقدر بحوالي ٣٥ مليون إنسان حول العالم، أي بما يعادل تقريبا الا من سكان كل بلد حيث في فرنسا وحدها هناك 3 ملايين من المتأملين، والأعداد في ازدياد بناء على التجارب الإيجابية للمجربين حتى اضطرت الأمم المتحدة مؤخرا أن تتبنى شعبية هذا الاتجاه ودخوله خطة المنظمة المتعلقة بالنشاط اليدني ٢٠٣٠.
قصة التأمل
تذكر دائرة المعارف البريطانية أن تاريخ التأمل يمتد كما تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالي ٥٠٠٠ سنة ق م حيث تظهر حفريات هذه
الكهوف أشخاصا في وضعيات تأملية بعيون نصف مغمضة، وقد ارتبط هذا تقليديا بالديانات الشرقية مثل الهندوسية و البوذية.. غير أن الاكتشافات المتوالية
التي تذكرها دائرة المعارف تقول أن التأمل تقريبا قد مورس من أصحاب كل الأعراف والتقاليد والعادات بل والديانات سواء الوضعية أو السماوية كنوع من التفكير النشط والطوعي والمنهجي كونه إحدى أدوات التنوير الروحي التي
تطورت عبر الزمن، فكانت كالصمت الداخلي في المسيحية والتصوف في الإسلام حين اعتبر التأمل ابتداء من القرنين ۱۱، ۱۲ عنصرا أساسيا تقليديا عند المتصوفة قبل ممارسة حلقات الذكر كونه يؤدي إلى الغشية التي تؤدى إلى العلم اللدني.
متنوعة من الممارسات التي تختلف عن بعضها البعض تبعا للمنطقة التي أنت منها. ولهذا هناك صعوبة في إيجاد تعريف لهذه الكلمة على وجه الدقة، وقد كانت تلك الإشارة من الأهمية بمكان بحيث فتحت بابا للنقاش حولها لإيجاد تعريف شامل جامع دقيق للكلمة، وذلك رغم وجود أول دليل مكتوب عن التأمل وأشكاله والتعريف به في "الفيدا" أحد النصوص الهندوسية المقدسة وقد وجد عام ١٥٠ ق م وفي عام ٢٠ ق م كتب الفيلسوف السكندري فيلو السكندرى عن التأمل الروحي باعتبار مصر من البلاد الشرقية التي عرفت التأمل وكان كهنة المعابد يمارسونه قبل الاحتفالات والمناسبات الدينية، وقد حوى كتاب فيلو السكندري على ما يعرف الآن في الأوساط العلمية بالانتباه الإيجابي والتركيز" وهو أحد روافد فن اليوجا أو التأمل.. غير أن كتاب فيلو للأسف قد أحرق أثناء حريق مكتبة الإسكندرية تلك العشارة الفكرية التي فقدتها الإنسانية وظلت نسخته التي سرقت تعلن وجود تعريف للكلمة على غير ما يدعيه الغرب.
من هذا الجدل الثقافي ندرك كيف كان العمق هذه التجربة على الحياة أثره الواسع حيث إن الهدف الأسمى لها هو حجب الضوضاء الذهنية المرهقة لروح الإنسان والتي تستهدف طاقته الروحية فتهدرها هباء مما له أبلغ الأهمية تحديدا بهذا العصر المسمى بعصر الإلهاء، وبه أصبحعلينا معرفة كيفية تحويل دقة تركيزنا نحو العمق للاكتشاف العاقل للأشياء من حولنا دونما التشتت.. حيث إن تجارب التفكر والتفهم والوعي أصبحت تمثل أمام الجميع علية عشرة لا تجعل بسهولة النفاذ إلى الكنوز الخفية فينا لتكتشف هذه القوة والقدرة من المعرفة الحقة دون نوازع تشيك غزل العنكبوت فوق الأفكار ذات الفهم الصحيح، ما يلمس في النهاية المساحات الخضراء بنا وسط هذا العالم الشرس الذي ينزع المحاولات المستمية للإدراك الصالح أفكاره الخبيثة حتى تسد الطرق الفسيحة بين سكان هذا الكوكب الشقى فتزداد تجارب الحياة قسوة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...
استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى
أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...
تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...