سمير غريب مفكر كشف الستار عن أهم جماعة فنية فى الأربعينات

عاون فاروق حسنى وتولى رئاسة أربعة أجهزة ثقافية كبيرة ألقى الضوء على رواد السريالية ومؤسسى جماعة الفن والحرية فى كتابه المرجع «السريالية فى مصر» راية الخيال وكتاب الفن وتاريخ الفنون الجميلة وخلود المحبة.. كتب للراحل الكبير تركت أثرا باقيا

برحيل الكاتب والناقد الكبير سمير غريب يوم الجمعة قبل الماضي فقدت الساحة الثقافية المصرية واحدا من أبرز من أسهموا في بناء وتأسيس كيانات ثقافية لها حضورها ودورها في الثقافة المصرية والعربية بشكل عام، فلم يكن سمير غريب مجرد كاتب أو ناقد أو صاحب قلم أصدر أحد عشر كتابا مهما لكنه كان كذلك كادرا ثقافيا إداريا أسهم بجهد لا ينكر فى العمل الثقافى المصرى والعربي، وقد كان غريب هو أول رئيس لكيان ثقافي مهم جدا هو صندوق التنمية الثقافية ثم كان أيضا أول رئيس لجهاز ثقافي وحضاري له طبيعته الخاصة هو جهاز التنسيق الحضاري.

مثقف مغامر

سمير غريب هو مواطن مصرى بدرجة مثقف كبير لكن مغامر منذ صباه الباكر أحب سمير غريب أن يرتاد طرقا استثنائية.. هذا الفتى الصعيدى الذي ولد بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط عام ١٩٥٤ كان طالبا متفوقا ونابغا منذ صغره، حصل على الثانوية العامة عام ١٩٧١ بمجموع كبير أهله للالتحاق بكلية الإعلام في أول دفعة بها، و رغم شغفه بدراسة الصحافة والإعلام فإن غريب في عامه الدراسي الأول بكلية الإعلام وإقامته بالقاهرة زاد شغفه بشكل أكبر بالسينما لدرجة أنه فكر كثيرا في ترك الإعلام والالتحاق بمعهد السينما، لولا أنه وجد أنه سيتأخر عاما في دراسته فعدل عن القرار في اللحظة الأخيرة.

وفي شبابه الباكر وبالإضافة إلى السينما انصبت اهتمامات سمير غريب على الفن التشكيلي إضافة إلى اهتماماته السينمائية والتحق مع تخرجه من قسم الصحافة بكلية الإعلام وبمساعدة أستاذه في الكلية جلال الدين الحمامصى بجريدة الأخبار عام ١٩٧٥ ولاكثر من اثنى عشر عاما ظل غريب صحفيا بالأخبار تخللها سفره وإقامته بباريس لمدة أربعة أعوام كاملة من عام ١٩٧٩ إلى عام ١٩٨٣ وهناك في عاصمة النور عمل غريب في مجلة المستقبل لمدة أربع سنوات، وفي تلك المرحلة من حياته اطلع غريب على المدارس الفنية المختلفة في الفن التشكيلي وتعمق اتجاهه نحو كتابة النقد التشكيلی و انصرف اهتمامه كليا إلى المعارض والفنون التشكيلية.

السريالية في مصر

وفي باريس أيضا عرف سمير غريب كثيرا عن الحركة السريالية في مصر، وعن جورج حنين مؤسس جماعة الفن والحرية التي دشنت للفن السريالي في أواخر ثلاثينات وبداية أربعينات القرن الماضي، والسريالية هي حركة فنية في الأدب والفن نشأت أول ما نشأت في فرنسا عام ١٩٢٤، وكانت بمثابة صرخة احتجاج ضد الحرب العالمية الأولى، وهي حركة تدعو إلى تحرير الإبداع والخيال من كل القيود.

انصرف اهتمام سمير غريب إلى التعريف بالحركة السريالية وبجماعة الفن والحرية وبدأ أثناء إقامته في باريس يجمع كل ما يتعلق بتلك الحركة وبروادها جورج حنين وكامل التلمساني ورمسيس يونان وفؤاد كامل وأنور كامل عثمان، ثم من تلاهم ممن يمكن أن نصفهم بمن مصروا السريالية مثل حامد ندا وعبد الهادى الجزار وإن كان غريب قد تحفظ على هذا الوصف، وقد كان سمير غريب في هذا كله حريصا على أن يكون ذلك الصحفى الاستقصائي الذي يسعى لاكتشاف وتحليل كل ما يتعلق بتلك الحركة الفنية التي نشطت كثيرا، وكان لها دور وحضور فاعل في القاهرة في أربعينات القرن الماضي قبل أن تتوارى، ويخفت دورها بعد قيام ثورة يوليو.. واستقرار رائدها جورج حنين في فرنسا حتى رحيله عام ۱۹۷۳.

وحين عاد سمير غريب إلى مصر واصل البحث والتنقيب عن الحركة السريالية وعن جماعة الفن والحرية ليصدر كتابه الأول والأهم السريالية في مصر عام ١٩٨٦ عن الهيئة العامة للكتاب.. وهو الكتاب الذي أحدث صدى عاليا في الثقافة المصرية ويعتبر مرجعا مهما للحركة السريالية ولروادها المصريين.. جورج حنين وكامل التلمساني ورمسيس يونان وفؤاد كامل

وأنور كامل عثمان...

وعن كتابه المهم قال سمير غريب

أحدث كتاب السريالية فى مصر ردود فعل كثيرة لم أتوقعها على الإطلاق، بدأت كتابته في باريس شابا في أواخر العشرينات من العمر.. بخطاب من جورج حنين مؤسس السريالية في مصر إلى أندريه بريتون مؤسس السريالية العالمية، كان ضمن وثائق في معرض استعادي ضخم السلفادور دالي في مركز بومبيدو مشيت وراء الخطاب حتى كتبت الكتاب، لم يكن يعنيني ما بعده ولم أفكر فيه.. سجلت جانبا من ردود الفعل في الطبعات التالية.. إذ لم أستطع متابعة كل ما كتب عنه في الصحف العربية والأجنبية...

لقد بذل سمير غريب جهدا هائلا في هذا الكتاب والتقى عددا ممن اقتربوا من رواد الحركة السريالية مثل شقیقی كامل التلمساني حسن وعبد القادر التلمساني وتلميذة التلمساني الفنانة التشكيلية الرائدة أنجى أفلاطون، وكذلك أرملتي فؤاد كامل ورمسیس یونان، كما كتب علاء الديب عن الكتاب بمجلة صباح الخير ليتواصل معه بعد ذلك أنور كامل أحد رواد الحركة السريالية والذي كان رئيس تحرير مجلة التطور التي أصدرتها جماعة الفن والحرية عام ١٩٤٠، وصدر منها سبعة أعداد وتعتبر مرجعا مهما للحركة ولجماعة الفن والحرية، وكان مقرها في ۲۸ شارع المدابغ بوسط القاهرة شارع شريف حاليا) والتي تناولها سمير غريب في كتابه بكثير من الإسهاب والتفصيل ليعود بعدها أنور كامل، ويكتب كثيرا من ذكرياته حول الحركة السريالية وجماعة الفن والحرية في مقالات أسماها ( فسائل).

وقد عقدت للكتاب ندوة مهمة في أتيليه القاهرة في الخامس عشر من نوفمبر عام ١٩٨٦، أدارتها الشاعرة ملك عبد العزيز وتحدث فيها الدكتور لويس عوض وأنور كامل وعز الدين نجيب، وقد صدر الكتاب بعد ذلك في أربع طبعات إضافية.. وهكذا يعود لسمير غريب الفضل في إلقاء الضوء على واحدة من أهم الحركات الفنية التي ظهرت في مصر، وهي جماعة الفن والحرية وريادتها للحركة السريالية في مصر.. وهو جهد بدأه غريب عام ۱۹۸۲ بكتابة مقال عن الحركة السريالية في مجلة فنون عربية التي كان يرأس تحريرها جبرا إبراهيم جبرا ثم بمقالين كتبهما عام ١٩٨٤ بمجلة الدوحة القطرية إبان تولى رجاء النقاش رئاسة تحريرها، وقد ضمن غريب هذه المقالات الثلاثة في كتابه.

كتب مهمة

بعد كتابه الفارق السريالية فى مصر أصدر سمير غريب عددا من الكتب الأخرى التي تناول أغلبها موضوعات مختلفة في الفن التشكيلي، فقد أصدر عام ١٩٩٣ كتاب راية الخيال)، وتناول فيه تاريخ الحركة السريالية في العالم، كما أصدر عددا من الكتب الأخرى مثل نقوش على زمن وصفحات من تاريخ الفن التشكيلي وكتاب في تاريخ الفنون الجميلة وكتاب (ما الفن التشكيلي)، ثم أصدر كتابا مرجعيا آخر بعنوان (کتاب الفن الحقه بجزء مكمل له بعنوان (الجمال المضاد.. تأملات في نقد الفن والعمارة)، وأصدر أيضا كتابا مهما بعنوان (معارك العمران)، كما نشر عن هيئة الكتاب كتابا يلامس بعضا من سيرته الذاتية عن بشر مروا في حياته مثل زوجته الراحلة وأستاذه جلال الدين الحمامصي بعنوان (خلود المحبة).. وتلاحظ هذا أن جل اهتمام سمير غريب الصرف في أغلب كتبه إلى الفن التشكيلي لكنه كتب يعمل أيضا عن العمارة، وعن نقد العمارة معتبرا أن نقد العمارة هو عمل فني أيضا وليس شرطا لمن يتصدى لهذا النقد أن يكون مهندسا معماريا.

مناصب ثقافية

ولعل هذا الأمر يرتبط بشكل ما يكون سمير غريب هو أول رئيس لجهاز التنسيق الحضاري الذي تأسس عام ٢٠٠٤، وقد أنشئ هذا الجهاز من أجل الحفاظ على التراث المعماري وعلى القيم الجمالية للعمارة والشوارع، وكذلك من أجل زيادة الوعي بهذه القيم... وبعد أن ترك سمير غريب هذا الجهاز تفرغ للكتابة عن العمارة وعن قيمها الجمالية، وقبل أن يتولى غريب رئاسة جهاز التنسيق الحضاري عمل رئيسا للأكاديمية المصرية بروما في الفترة من ٢٠٠٢ إلى ٢٠٠٤، وقيل. كان يتولى رئاسة دار الكتب والوثائق القومية في الفترة من ۱۹۹۹ إلى ۲۰۰۲، وقد قام خلال رئاسته الدار بإنجاز مشروع مهم الأرشفة والتوثيق بالدار وكان أول مصرى يتولى رئاسة اتحاد الوثائق العربية ... وقبلها شغل غريب منصبه كأول رئيس لصندوق التنمية الثقافية في الفترة من ۱۹۹۰ إلى ۱۹۹۹، وخلال توليه المسئولية عن الصندوق حول غريب هذا الكيان. الثقافي الوليد وقتها إلى خلية نحل لا تتوقف عن العمل في مساعدة روافد العمل الثقافي المصري و تقديم الخدمة الثقافية للمبدعين المصريين بشكل عام، وقبلها كان غريب يعمل وبالتحديد منذ عام ۱۹۸۷ مستشارا صحفيا ثم فنيا لوزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى من فترة من أزهى فترات العمل الثقافي المصري، ويمكننا القول إن سمير غريب كان هو الذراع اليمنى الفاروق حسنى في إدارة الثقافة المصرية وفي العمل التنفيذي بها بدليل أنه كان أول رئيس لكيانين ثقافيين ولدا في عهد فاروق حسنى هما صندوق التنمية الثقافية وجهاز التنسيق الحضاري، إضافة إلى توليه مسئولية دار الكتب والأكاديمية المصرية بروما.. وهكذا جمع سمير غريب بين الحسنيين في العمل الثقافي.. أن يكون صاحب رؤية ومشروع ثقافي من خلال عمل تنفيذي وإدارة ثقافية من ناحية. و أن يكون كاتبا وناقدا له مشروعه الإبداع ومنتجه الثقافي الحاضر بين دفتي كل كتاب من كتبه ذات الأثر الممتد.. رحمه الله.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - العتب ع المطر

لا تبحث في الصورتين عن الرؤوس أو الوجوه، فقد اختفت في "الجواكت" في ظروف غامضة!

«السماء الثامنة ».. أول رواية مصرية عن مأساة غزة

سلماوى يسجل تاريخ القضية فى قصة حب عاصفة قصة غرام «إيمان» و «عمر» تبدأ بمظاهرة لنصرة غزة 2006 وتنتهى ب...

سمير غريب مفكر كشف الستار عن أهم جماعة فنية فى الأربعينات

عاون فاروق حسنى وتولى رئاسة أربعة أجهزة ثقافية كبيرة ألقى الضوء على رواد السريالية ومؤسسى جماعة الفن والحرية فى كتابه...

ماجدة حسانين: أصعب ما يواجه الشاعر أن يظل صادقًا وسط الضجيج

أصدرت 3 دواوين وتكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر ليس وزنًا وقافية بل أن ترى العالم بعين أكثر انتباهًا حضور المرأة...