الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
تتكئ كتب التاريخ دائما على ذكر الوقائع والأحداث، والنتائج التى غيرت شكل الحياة، تتغير أسماء الأبطال بحسب المكان والزمان، أما السطور المكتوبة فلا تعترف إلا بالانتصارات أو الهزيمة، بالصراعات والمهادنة، كل ذلك بعيد عن دراما الأحداث، تعترف بالمادى الملموس بعيدا عن الروح، هذا ما آثار حفيظة وانتباه الباحثة فى علم الآثار "سهيلة الرملى" التى نبشت فى الجانب الإنسانى للشخصيات التاريخية، وأزالت عنها القداسة، وجعلتها تتكلم بلسان بشرى يصيب ويخطئ، يحاول ويسقط.. كل ذلك احتوته موسوعتها "اتكلمى"..
تتحدث سهيلة عن بدايتها وشغفها بعالم الآثار وعلم الآثار فتقول: أنا طفلة خرجت للدنيا فوجدت مكتبة جدها تحوى مئات الكتب فى شتى الثقافات والعلوم، وكان يمسك موسوعة عالم الآثار "سليم حسن" ويحكى لى منها حواديت، ووالدتى كانت تملك القدرة على الحكى ببراعة وتشويق، ووالدى برغم بعد تخصصه عن "الآثار" إلا أنه كان دائم اصطحابنا أنا وإخوتى للمتحف المصرى والأهرامات، وحديثه كان دائما عن حضارتنا القديمة، فتربيت على حلم وهدف واحد وهو دراسة علم الآثار، وبالفعل دخلت كلية الآثار وأنا فى عقلى أننى سوف أدرس حواديت وحكايات بطريقة جدى فى السرد، لكنى وجدت الموضوع مختلفا تماما.. كان من حظى أن يدرس لى فى الكلية العالم الكبير د."عبد الحليم نور الدين"، وكنت آخر دفعة درس لها، وتأثيره فى توجيهى فى البداية كان له عظيم الأثر، ثم كان د. محمد عبد الحليم الذى كان يحاضر بنفس الطريقة التى كنت أبحث عنها، والمعلومات التى لا تدرس فى كتب التاريخ، إلى أن وجدنى أجلس أمام الثماثيل والمومياوات، وأنا صامتة، أتأمل فقط فقال لى "أنت بتتأملى التماثيل وعايزة تعرفى لو كانوا فى زماننا كانوا ها يتصرفوا ازاى؟ قلت له بالضبط ما أريد معرفته، فوجدته يقول الفكرة التى تراودنى ولا أعرف كيفية بلورتها، فال لى ابحثى عن الجوانب الإنسانية والأحداث غير الرسمية لكل شخصية وسوف تصلين، تأملى النقوش الخاصة بكل شخصية".
وتواصل "الرملى": بالفعل بدأت أجمع تفاصيل عن الشخصيات، غير المعلومات المعروفة، لكنى لم أكن أعرف لماذا أجمع هذه المعلومات، وفى أى شىء سأستخدمها؟ وبعد التخرج لو لم ألتحق بالعمل الحكومى أو الأكاديمى، لكان عندى مشروع بحث كنت أريد أن أبحث فيه وحدى، إلى أن جهة ما طلبت منى أن أعطى كورسات فى المتحف المصرى للطلبة، فوجدت أنه ليس هناك معلومات مكتملة عن القطع والمعلومات متناثرة، وكان وقتها عندى صفحة على الفيس بوك اسمها "ماتيجى نحكى" أقوم بنشر معلومات وصور وفيديوهات، وحكايات عن كل أثر، فقمت بعمل كتاب بعنوان "جولة فى المتحف المصرى"، وكانت المفاجأة أن الذين اشتروا الكتاب هم "مرشدو السياحة" وليس الطلبة، ففكرت أن أتجه للإرشاد السياحى، لكن سرعان ما تراجعت عن الفكرة لأنى أحب البحث عن المعلومة، إلى أن وجدت إعلانا عن مؤتمر دولى فى مدينة الأقصر، فقلت لمَ لا أشارك فى المؤتمر، وأنا عندى شك أن يقبلونى لحداثة تخرجى، لكن قلت لن أخسر شيئا لو تقدمت، ورد على اتصالى للمشاركة د. "بدوى اسماعيل"، وكان رئيس المؤتمر وعميد كلية آثار أسوان، وهو صاحب الفضل فى تشجيعى وإعطــائى أول فرصة، بــأن قــابلنــى فــى متحف الــحــضـــارة الكبير -وكان لا يـزال تحت الــتجهـيـــز- وأعطــانـى فــرصــة للبحث والمشاهدة لعمليــات التـرميم، وطلب منـى عمــل ورقة بحـث عن الــمتحــف، وكـــان البحث عن الخرافات التى تحيط بالآثار المصرية من الزئبق الأحمر، ولعنة الفراعنة، وبعدها دخلت فى المؤتمرات فى شرم الشيخ والجامعة الأمريكية، والمركز الثقافى الإيطالى، وبدأت أكتب مقالات عن الآثار بطريقة بسيطة، ثم جمعت المقالات فى كتاب "لسان أهل مصر" وحقق الكتاب نجاحات، وكان عندى هدف كيف أقدم التاريخ للأطفال بشكل بسيط، وكانت خطوة برنامج أطفال اليوم فى "صوت العرب" وكان لى فقرة ثابتة كل يوم نتكلم عن الآثار والأطفال تسأل، فوجدت أسئلتهم ملهمة، جعلتنى أبحث لكى أجيب عن تساؤلاتهم، وشجعتنى أن أحاول عمل شىء للمدارس يستفييد منه كل الأطفال، بحيث تكون فكرة الدفاع عن الهوية من منطلق المعرفة والدراسة، فكانت فكرة موسوعة "اتكلمى"، عشرون شخصية كل شخصية فى كتيب صغير.
وتواصل الرملى: كان الملك "مينا" موحد القطرين كما نعرفه جميعا بهذا اللقب، وتذكره الكتب باسم "نعرمر" يقدم نفسه هكذا: اسمى نارمر، أول من لبس التاج المزدوج لمصر، اسمى مركب من كلمتين فى لغتنا القديمة، "نعر" بمعنى "سمكة السلور" و"مر" بمعنى "الأزميل" رمز القوة والعمل، هذا الاسم كان يعكس قوتى، ورغبتى فى أن أشق طريق الوحدة، كما تشق السمكة مجراها فى النهر، أول من كتب: لن تكون هناك مصر العليا ومصر السفلى بعد اليوم، بل مصر واحدة موحدة، منذ لحظة التوحيد بدأت قصة دولة لم يعرف التاريخ مثلها من قبل. أنا "نعرمر" أول ملوك مصر الموحدة جئتكم من عمق التاريخ، لأحكى حكايتى بصوتى.
اختارت "الرملى" الحديث فى الموسوعة عن الشخصيات التاريخية التى كانت تمثل نقاط تحول فى تاريخ مصر، كل ملك منهم واجه أزمة وجودية، أو عمل فى مجاله ثورة "عسكرية، دينية، أو اجتماعية، عشرون شخصية شكلوا ملامح الامبراطورية التى نفخر بها تقول: وجدت الملكة "نفرتيتى" من الملكات اللاتى ظلمهن التاريخ، بحصرها فى "لقب جميلة الجميلات، أو الجميلة جاءت، جعلتها تتساءل من أين جئت؟ وهى تدافع عن نفسها أنها شريكة لزوجها وليست ظلا له، ظهرت فى اللوحات وهى ترفع يدها للسماء، متعبدة تجلس بجوار زوجها "اخناتون" تتلقى معه أنوار "آتون".
الرملى فى موسوعاتها، ينطبق عليها مقولة "أنطقت الحجر" بمعناه المجازى والفعلى، فعندما يخرج الملك اخناتون عن صمته لكى يشرح وجهة نظره فى حقيقة أنه هل كان فعلا ملكا متمردا على دين الدولة؟، أم كان موحدا يبحث عن الحقيقة والنور؟
وأخيرا تقول الباحثة: أنسنة الملوك والآلهة لم تقلل من هيبتهم بل زادتهم احتراما، فعندما تحكى الملكة "تى" عن رحلة صعودها من فتاة من عامة الشعب، إلى زوجة ملكية عظيمة، كانت المحرك الرئيسى للسياسة فى عصر "أمنحتب الثالث"، أو أن تبوح "نفرتيتى" بأنها ليست مجرد صورة جميلة، وسر اختفائها من المشهد السياسى، أو عندما أعرف أن "تحتمس الثالث" كان عنده مخاوف، وتغلب عليها والتحديات التى واجهها كبشر، واستطاع التغلب عليها، فهو شىء لا يسىء للتاريخ، بل يجعلنا نعيش مع هذه الجوانب الإنسانية وخاصة إذا كانت معلومات تاريخية موثقة، لكنها ممزوجة بدراما الحياة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد