خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد

خالد أمين كاتب وروائى شاب يعد من أهم الكتاب المتخصصين فى أدب الرعب النفسى حالياً، استطاع من خلال كتاباته أن يجمع ما بين العمق الفلسفى والاجتماعى إلى جانب التشويق المرعب، صدر له العديد من الروايات منها، "كوابيس منتصف الليل"، و"جرائم الغراب السبع"، و"زائر منتصف الليل"، و"وقريباً سيحل الظلام"، صدر له مؤخراً رواية "عيون الأفعى"، عن الرواية وبداياته وتجربته الإبداعية تحدثنا معه.

حدثنا عن روايتك الأحدث "عيون الأفعى"؟

كنت أريد كتابة رواية تجعل القارئ يصرخ ويضحك ويبكى بصوت عال.. هى الرعب والمشاعر والعاطفة والجنون، وكل الأشياء التى تنتظرنا فى ظلمات المدينة من حولنا، والأركان المظلمة من عقولنا كذلك.هى ببساطة عن محقق مصاب بالبارانويا، يحاول حل لغز اختفاء الناس من داخل غرفهم المغلقة، لكن الأمور ليست بتلك البساطة أبدًا.

 العنوان يحمل رمزية، فما دلالته؟ وماذا كنت تقصد بالأفعى فى العنوان؟

لماذا نخاف الأفاعى بهذا الشكل؟ تحدث عالم النفس كارل يونج عن موروث القبيلة والوجدان الجمعى، ما الذى فعلته الأفعى برجل الغاب كى نرث منه هذا الرعب الهائل منها.  هناك حادثة مشهورة لجندى إبان الحرب العالمية الثانية، كان يجلس فى خندق، بندقيته وفأسه جواره، تبادل إطلاق النيران مستمر، والدخان فى كل صوب.. وعندما مرت أفعى على ساقه، وفى لحظة ذعره بتر الجندى ساقه بالفأس، لمجرد أن الأفعى مرت عليها.موسى، وهو الشرير فى الرواية، ويمثل الرعب الخام الكامن فى أسوأ كوابيسنا، هو الأفعى، رجل فارع القامة شاحب جلد الوجه ولونه أبيض، ويمتلك لسانا مشقوقا كالأفاعى وقدحتى عينان مستطيلتان، هناك سر غامض للغاية بشأن موسى، فهو ليس كما نتوقع على الإطلاق، لنقل إن شخصية وكاريزما موسى تماثل الأفعى، وهناك رمزية عمومًا فى الرواية لكيفية التعافى والنجاة من الشخصيات النرجسية الذين يطلقون السموم الفكرية والعاطفية لعقلك وقلبك.

 ما الرسالة التى أردت إيصالها من خلال فكرة الاختفاءات التى تحدث داخل الغرف الموصودة؟

على مستوى الحبكة: الغموض والمغامرة وسبب تكرار تلك الجرائم منذ مائة عام بنفس النمط والشكل.أحب بشدة روايات الغموض.. تيمة الاختفاء من داخل الغرفة المغلقة موجودة فى الأدب الكلاسيك والمعاصر، ولذا أردت التلاعب بتلك الفكرة، مع فكرة المرايا كذلك، هل موسى يقف خلفك حقًا وأنت تنظرين للمرآه ويمد يده ليعتصر قلبك، هذا تفسير القدماء للنوبة القلبية، فقد فسروه بأن طاقة مظلمة تفعل هذا، أما الرمزية فكانت أن هناك ناس من حياتنا اليومية يختفون دومًا.كما أن لحظة النهاية الصادمة، معرفة سر الاختفاء وما يحدث لمن أخذهم موسى فى الرواية كانت الأكثر صدمة وإمتاعًا خلال كتابتها، وأعتقد أنها صدمت القارئ بشدة.

 شخصية "موسى" الكيان الغامض فى الرواية، هل هو كيان خارق أم رمز نفسى، أم مزيج من الأثنين؟

تبدأ الرواية بداغر، بطلنا المصاب بالبارانويا، وهو يرى رجلا عجوزا، قبطان، يهرب من شىء ما فى المدينة المظلمة، وسط العاصفة والأمطار، ويصيح بجملة ما، لكن الرياح تبعثر أحرف تلك الجملة. السر الرهيب الذى اكتشفه القبطان ويفسر من هو موسى وأسباب الجرائم والاختفاء، بل ولماذا لا توجد نجوم فى السماء، والمدينة دومًا غارقة فى ليل بلا شمس.الغموض لاعب محورى بها، وموسى رمز للشك والخوف وكل الأشياء المظلمة التى تحاول مهاجمة المرء، كالقلق والتوتر والشك بالذات، وبالطبع..الخوف.

 هل الخوف فى الرواية يخرج من البيئة المحيطة، أم من النفس البشرية نفسها؟

 تيمة الرواية كانت الخوف وكيفية التصدى له، لنقل إن الخوف يبدأ داخليا أولًا، وطاقته تجذب إليه الشر الخارجى، لذا لدينا النوعان، لكن فى عيون الأفعى الرعب خارجى. على خلاف جرائم الغراب السبع، كان الخوف داخلى ونفسى مثلًا، لكن الأفعى تفتح باب الرعب القديم لدينا من الليل والزواحف والوحدة والظلام.

 فى الرواية هناك إحساس متصاعد بالقلق وعدم اليقين، كيف تحافظ على هذا الإحساس فى النص دون أن تتحول الأحداث إلى مبالغات؟

بأن يشعر القارئ أن كل هذا قد يحدث له، والمهم هو طريقة السرد البسيطة والممتعة، يمكننا كتابة رواية عن معادلات شرودنج فى فيزياء الكم بشكل ممتع ومشوق ومثير جدًا لو أردنا هذا، كما أن فكرة الإنسان المهجور "داغر"، الرجل الذى غفل عنه الزمن، وليس فحسب البيت المهجور، وحقيقة أن المدينة المظلمة نفسها تلعب دور شخصية مستقلة فى الأحداث.داغر يسير فى الشارع فيمر جواره رجل يرتدى طربوش، وبعدها حنطور، ثم يرى لافتة سينمائية لإعلان فيلم "شمس الزناتى" من الثمانينات، قبل أن يمر جواره فارس عربى ملوحًا بسيفه على حصانه، ويصيح أنه عنترة، وبعدها يدخل حانة تبدو وكأنها فى الأربعينات، والمذياع يتحدث عن أنباء انتصار روميل فى الصحراء، ويقابل شجرة الدر فى فندق المدينة، فهل تلك هلاوس داغر؟ أم أن هناك شيئا آخر مريع يحدث لا يتصوره عقل قادر على أن يفسر كل هذا.

 كيف توازن بين الجانب النفسى والجانب التشويقى فى أعمالك دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟

أكتب مشاهد العاطفة كأنها مشاهد قتل، وأكتب مشاهد القتل كأنها مشاهد رومانسية، طبق منطق الأحلام فى الكتابة الروائية، وأدع الشخصيات تتولى قيادة قمرة قيادة الباخرة التى هى عقلك ولسوف يسير كل شىء على ما يرام.

 ما الذى يجذبك فى الرعب النفسى مقارنة بالرعب القائم على الماورائيات؟

أنا منجذب لكل الأنواع، لكن الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد.الأمر عن الهوية، والتأثير، والتحكم بعقولنا، بدلًا من أن تكون تشكيل لما يحدث من حولنا، وهناك بالطبع أسئلة مثل لماذا نحلم ولماذا لا نتذكر بداية حلمنا أبدًا، ولماذا الأغلبية لم يحلموا بهواتفهم الخلوية من قبل، والأنا البديلة، الآخر المظلم بداخلنا، علم النفس ممتليء بالدهاليز المرعبة والمثيرة.

 من أين تستلهم موضوعات رواياتك؟

من كل شىء.. عاهدت نفسى وأنا فى الإعدادية على القراءة اليومية، أنا فى السادسة والثلاثين من العمر، وقد حافظت على هذا العهد الحمدلله، القراءة اليومية، أيا كان ما الذى يحدث ويحاول أن يعيق هذا، وأنا ابن مخلص بشدة للسينما والموسيقى كذلك، أحيانًا أكتب رواية كاملة أو مشهد بسبب معزوفة موسيقية، أريد كتابة أحداث لتلائم تلك الموسيقى، ومما يحدث حولنا فى العالم، ومن التاريخ، والبشر، والطبيعة.. كل شىء.

 تعتمد فى عدد من نصوصك على الأساطير الشعبية المصرية، ما المعايير التى تحدد بها اختيار الأسطورة المناسبة للمعالجة الأدبية؟

لا أعتقد أنى تطرقت للأساطير الشعبية المصرية بشكل مباشر من قبل، فى "إنهم يأتون ليلًا" كان الشىء مسخ وليد خيالى، يرمز للاكتئاب وماذا لو تجسد الاكتئاب فى صورة مسخ يأخذ شكلى وشكلك وينشر الشك والهلع والجنون فى الناس من حوله.وذات مرة، فى "الطريق المظلم"، كانت رواية عن جريمة قتل وقصة حب وانتقام ونهاية مجنونة تمامًا، ليلة ظهور القرين خاضت حكاية القرون عن الوجدان الشعبى لكل الشعوب، مصرى وعربى وأوروبى، لأن القرين حكايته واحدة عند العالم كله، لكنى ابتكرت اسم الروطاش من وحى خيالى، وألفت حكايته كمسخ عربى قديم موجود. "قريبًا سيحل الظلام" كانت عن سفاح، انفلونسر، ينشر جرائمه على الأنترنت ويروع القاهرة، وفريق من غرباء الأطوار الخارجون عن نمط المنطق يتحالفون ضد هذا السفاح، جادو، وكل منهم يمتلك قدرة خارقة.. "الغراب" كانت رعب نفسى بحت وغموض. و"ليلة فى ضيافة الكونت" كانت عن أساطير أوروبا الشرقية وترانسلفانيا، ومصاصين الدماء ونوسفيراتو.أما "زائر منتصف الليل" فكانت عن سفاح بلقب شبح الأوبرا، ويلقبه أبطالنا باسم "البعبع"، يختطف الناس ويحولهم لتماثيل شمع فى سيرك متنقل، وأبطالنا أطفال فى بلدة صغيرة بالثمانينات يواجهون هذا المسخ البشرى المرعب، ولكن فى "عيون الأفعى" جعلت الأمور مرعبة بشكل مباشر جدًا لأنى أردت للقارئ أن يخاف وترتعد أوصاله، لذا بدأت بمشهد جلسة تحضير الأرواح، التى تريد خطف جسد الأحياء عبر المرآه وخلافه، لكن سؤالك ربما يهلمنى بفكرة جديدة وأتطرق للأساطير الشعبية المصرية، فهى ثرية وجميلة. النداهة تبدو كغول جميل، ومناسب دومًا للحديث عنه.

 أدب الجريمة غير منتشر فى مصر بشكل كبير فما السبب؟

أعتقد أنه منتشر، لأن القارئ بحاجة للخيال والإحساس.من يقرأون يمتلكون خيال ومقدرة على التعاطف، مع الشخصيات الروائية، تلك أحد أنقى وأفضل درجات العاطفة والشعور.أدب الجريمة والغموض له جمهور كبير فى مصر، بكل فروعه، جريمة وغموض نفسى أو من فعلها أو بنكهة ماورائية.

 لماذا انتشرت فى الفترة الأخيرة أنواع جديدة مثل أدب الرعب وأدب الجريمة والأدب النفسى ولم يعد الاهتمام كثير بالروايات الرومانسية أو الاجتماعية؟

عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال، تلك هى الحالة والنمط النفسى للناس حول العالم، وأنا واحد منهم، مثلًا إبان الكساد الاقتصادى العالمى ظهرت أفلام وروايات رعب بمختلف أنواعها، وغموض كذلك.مؤخرًا، مع مواقع التواصل وغيره، كان لا بد أن يرفع الخيال يده ويقول: لحظة أنا لازلت موجود، وهذا عن طريق السينما والأوبرا والمسرح والموسيقى والرسم.. فى حقبتنا الحالية أهم ما يمتلكه الخيال هو الروايات، والناس بحاجة لتشعر بشىء مختلف، أن يذهبوا لعالم مختلف ويشعرون بكل المشاعر البشرية، وأن يواجهوا شرا ما مع أبطالنا ويحلوا غموضا ما، أشياء كتلك بها نكهة مغامرة وحياة تنشط عقول وأوراح القراء، هذا بالنسبة لأدب الرعب وأدب الجريمة والأدب النفسى، أتمنى أن تظهر روايات رومانسية واجتماعية فى نفس الوقت.

 لماذا يتعامل النقاد مع أدب الرعب على أنه أدب من الدرجة الثانية؟

أرفض تقسيم الفن لدرجات، عندما يقول لى أحد شيئا كهذا أقول له: هل قرأت جيكل وهايد لستيفنسون؟ هل تعلم أن رواية الرعب تلك ألهمت فرويد وكارل يونج بمنهج علم النفس؟ أو مثلًا أن رواية فراكشنتشاين لمارى شيلى يتم تدريسها أدبيًا فى الكليات والجامعات حول العالم، وأن هناك جوائز أدبية عالمية باسم كتاب رعب غيروا خيال أجيال لاحقة، مثل برام ستوكر وأدغار الان بو، وماذا عن أحمد خالد توفيق وإرثه الخالد فى مصر والوطن العربى.لو تعامل أحد مع الرعب بهذا المنطلق فهذا لأنه لم يجرب قراءته ليس أكثر، لم يستكشفه، واكتفى بأخذ الانطباع فحسب.لكنى أرفض تمامًا تقييمه لدرجات.أدب الرعب قوى للغاية وقادر على التغلغل لأنواع أخرى.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى منصور: جرائم الريف دفعتنـــى لكتابة «خرطوش محلى الصنع»

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد