الطريق إلى الله «1» الاستغفار.. باب النور الأول على الطريق

"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله في حياة المسلم، وفهم غاية وجودنا، وممارسة العبادة بصدق وإخلاص. فهو دعوة للتأمل في النفس، والتفكر في الخلق، والتوجه القلبي والسلوكي نحو الله، لنعيش حياة تتسم بالسكينة والطاعة، والقيم النبيلة.

أسعى في هذه السطور إلى إضاءة الطريق أمام القارئ نحو الإيمان الحق، والإخلاص في العبادة، وذكر الله الذي يطمئن به القلب، والصلاة على النبي ﷺ التي تزيد الروح صفاء وقربا من رب العالمين.

وإذ نخوض في هذا الطريق، نتذكر قول الله تعالى:

ألا بذكر الله تطمئن القلوب). (الرعد: (۲۸)

فكل خطوة في طريق الله تبدأ بالذكر، وتثمر بالقلب الطيب، والسلوك المستقيم، والنية الخالصة.

اسأل الله أن يجعل هذه السطور نورا يهدى القلوب وسبيلا للثبات على الحق، وأداة لتقوية العلاقة بين العبد وربه، وأن ينفع بها كل من يقرأها ويعمل بما فيها من تعاليم وقيم...

قابلت أحد المشايخ وقال لى: الزم ذكر الله، وعليك بذكر "لا إله إلا الله"، فهي مفتاح الولاية، وباب الله الذي به كل الخير وفيه كل الفوز.. وبدأت في هذا الذكر إلى أن جاءتنى مكالمة من أحد مشايخ الصعيد لم أعرفه من قبل ولم يحدثني، جاءت مكالمته عن طريق صديق مشترك وفاجأني الشيخ بقوله "وانت معاك ذكر إيه" فقلت له: "لا إله إلا الله"، فرد بحسم وهل يجوز طلاء البيت قبل تنظيفه؟ أجبته بالطبع لا فقال لي: لا ذكر إلا بعد الاستغفار، عليك بالاستغفار قدر ما تستطيع حتى ننظف القلب وتطهر الروحونتخلص من الأمراض والذنوب ونقف على باب الله في أول الطريق مقرين ومعترفين بالذنوب والخطايا ومستغفرين ومتطهرين منها.

فالاستغفار هو النور الاول الذي لا يراه الجسد ولا يشعر به أحد لكنه لا يخطئ الطريق إلى القلب المثقل بالمعاصي والذنوب.

الاستغفار قمة العبودية والاعتراف بأنك مجرد عبد لك رب وأنت له مملوك ، يفعل بك ما يشاء، ناصيتك ونواصي العباد بيديه، عدل فيك قضاؤه، ماض فيك حكمه لا محالة.

والاستغفار أمر إلهى جاء ذكره مرات عديدة في القرآن الكريم، قال تعالى "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ ويجعل لكم جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لكم انهارًا".. وهو مفتاح الرزق والعطاء والبركة والفلاح.

وعلى الفور شرعت في ترديد آيات الاستغفار في القرآن الكريم ومختلف أدعية الرسول الواردة في أحاديثه النبوية، استمر هذا الوضع طيلة ١٠ ايام.

أراد لى هذا الشيخ كسر قيود المعاصى والتخلص منها والتطهر من تبعاتها وأحمالها حتى يكون طريق الله مفتوحا دون عوائق، فلا وقوف بباب الله لقلب مثقل وروح متعبة ومكبلة بالذنوب.

الاستغفار يأخذك إلى عالم الإقرار بالعبودية والاستسلام لرب العالمين ومن دنس الذنوب إلى تطهير النفس والروح.

ويبقى الاستغفار في زحام الحياة وتقلباتها، ملاذا آمنا للقلب، ونافذة نور تفتح للروح طريق العودة إلى الله ليس الاستغفار مجرد كلمات تردد باللسان، بل هو حالة انكسار صادق و اعتراف بالافتقار وتجديد للعهد مع الخالق في كل لحظة ضعف أو تقصير. حين يقول العبد: "استغفر الله"، فهو يقر بحاجته إلى العفو ويعلن رجوعه إلى باب لا يغلق أبدًا.

لقد دعا نبي الله نوح إلى الاستغفار، فربط بينه وبين أبواب الرزق والخير، وبين نزول الغيث وبركة المال والولد. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الاستغفار لا يقتصر أثره على الآخرة فحسب، بل يمتد ليصلحشؤون الدنيا، ويبارك في الأرزاق، ويفتح مغاليق الأمور. فالعبد إذا أقبل على الله بقلب تائب، أقبلت عليه أبواب التيسير من حيث لا يحتسب.

والاستغفار حياة للقلوب قبل أن يكون غفرانا للذنوب. فالذنوب تنقل الروح وتورتها قلقًا واضطرابا، فإذا داوم الإنسان على الاستغفار شعر بخفة في صدره وسكينة في نفسه، كأنما أزاح عن كاهله هما ثقيلا. هو دواء للقلق، وبلسم للجراح الخفية، وسر من أسرار الطمأنينة التي يبحث عنها الناس في كل مكان.

وقد أخبرنا الله أن الاستغفار أمان من العذاب، وأن وجود المستغفرين سبب في دفع البلاء عن الأمم. وما أحوج المجتمعات اليوم إلى هذه الروح روح الرجوع والتوبة، بدلا من روح العناد والمكابرة، فحين ينتشر الاستغفار تنتشر معه الرحمة، ويحل اللين محل القسوة، ويغدو الناس أكثر تسامحا وصفاء.

والاستغفار تربية مستمرة للنفس على التواضع فهو يكسر الكبر ويذكر الإنسان بحقيقته وضعفه ويمنحه قوة داخلية على مقاومة الخطأ والعودة السريعة إلى الطريق المستقيم. إنه تجديد يومى للإيمان، وغسل دائم للقلب، وارتقاء متواصل في مدارج القرب من الله.

إن من يلازم الاستغفار يلمس أثره في تفاصيل يومه في انشراح صدره، وفى بركة وقته، وفى نور وجهه وفي حسن ظنه بربه. هو مفتاح الفرج عند الضيق وباب الأمل عند الشدة، وعلامة حياة القلب مهما تكاثفت عليه الغفلات.

وهكذا يبقى الاستغفار طريقًا مفتوحا لا يحتاج إلى موعد، ولا تحجبه حواجز، يكفى أن يتحرك القلب صادقا، وأن ينطق اللسان مستحضرا، حتى تتنزل الرحمة، ويبدأ فصل جديد من الطمأنينة والرضا.

 	أحمد الحضري

أحمد الحضري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

كمال القاضى: لا يمكن أن ننفصل عن تجاربنا الحياتية أثناء الكتابة

أكد الناقد الأدبي والسينمائى كمال القاضى، الذى أصدر مجموعته القصصية الجديدة بدون أوراق رسمية"، إنه تعمد أن يصدم القارئ في...

تفاصيل ومشاهد وذكريات 4195 يومًا فى دبى

مناطق تراثية حافظت على أصالتها رغم التحديث الشامل

أحمد عبد اللطيف: الكتابة حياتى

الفائز فى أى جائزة هو الكتاب وليس الكاتب باسمه شخصياتى وحيدة لأن الوحدة مرض العصر

الطريق إلى الله «1» الاستغفار.. باب النور الأول على الطريق

"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله في حياة المسلم،...