تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق
عصام الزيات، كاتب روائى وطبيب، وصلت روايته «الاختباء في عجلة هامستر» للقائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية»، فى دورتها التاسعة عشرة لعام 2026. يرى عصام أن عمله في الطب كان البنية الأساسية التي شكلت طريقة تفكيره السردي وتعاطيه مع الشخصيات، هنا حوار عن الرواية وكواليسها وصراع الطب والأدب، ورؤيته للمشهد الأدبى وكثرة الجوائز، وقوائم البيست سيلر، وغيرها من الملفات الشائكة والمثيرة للجدل.
كيف كانت كواليس روايتك الاختباء في عجلة هامستر» وما العلاقة بين هذا العنوان ودلالاته في بنية الرواية؟
انطلقت فكرة الرواية من مراقبة متأنية لما يشبه حالة متكررة بين البشر إحساس دائم بالحركة والنشاط، لكنه لا يصاحبه أي تقدم حقيقي أو تحول ملموس في الحياة.. نحن نعيش في عصر يقدس الفعل والسرعة والإنتاجية واتخاذ القرار، لكن كثرة الحركة لا تعنى بالضرورة تغيرا في موقع الإنسان من نفسه أو من محيطه. ما جذب اهتمامي هو شعور جماعى بالإرهاق، مصحوب أحيانا بإحساس خفى بالجمود، وأحيانا أخرى بانغلاق كامل على الذات والعالم.
السؤال الذي طرح نفسه كان ماذا لو لم تكن المشكلة في غياب الحركة، بل في طبيعتها ؟ ماذا لو كانت الحركة نفسها مبرمجة لإعادة إنتاج الواقع القائم؟ وماذا لو كنا محاطين بأنظمة توهمنا بالحرية، بينما كل النتائج محددة سلقا ؟ من هنا استلهمت استعارة عجلة الهامستر»، ليس كمجاز ساخر، بل كتصور دقيق لنظام وجودي حركة مستمرة لا تقود إلى أى مكان حقيقى، لكنها مقبولة لأنها تبدو طوعية.
تركز الرواية على تحليل هذا النظام على مستوى الفرد كيف ينجح الإنسان في إقناع نفسه بأن خياراته حقيقية ؟ كيف تتحول طرق التكيف إلى قيود غير مرئية ؟ وكيف يصبح الاختباء في العمل أو العلاقات أو الذاكرة أو حتى الشعور بالذنب وسيلة للبقاء ؟ الجريمة، والانكسارات النفسية والاجتماعية ليست بداية الصراع، بل نتيجة طبيعية لهذا الدوران المستمر في دائرة مغلقة. ما يهمنى هو البعد الوجودي أكثر من الأخلاقي.. كيف يستمر الإنسان في دائرة يدرك أو يشك أنها لن تؤدى إلى خلاص، ومع ذلك يظل فيها؟ وما الذي يجعل البقاء، رغم كلفته النفسية، أسهل من المغامرة بالخروج ؟
ا ماذا يعنى الوصول للقائمة الطويلة للبوكر؟
بالنسبة لي ككاتب شاب الوصول للقائمة الطويلة للبوكر يعنى عدة أشياء فى وقت واحد: أولا، هو اعتراف رسمى بالنص، فهناك لجنة تحكيم مستقلة مكونة من خبراء عالميين، وجدت أن كتابك يستحق أن يقرأ ويناقش، حتى قبل أي جوائز نهائية. هذا يعزز مصداقيتك أمام الناشرين والقراء والصحافة، ثانيا.
هو اختبار حقيقى للنص وليس للكاتب فقط، فالوصول للقائمة الطويلة يضع عملك تحت المجهر، ويكشف عن نقاط قوته وضعفه، عن أسلوبك وعن قصتك بشكل موضوعی، دون أي تحيز شخصى كل كلمة تكتب لها وزن، وكل فكرة تحسب. ثالثا، هو فرصة للانفتاح على العالم.. القوائم الطويلة للبوكر تمنحك مساحة لتوسيع جمهورك خارج حدودك المحلية، وتضعك في مواجهة قراء ومثقفين عالميين، وهو أمر بالغ الأهمية للكاتب الشاب الذي يريد أن يسمع صوته على نطاق أوسع. وأخيرا، هو حافز شخصي و مهنى يذكرك أن طريق الكتابة طويل ومليء بالتحديات، لكن هناك تقديرا حقيقيا للجهد والإبداع، حتى لو لم تفز بالجوائز النهائية. هو شعور بأنك على الطريق الصحيح، وأن ما تكتب له قيمة حقيقية.
وهل الجوائز تضيف للعمل الأدبى؟
الجوائز الأدبية مهمة لأنها تمنح العمل الأدبي اعترافا رسميًا ومصداقية، وتضع النص في دائرة اهتمام النقاد والقراء. وصول كتاب للقائمة الطويلة أو الفوز بجائزة يعنى أن لجنة متخصصة وجدت فيه قيمة حقيقية، ما يجعل القراء يأخذونه على محمل الجد الجوائز بهذا الشكل تخدم العمل الأدبي في توسيع انتشاره ودعم وصوله إلى جمهور أكبر سواء من خلال المكتبات أو المهرجانات أو الترجمات، فتزيد فرصة أن يقرأه الناس الذين ربما لم يكتشفوه بدون هذا التقدير.
بالإضافة إلى ذلك الجوائز تعطى الكاتب دفعة معنوية ومهنية، فهى تحفز على الاستمرار في الكتابة، وتزيد الثقة بالنص، كما تمنح العمل الأدبي منصة للظهور والتفاعل مع القراء والنقاد بهذا المعنى الجوائز ليست مجرد تكريم، بل أداة عملية تدعم النص في الوصول إلى جمهوره، وتكسبه حضورًا أوسع في المشهد الثقافي، مما يجعلها مفيدة لكل كاتب يسعى لتوصيل عمله للعالم.
ما رأيك فى تعلق القراء بالجوائز وبأنهم لا يقرأون سوى أعمال الجوائز؟
تعلق القراء بالجوائز شيء طبيعي، لأنها تعطيهم اختصارًا ومرجعا في بحر ضخم من الكتب. الجوائز تمثل فلترة رسمية" تقول هذا العمل يستحق القراءة، ما يجعل القرار أسهل، خاصة للقراء الذين لا يستطيعون متابعة كل ما ينشر، لكن المشكلة تكمن في أن هذا التعلق أحيانا يحد من التجربة الأدبية الحقيقية. عندما يقرأ الناس فقط ما يفوز بالجوائز أو يصل إلى القوائم الطويلة، يفقدون تنوع التجارب ويختزلون الأدب في معيار واحد الجوائز مهمة لكن ليس من الصواب جعلها المعيار الوحيد القراء يستفيدون منها إذا نظروا إليها كدليل أولى، لكن التجربة الأدبية الحقيقية تتطلب الفضول والمغامرة خارج ما يكرم رسميًا.. القراء الذين يلتزمون بذلك يكونون ثقافتهم الأدبية على عمق وتجربة شخصية وليس فقط على الصدى الإعلامي للجوائز.
كيف تنظر للقوائم الأكثر مبيها في الوطن العربي ؟
هذه القوائم تظل مؤشرا مهما على تفاعل القارئ مع الكتاب، وتعكس تنوع الأذواق واحتياجات القراءة في لحظة زمنية محددة.. إنها تعبر عن نجاحات مختلفة بعضها قائم على جماهيرية الكاتب وبعضها على موضوع يلامس أسئلة واسعة لدى الجمهور، وبعضها على جهد تسويقي محترف.. لا ينبغي التعامل مع هذه القوائم باعتبارها معيارا وحيدا للقيمة الأدبية، ولا أيضا التقليل من شأنها. هي جزء من مشهد ثقافي أوسع، يتسع لكتب تحقق انتشارا واسعا وأخرى تبنى أثرها بهدوء وعلى المدى الطويل، وفى النهاية التنوع هو ما يحافظ على حيوية المشهد الأدبي، ويمنح كل تجربة حقها في الوجود والقراءة الأكثر مبيعًا يمكن قراءته بوصفه مرأة الحركة المجتمع بقدر ما هو مرأة لحركة النشر. ما يحقق انتشارا واسعا غالبا ما يلتقط أسئلة راهنة. أو يقدم خطايا سهل النفاذ، أو يوفر تجربة قراءة تمنحالقارئ إحساسا فوريا بالمتعة أو الفائدة. هذا في حد ذاته قيمة لا يصح إنكارها، لأنه يوسع قاعدة القراءة ويبقى الكتاب حاضرا في المجال العام.
هناك مسارات أخرى للنجاح الأدبي لا تمر عبر الأرقام السريعة .. كتب تبنى علاقتها مع القارئ تدريجيا. وتراكم أثرها عبر الزمن، وتعيد تعريف نفسها مع كل قراءة جديدة. هذه الأعمال قد لا تتصدر القوائم، لكنها تشكل العمود الفقرى لأية ثقافة حية، لأنها توضع حدود اللغة والأسلوب والأسئلة المطروحة، الإشكال ليس في ظاهرة الأكثر مبيعاء نفسها، بل في اختزال المشهد الأدبي فيها المشهد الصحي هو الذي يسمح بتعايش أنماط متعددة من الكتابة والنجاح، ويترك الحكم النهائي للزمن، لا للقائمة شهرية أو موسم مبيعات بهذا المعنى، نحن بحاجة إلى سوق قوى يدعم الانتشار ونقد جاد يضيء القيمة، وقارئ حر يختار دون وصاية.
من أكثر الأدباء الذين أثروا في تكوينك الأدبي؟
تكويني القرائي تشكل عبر مسارات متعددة، وليس تحت تأثير اسم واحد بعينه تأثرت بكتاب امتلكوا القدرة على بناء عوالم إنسانية عميقة، والاشتباك مع الواقع دون مباشرة، في مقدمتهم نجيب محفوظ، بما قدمه من فهم بالغ التعقيد للبنية الاجتماعية والنفسية الشخصية العربية، تم يوسف إدريس في حساسيته العالية تجاه التفاصيل الإنسانية ولغته المكثفة، وجمال الغيطاني في اشتغاله على الذاكرة والتاريخ بوصفهما مادة حية المسرد، ويضاف إليهم عادل عصمت بما يمتلكه من قدرة لافتة على النقاط الريف المصري في حالاته الهامشية واليومية، وتحويله إلى فضاء سردي هادئ وعميق، لا يقوم على الفولكلور بقدر ما يقوم على
التأمل والإنصات.
وعلى مستوى أوسع، كان للأدب العالمي أثر لا يقل أهمية، خصوصا أعمال دوستويفسكي في تعرية الداخل الإنساني، وكافكا في طرحه الوجودي المكتف و ماركيز في قدرته على تحويل الواقع إلى أسطورة دون فقدان صدقه. هذا التداخل بين المحلي والعالمي هو ما شكل رؤيتي للكتابة باعتبارها ممارسة فكرية وجمالية في أن واحد لا مجرد حكاية تروى.
علاقة الطب والأدب، هل هي صراع ؟
الطب بالنسبة لى لم يكن مجرد مهنة موازية للكتابة. بل كان البنية الأساسية التي شكلت طريقة تفكيري السردي وتعاطيي مع الشخصيات ساعات العمل الطويلة، واللقاءات اليومية مع الخوف المفاجئ الإنكار الأمل الهش، والموت الصامت، علمتني كيف أفهم الألم الإنساني كخامة يمكن التعامل معها وفهمها.
لا مجرد استعراضها حين أكتب لا أختلق المشاعر بل استدعيها من الذاكرة المهنية، من طريقة تفكير المرضي، ولغة أجسادهم تحت الضغط، ومن الفارق بين ما يقال وما يخفى، وهذا يمنح السرد مصداقية. والشخصيات واقعا حياء لها تاريخ وحدود وملامح واضحة الطب علمني الانضباط والاقتصاد في التعبير وكل شيء يحتاج التشخيص، وقرار وتنفيذ. وهذا انعكس على أسلوبي الروائي.. جمل أقصر مشاهد مركزة، وحذف واع لكل ما لا يخدم الحكاية. الرواية ليست مساحة استرسال، بل نظام الإدارة المعنى كل مشهد يجب أن يبرر وجوده ويضيف شيئا حقيقيا للحكاية، تماما كما في أي تدخل طبي له ضرورة واضحة، ومن جهة أخرى، علمتني الكتابة الإصفاء الحقيقي، وربط التفاصيل الصغيرة بالخلفية الاجتماعية والنفسية للإنسان، ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق، وهدأت داخلي بما يجعلني أكثر قدرة على اتخاذ القرار والتعامل الإنساني دون تورط عاطفی محقر.
الطب أعطاني المادة الخام والكتابة أعطتها معنى.
الجمع بينهما ليس ترفا ثقافيا، بل نموذج عمل متكامل لا اتعامل مع المرض كرقم، ولا مع الشخصية كأداة حبكة، فهناك دائما إنسان في المركز، وفي النهاية الطب والكتابة يلتقيان عند نقطة واحدة.. تحمل المسئولية. الطبيب مسئول عن حياة، والكاتب مسئول عن صورة تترسخ في ذهن القارئ كلا الدورين يفرضان مستوى عال من النزاهة ويمنعان الاستسهال، وهكذا أصبحت الكتابة بالنسبة لى امتدادا أخلاقيا للممارسة الطبية، لا مهربا منها.
هل الأدب مهنة؟
الأدب ليس مهنة بالمعنى التقليدي، كما الطب أو الهندسة، لكنه مسار مهنی حقیقی لمن يختاره بجدية. الكاتب يتحمل مسئولية مستمرة تجاه عمله البحث الكتابة التحرير إعادة الصياغة، وأحيانا مواجهة النقد والجمهور كل هذه العناصر تتطلب انضباطا ووقتا وجهدًا، تماما كما في أي وظيفة رسمية، لكن الأدب يختلف عن المهن الأخرى في طبيعة مكافأته النجاحلا يقاس بالراتب أو الترقيات، بل بالقدرة على إيصال الفكرة أو الإحساس، والتأثير في القارئ، وربما في الثقافة نفسها. الأدب يجمع بين عمل متقن ومسئولية فكرية وأخلاقية، وفي هذا المعنى يمكن اعتباره مهنة حقيقية لمن يلتزم بها بوعى ومسئولية. الأدب ليس مجرد هواية أو منعة شخصية، بل التزام طويل الأمد. وإدارة الموهبة وعمل يحتاجان لتوازن بين الإبداع والانضباط، وبين الحرية والالتزام بالصدق الأدبي.
أخيرا، ما طقوس الكتابة لديك ؟
لا أدرى إن كان يمكن تصنيف هذه الممارسات بوصفها طقوسًا بالمعنى الدقيق، لكنها الطريقة التي أجد نفسي أكتب بها على نحو أكثر تلقائية، أميل إلى الإحاطة الدائمة بمصادر صوتية متداخلة: أترك الأبواب والنوافذ مفتوحة ليصلني ضجيج الشارع، فالسكينة التامة أو الكتابة ليلا لا تناسب إيقاعي، وإذا خلا الخارج على غير العادة من الأصوات، أستعين بتشغيل أي محتوى غير الحاسوب لكسر الصمت أفضل أن يكون موضع جلوسى مواجها لحائط خال، لا شيء امامي سوى شاشة الكمبيوتر، وخلفها مساحة بيضاء بلا تفاصيل أما المكان نفسه، فأرتاح فيه حين يكون مرتبا بقدر كافي دون أن يتحول إلى نظام صارم أو برود كامل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...