شيكوريل.. من أرقى «بيوت الأزياء» إلى فيللا لـ «الأشباح» فى الزمالك

مذكرات تروى مسيرة أشهر عائلة يهودية فى مصر رونالد: عبد الناصر كان صديقاً لأبى والسادات تعهد برد الممتلكات والد عزت أبو عوف اشترى فيللا عمه القتيل وبدأت حكايات الرعب

سعدت جداً بصدور كتاب مذكرات شيكوريل»، كأننى عثرت على جزء مفقود منى وسعدت أكثر باقتنائه فور توفره بالمكتبات، فقد كنت أتوق إلى معرفة الرواية اليهودية للحظة خروج اليهود من مصر، منتصف القرن العشرين، خصوصاً أن عائلة «شيكوريل» تعتبر من كبرى العائلات اليهودية ومن أكثرها غنى وشهرة ونجاحاً.

المذكرات - ترجمها عبد المجيد المهيلمي بغلاف انيق للفنان الكبير أحمد اللباد . التي كتبها رونالد أصغر أبناء سالفاتور مورينو شيكوريل تعيد تصوير المشهد السياسي المصري منتصف القرن العشرين من وجهة نظر المعتدى عليه يهود مصر» الذين اضطروا للخروج منها من دون أن يرتكبوا أي ذنب، وبمحض الظن بأن انحياز وولاء يهود النيل» سيكون حتما إلى الصهيونية بعد العام ١٩٤٨.

الأمر الذي العاه كثير من الكاتبين منتصف القرن العشرين من دون أن يثبته أي أحد.

وعلى العكس تماماً، كان كثير من يهود النيل - خصوصا الأغنياء منهم . حريصين كل الحرص على البقاء في مصر وعلى إثبات رفضهم لدولة الكيان إن لم يكن من باب الوطنية فمن باب البراجماتية البحتة ومن أجل الحفاظ على الثروات والعقارات، وأول دليل على صحة ذلك أن أول بيان احتجاج على إعلان دولة إسرائيل مع انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين ١٤ مايو ١٩٤٨، كان صادرا في مصر ووقف المحامي العمالي يوسف درويش عصر اليوم نفسه لتوزيعه في ميدان طلعت حرب قلب القاهرة ليسجل كيهودي مصرى أول احتجاج مباشر في التاريخ على قيام دولة إسرائيل.

وعلى الرغم من وضوح موقف الكثير من يهود مصر اختار العقل السياسي المصرى المتبع وقتها بروح طائفية مردولة وسمت كثيرا ممن ينتسبون للتيار الإسلامي أن ينشر فكرة طرد اليهود على أوسع نطاق، علماً بأننا تعرف الآن - أكثر من أي وقت مضى . أن نشر ثقافة هجرة اليهود من أوطانهم إلى دولة مزعومة على أرض فلسطين المحتلة كان في الأصل مصلحة صهيونية غليا، حيث بدا أننا لا نريد أن نصدق أن ضغوط التيار الإسلامي في مصر وقتها كانت تصب في مصالحالصهيونية العالمية المدعومة من دولة الاستعمار البريطاني التي كانت دائما - وربما لا تزال إلى اليوم - الراعي الرسمي للإخوان المسلمين.

تعالوا نقرأ هنا شهادة حية من يهودي مصرى هاجر وعائلته إلى أوربا وهي شهادة تمثل صوت يهود مصر الذين خرجوا منها مكرهين وهي رسالة مضادة للسردية التي تدين اليهود أو تتهمهم بالفرار، بل تثبت أن اليهود المصريين كان بينهم وطنيون مستعدون للتضحية بكل ثرواتهم من أجل بلدهم، ومنهم الأخوة الثلاثة سولومون وسالفاتور وجوزيف أبناء الأب المؤسس مورينو شيكوريل الذين ورثورا عنه تجارة واسعة في سوق الملابس والأقمشة واستطاعوا بفضل جهودهم تأسيس أكبر وأفخم سلسلة محلات «شيكوريل»، التي كانت تستهدف الطبقات الأرستقراطية والعائلة الملكية، وتقدم إنتاج أرقى بيوت الأزياء، ولكنها تعرضت لعدة حرائق وتم تأميمها عام ١٩٥٦.

الجميل في هذه الحكاية أن كاتب المذكرات هو رونالد ابن سالفاتور مواليد ١٩٤٥، وهو عالم رياضيات وأكاديمي له مؤلفات في مجال المخ والحاسوب والذكاء الاصطناعي ويتقاعد حاليا في مونترو - سويسرا» وقد كتبها ليحكي القصة لحفيده بن»، بعد سنوات طويلة من الخروج من مصر والشتات بين دول أوربا، في محاولة منه لسرد الحكاية كما عاشها حكاية النجاح المبهر للعائلة في مصر والفشل الذريع لها في أوربا، محاولاً الإجابة على الأسئلة التي قد يطرحها الحفيد ذات يوم عن حكاية الجد اليهودي المصري الأصل.

في التمهيد أشارت ماجدة شحاته هارون رئيسة الطائفة اليهودية المصرية إلى أنه من الواجب علينا اليوم أن نفحص وندرس السبب الذي أدى إلى لفظ اليهود من نسيج المجتمع المصرى مطالبة بأن نفتح السجلات ونتكلم بصراحة عن يهود مصر، لأنها اكتشفت في مذكرات شيكوريل ما يناقض الصورة السائدة عن لحظة خروج اليهود، وأنهم هربوا بترواتهم لأن الأوضاع في مصر باتت لا تناسبهم وما يرويه شيكوريل بالفعل في هذه المذكرات هو أن عائلته ذات الثروة الطائلة لم تكن تريد الخروج من مصر لأنها كانت تعرف أنها لن تستطيع أن تسترد - لحظة خروجها - أكثر من بضعة آلاف من الدولارات، وهو ما حدث بالفعل حسب المذكرات، وما تشهد به تفاصيل الحكاية التي يرويها رونالد من أنهم أقاموا فور خروجهم إلى أوروبا في فنادق صغيرة في «جنيف» و ميلانو»، وقد تلقى تعليمه طفلا في مدارس حكومية «مجانية»، في إيطاليا وسويسرا.

في بيتنا «ناصر»

ولأن صاحب المذكرات خرج من مصر طفلا فقد ظل الحنين يناديه دائما إلى الدفء والسكينة التي عاشها بين شوارع المعادى والزمالك وهو حنين إلى مدينة دافئة ومفقودة، ضاعف منه ولا شك برد أوربا الرهيب، لكنه بقى يتذكر مصر كمكان يتمتع بالطيبة والتسامح، يقول: لا أتذكر قط أي مشهد عدواني أو عنيف في مصر بل بالعكس دائماً ما كنت أرى الطيبة واللطف والاحترام في كل مكان، هذه الطيبة وذلك الدفء الشرقي هو الذي شعرت به مجدداً في كل زيارة لي هناك».

ولأن المكان هو لغز حياته الأول والمسرح الذي شهد دراما الصعود والهبوط، حيث هبط من عيشة الأثرياء في مصر إلى معيشة فقراء أوربا، لذا أطلق صاحب المذكرات على فصولها أسماء مدن عاش فيها: «المعادى الزمالك، ميلانو، لوزان»، بالإضافة إلى «خاتمة» ورسالة إلى حفيده ورسالة إلى القارئ المصرى ومجموعة من الصور التي تحكى قصة العائلة في مصر وشتاتها في بلاد أوربية عدة.

بحسب رواية كاتب المذكرات فإن كل شيء تغير في حياته كيهودي مصری بعد ۱۹۵۲، خصوصا عقب حريق القاهرة الذي أدى إلى اشتعال الحريق للمرة الثانية في سلاسل محلات شيكوريل»، الأمر الذي أدى إلى خسائر فادحة للعائلة التي تصدت لإعادة بناء فروعها بعد كل مرة تتعرض فيها للهجوم، حيث اتهمت فيها دائما عناصر تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، حدث ذلك في ١٩٤٨ وفي ١٩٥٢، وقد تطلب الأمر من صاحب المذكرات بعض الوقت لاستيعاب المفارقة وطرحالسؤال: لماذا اضطررنا إلى الفرار من هذا البلد الرائع، خاصة إذا كنا نتمتع بعلاقات جيدة مع السلطة العسكرية؟».

عند هذه النقطة يتذكر ابتسامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في صالون بيتهم في الزمالك، لافتا إلى العلاقة التي كانت تجمعه بوالده سالفاتور، يقول صاحب المذكرات كان عبد الناصر الريس كما يسميه الناس، حاضرا في كل مكان صوره تزين واجهات المحال، وفصول الليسيه الفرنسية، وحتى عربات الباعة الجائلين، أتذكره مبتسماً في بيتنا في الزمالك، وهو يرتدى زياً عسكرياً أنيقاً ويقظا للغاية، لقد بدا لي أن أبي كانت تربطه به علاقات طيبة».

لك أن تتخيل أن يهودياً صديقاً لعبد الناصر يمكن أن يكون مهدداً في إقامته في مصر إلى هذا الحد فما بالك باليهود الآخرين، إلا أن واحداً من أسلحة الطرد كانت الشائعات الهادفة إلى إرعاب اليهود وتخويفهم، ومنها ما رواه كاتب المذكرات نقلا عن والدته التي كانت صديقة مقربة للطفية النادي، أول مصرية وعربية تقود طائرة عام ١٩٣٣، والتي كانت - بحسب المذكرات - متخصصة في قراءة الكف والفنجان ومعرفة الطالع، يقول: «لقد أوضحت لي أمي بعد سنوات أن لطفية اتصلت بها بعد ظهر أحد الأيام، لتخبرها بما سمعته في الراديو، فقد أذيع للتو أن أبي سيشنق في أحد الميادين العامة اتتخيل ذعر هوجت» المسكينة؟ في اليوم نفسه مساء اتخذ قرار رحيلنا حبيبي كنت مرعوبة وحياتي يا ابنى هذا ما حدث».

طبعاً يمكننا أن نفهم بسهولة أن العائلة التي غادرت وطن ثروتها شعرت بحجم الخسارة الاقتصادية جنباً إلى جنب شعورها بالحزن لفقدان الوطن وأن هذه العائلة ظلت تتلاوم وتتبادل الاتهامات حول دواعي الخروج من مصر، خصوصاً أن هذا الخروج كلفهم كل ما يملكون تقريباً، إلا أن هذا الحزن لم يتحول إلى رغبة في الانتقام بالانتماء - مثلا - إلى العدو «إسرائيل» الذي كان يتمنى أن يحتضن يوما عائلة شيكوريل، الأمر الذي يفسر لنا اليوم أن هؤلاء كانوا مصريين وطنيين دفعوا ثمنا باهظا لمعتقدات العقل السياسي المصرى، إلى الحد الذي انتهت فيه الطائفة اليهودية ولم يعد هناك يهود في مصر.

شبح شيكوريل

تروى المذكرات كثيراً من التفاصيل ومنها واحدة من الطرائف التي لم تكن متداولة، وهي أن الرئيس أنور السادات أرسل بالفعل رسالة إلى والده سالفاتور شيكوريل في منفاه الأوربي أواخر عقد السبعينات من القرن العشرين - يطالبه فيها بالعودة إلى القاهرة واسترداد أملاكه، وقد رد صاحب المذكرات على الرسالة المرسلة إلى والده بامتنان، غير أنه أخبر الرئيس بأن والده لن يستطيع العودة لمصر... لأنه مات».

يقول كاتب المذكرات عن والده رئيس الطائفة اليهودية بين عامي ١٩٤٦ و ١٩٥٧، إنه كان مصريا حتى النخاع. وكان يسعى بكل وسيلة لوضع خبراته وعلاقاته في خدمة بلده مصر، وإنه اختار البقاء وتحمل الصعاب بصلابة حتى باتت حياة أسرته عرضة للخطر وظلى أن تاريخ عائلة شيكوريل بالتحديد يشهد على جانب وطنى لا يمكن إنكاره، فقد شارك أحد أبناء شيكوريل في تأسيس «بنك مصر» مع طلعت باشا حرب، كما فاز والد الكاتب كبطل لمصر في «السيف» وحقق ميدالية مصرية في أولمبياد أمستردام عام ١٩٣٧.

لاحظ أنه حين يتحدث عن مصر يشير إلى الأمان والسكينة، على الرغم من أن أحد أعمامه مات مقتولاً في فيللته في الزمالك، في جريمة بشعة ارتكبها أربعة أجانب بينهم يهوديان، ففى ليلة مارس من العام ۱۹۳۷، اقتحم لصوص بيت سولومون شيكوريل" وقاموا بتخديره وزوجته في حجرة نومه، ثم قاموا بقتله، واتهم سائقه السابق بالتأمر القتله وسرقته، إلا أن الفيللا التي شهدت الجريمة ظلت مغلقة لأكثر من عشرين عاما، وأصبح الجميع يشير إليها بأنها الفيللا المسكونة بشبح شيكوريل وظلت على هذا الحال حتى أواخر عقد الخمسينات من القرن العشرين حيث تقدم الضابط فؤاد أبو عوف والد الفنان الراحل عزت أبو عوف لشرائها. وتناقلت صحف كثيرة تعليقات عائلة أبو عوف عما صادفوه من مواقف تخص شبح شيكوريل».

 	محمود خير الله

محمود خير الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...


مقالات

رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص