مصر ليست دولة بين العرب بل عمود البيت العربى
منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، ظل الحلم العربى بوحدة المصير والقوة المشتركة حاضرًا كقيمة ثقافية وسياسية عابرة للأجيال. حلمٌ ترددت أصداؤه فى الخطب والقرارات والقمم والقصائد والوعى الجمعى، لكنه ظل معلّقًا بين الطموح والتعثر، بين العاطفة والواقع. هذا الكتاب محاولة لقراءة تلك الفجوة الطويلة.. لماذا لم ننجح؟ كيف انهار مشروع التكامل؟ ولماذا بقيت الوحدة فكرة أكثر منها تطبيقًا؟ وكيف افتقدنا الإرادة العربية فى هذا الإطار؟
يؤكد كتاب "الوطن العربى بين الوحدة والتفكك.. قراءة فى مشروع التكامل ودور جامعةص الدول العربية" الصادر عن دار الأثر فى حوالى 111 صفحة، أن حلم الوحدة العربية لم يمت، فهذا الكتاب يفتح نافذة على الماضى والحاضر، ليكشف أسباب تعثر الحلم ويطرح تساؤلات عن مستقبلنا كعرب ودعوة للتفكير فى كيفية إحياء مشروع التكامل العربى، ومواجهة التفكك وأسباب الفشل قبل فوات الأوان.
تتناول صفحات الكتاب مسيرة الجامعة العربية أيضا بوصفها الإطار السياسى الذى حمل أكبر قدر من التوقعات، لكنها كثيرًا ما خذلت شعوبها بقرارات غير مُلزمة، وخلافات طغت على العمل المشترك. ورغم محطات مضيئة، فإن مسارها التاريخى يعكس صعوبة صياغة موقف عربى موحد فى ظل تباين الأنظمة، وتضارب الأولويات، واستقطاب القوى الدولية. هذا التناقض بين الشكل والمضمون هو جوهر الأزمة التى يدرسها الكتاب.
يقدم العمل قراءة زمنية من قمة أنشاص 1946 أول لقاء جمع قادة العرب بعد التأسيس وحتى القمم الحديثة، مرورًا بالحروب، والتحولات، واتفاقات السلام، ونزاعات الحدود، وسقوط أنظمة وصعود أخرى. لا ينشغل الكتاب بسرد الأحداث فقط، بل يقرأها فى سياقها.. لماذا فشلت أغلب القمم؟ لماذا لا تنتقل القرارات إلى مرحلة التنفيذ؟ وكيف تحوّل العمل العربى المشترك إلى آلية بطيئة عاجزة عن إدارة أزمات كبرى كسوريا وليبيا واليمن والعراق ولبنان؟
وفى قلب هذا المشهد المعقد، تظهر مصر الشقيقة الكبرى بوصفها الدولة الأكثر رسوخًا فى فكرة العروبة ومركز ثقلها السياسى والتاريخى. فمنذ لحظة التأسيس احتضنت القاهرة الجامعة العربية، وكانت لاعبًا رئيسيًا فى كل منعطف جوهرى من دعم حركات التحرر الوطنى، إلى الدفاع عن القضية الفلسطينية إلى محاولات رأب الصدع بين الأشقاء. إلى يومنا هذا. فلم تكن مصر مجرد عضو، بل عمود الفكرة ومحور توازنها، وغيابها حين غابت فى فترات تعرضها للأزمات كان عنوانًا للفوضى والفراغ.
وتأتى قمة بغداد ٢٠٢٥ لتقصم ظهر البعير كأحد الأمثلة الحديثة على هشاشة الوحدة العربية، فقد تم الترويج لها باعتبارها محطة لإعادة جمع الصف، فى فترة تعيش فيها الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وما يحدث فى غزة أسوأ المراحل، لكن تمثيل الحضور كان ضعيفًا ومخيّبًا للآمال فغياب معظم القادة العرب كشف تراجع الثقة العربية فى جدوى القمم، حتى كادت القمة أن تفقد معناها. فلم يكن من الممكن استمرار انعقادها دون الوجود المصرى بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى (صاحب الدور الأساسى فى وأد فكرة التهجير القسرى للفلسطينيين والذى سوف يؤدى إلى تفريغ القضية الفلسطينية من محتواها بل القضاء على فكرة الدولة الفلسطينية بالأساس) الذى حفظ الحد الأدنى من الشرعية السياسية للاجتماع. ويعكس حرصه على الوجود العربى واستمراره ككيان، وفى الحقيقة ذلك الفشل لم يكن حدثًا عابرًا، بل مؤشرًا واضحًا على عمق التصدع العربى، وعلى أن المؤسسات لا تكفى وحدها ما لم تستند إلى إرادة سياسية حقيقية وقرار قادر على التنفيذ.
يحاول الكتاب عرض لحظات القوة كما لحظات الانكسار من مشروع الجمهورية العربية المتحدة، إلى التجارب الوحدوية القصيرة، إلى الحلم الذى لم يتجسد ليكشف أن الأزمة ليست فى الفكرة بل فى الأدوات والظروف. فالوحدة لم تسقط لأنها غير ممكنة، بل لأنها لم تُدار بآليات تضمن الاستمرارية، ولم تُبنَ على أسس اقتصادية ومؤسسية تتجاوز الخطابة والشعار.
يخلص الكتاب إلى أن الحلم العربى لم يمت، لكنه أُصيب بالتشظى ويفتقد إلى الإرادة الجماعية وإذا كانت الوحدة الكلاسيكية تبدو بعيدة اليوم، فإن التكامل المرحلى الاقتصادى والثقافى والأمنى قد يكون المدخل الأكثر واقعية لإحيائها. فالمستقبل لا يُكتب بالشعارات بل بالخطوات العملية، والإدراك الجمعى لم يعد يبحث عن حلم كبير دفعة واحدة، بل عن بناء تراكمى يعيد الثقة، لبنة فوق لبنة.
هذا الكتاب ليس مرجعًا تاريخيًا بقدر ما هو شهادة فكرية وتحليلية، ورؤية ناقدة تستند إلى الوقائع لا إلى التمنيات. إنه محاولة لإعادة طرح السؤال القديم الجديد: هل يمكن للأمة العربية أن تستعيد قدرتها على الفعل والمبادرة؟ ولعل الإجابة لن تأتى من الماضى، بل من وعينا بالتجربة نجاحاتها وإخفاقاتها ومن قدرتنا على قراءة الحاضر بصدق لا بمجاملات.
والكتاب أيضا لا يقدم حلماً وردياً ولا يضع وصفة سحرية، لكنه يعيد ترتيب الأسئلة، ويكشف طبقات المعنى خلف كلمة (الوحدة)، ويراهن على أن الوعى أول الطريق. ورغم كل الإخفاقات، يظل الدور المصرى محورياً. فإذا أرادت الأمة العربية يوماً أن تعود إلى صف واحد، فلن يحدث ذلك دون القاهرة، لأن مصر ليست دولة بين العرب، بل عمود البيت العربى، وروحه التى لا تستبدل.
يذكر أن هويدا عبد الوهاب صحفية وكاتبة، ونائب رئيس تحرير فى مجلة الإذاعة والتليفزيون، ولها باب ثابت بعنوان "بلاد العرب"، حول قضايا العالم العربى، وعمود أسبوعى بعنوان "نحو الحرية"، بالإضافة إلى مقالات فى مجلات ومواقع متعددة، وتتابع عن كثب عمل جامعة الدول العربية، وحضرت العديد من القمم العربية والفعاليات الإقليمية فى العديد من الدول العربية، بالإضافة إلى خبراتها فى السفر حول العالم مما منحها خبرة ميدانية مباشرة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة
فاز الناقد محمد عبد الباسط عيد بجائزة ساويرس، فرع النقد الأدبى والسرديات الأدبية، عن كتابه "خباء النقد والشعر". وسبق أن...
العرس السنوى للكتاب يحتفى بمحفوظ واللبّاد و«جيل يكتب العالم» الــدورة الـ 57 تنعقـد تحت شعـار: «من يتوقف عن القراءة ساعة...