حياة ضد المألوف.. بين الاحتفاء بالنقص والسعى للكمال

في كتاب بعنوان مذكرات عبقرى" عبارة على لسان التشكيلي سلفادور دالي تقول: "إن الأخطاء أحيانا ذات طبيعة مقدسة.. لا تحاول تصحيحها.. فقط حاول فهمها بدقة".

 

ربما تبرز هذه المقولة ما يود فن الكينتو سوجي الياباني إرساءه حين يصلح الأواني المكسورة بماء الذهب المنصهر الإعادة استخدامها، مع تفادي تخبئة العيوب التي أحدثها الكسر بل إبرازها ليكون الاحتفاء بلحظة الكسر ذا مدلول خاص يعنى أن نهاية الأشياء قد تكون قاسية، لكنها أيضا لحظة موحية وملهمة ومهمة كونها تشير إلى مدى تقيلنا لحتمية التغيير أو تقبل الفناء..

الحياة تخالف المألوف

في كتاب مارك مانسون "فن اللامبالاة.. لتعيش حياة تخالف المألوف يذكر أن ثقافة هذا العصر تدعونا بشكل مفرط، بل وغير واقعي، إلى تينى التوقعات والأحلام والأمال الإيجابية، وهو ما يفعله بنا متخصصو التنمية البشرية المصريون دوما، على أن تحاصر أنفسنا بتحقيق المستحيل كأن نقوم مثلا صباحا مستبشرين بيوم أجمل وبصحة أوفر ويحثوننا أن نكون أكثر ذكاء، حظا، ثراء سرعة شعبية، إنتاجا وإدهاشا.. ومن ثم يجب أن نبدأ اليوم بإفطار صحى ويمنح أطفالنا قبلات التمني بالخير ونقول لشركائنا في البيت والعمل إن يفضلكم حقا نعيش الحياة الممتعة ونقضى الساعات الجميلة تم لابد أن نمتلك قدرا وفيرا من الخيال، فلماذا لا تحلم أن نصل الأماكن عملنا بطائرات هليكوبتر خاصة، ونعمل أعمالا رائعة بدقة وشغف ترضى طموحنا وطموح المتأملين فينا، ثم لماذا لا تصدق أن بمقدورنا أن نؤدي بباقى اليوم أعمالا جليلة؟ ويا ليتها تكون نا مغزى إنساني عميق، فبعد أن تنتهى من فترة التريض نذهب إلى دار أيتام لتمنح الآخرين الأمل، وفي رحلة عودتنا نتسوق ما يحتاجه البيت. وحين الوصول نجهز سريعا الطعام المقيد الخالي من السعرات الحرارية في همة ونشاط لنتم بعد هذا المهام المنزلية، وبالطبع نخصص وقتا لمتابعة أطفالنا في تعليمهم وتدريباتهم الرياضية، وأخيرا تنهى اليوم غير المرهق على الإطلاق بالجلوس اللطيف مع من نحب، مع العلم أن تصديقنا لفعل كل هذا بتفاؤل حقيقي من شأنه إنقاذ حياتنا من أي إزعاج.

ثقافة الكمال

لعل في تأملنا لهذا العصر نجد طرقا أخرى تدعونا لتيني ثقافة الكمال.. وقد يأتي ذلك عبر ملاحقة لافتات إعلانية ضخمة لنا على مر الطرقات، يحدثنا كل ما فيها عن الحياة المثالية الوردية كما يجب أن نعيشها .. بيوت راقية بأذواق عصرية وألوان حديثة تسكنها أسرة سعيدة متعاونة يظهر فيها رجل وسيم يحيط بذراعيه سيدة جميلة بمكياج كامل وابتسامة مميزة وبشرة مشدودة وقوام متناسق وبملابس مريحة لتكمل تلك الصورة البراقة عبر مجموعة أخرى من الإعلانات تأتينا هذه المرة من شاشات التلفاز تلفت نظرنا لبقية المشهد، حيث مجتمع متجانس مغلق له خصوصية، حوله حدائق شاسعة ودراجات بخارية يعتليها الأطفال في أمان يسيرون بها على طرق ممهدة يحدوها الشجر عن اليمين واليسار وحين تمسك بهواتفنا المحمولة تكتمل الصورة الكلية حين ترى البداية من خلال أعراس مفتخرة لعروسين على عتبة زواج سعيد مرتقب، كل ما حولهما يوحى أنهما بانتظار حياة مخملية بلا تعب ولا ضغوط ولا أزمات ولا مشاكل ولا هزات نفسية لتكون النتيجة. أننا بشكل عفوى تتتبع هذا الأخاذ المضىء كله بمواصفاته المثالية التي بلا شك تدور في مخيلتنا جميعا لتجعلنا نتساءل لماذا لا نعيش حقا كل هذا الكمال ؟!

ومازالت الأمثلة في محيطنا تسرد لنا مزيدا من فكرة السعى نحو الكمال؛ ففى الأسواق حتى الباعة الجائلين ينظمون لنا الثمار من الفاكهة والخضار أعلى الأقفاص في رصة تامة الانتظام والتناسق اللوني، وكأنهم هم أيضا يخاطبون فينا هذا السعى الخفى للكمال الذي يكبر فينا كل يوم دون أن ندري... إنها تربية تغذت عليها نفوسنا ووجدت من يدعمها وينميها ويبرزها، بل ويستغلها، ربما يكون كل هذا في الأصل كان لمواجهة تيار الإحساس بالنقص الإنساني الذي تولد من رحم عدة تفاسير دينية لم تكن نيتها سيئة وإنما هدفت فقط لإرساء قيمة التواضع أمام الكمال الألهى.

فلسفة وابی سابی

قد تصعب ترجمة الأصل الياباني لكلمة وابی سابی المكونة من شقين ترجمة دقيقة خاصة مع التطور الدلالي للفظين لكن بشكل عام ترتبط لفظة وابي بالوحدة والعزلة التي يستشعرها المتعبد وسط بيئة نائية، أما سابي فتعنى الذبول والصدأ أثر انقضاء الزمن ومروره على الأشياء... لذا يمكن تفسير وابي على أنها رونق البساطة والزهد، أما سابي فهي حركة الدهر وما يستتبعه من تغير أو زوال ولعل مدلول اللفظين معا يعنى التقاط الأنفاس والدعوة إلى الهدوء والتريث أمام فعل الزمن وتأكل الأشياء، بما يمكن أن يشير هذا كله إلى الاحتفاء غير المعلن يقبول فكرة التبسط وعدم الكمال، وأن هذا يعنى الالتفات نحو إمكانية التغيير، ما يستدعى التحرر من عبدء السعى المحموم لبلوغ الكمال، وما يؤدى إليه من الإحساس بعدم الراحة والعناء للحصول عليه مع احتمال وارد بعدم الإتاحة .. لذا كان النظر إلى قيمة الإحلال المادي والتأكل الطبيعي نظرة فلسفية تستحق الوقوف عندها فعوامل التعرية كما تصيب الأشياء تنسحب أيضا على البشر الذين يمر عليهم الزمن فيفعل بهم الأفاعيل، وفلسفة وابي سابي هنا تؤكد أنه لا يجب لهذه العوامل أن تقلل من الجاذبية البصرية للنفس أو الشيء مهما تغير الشكل واللون والملمس والمساحة، إذ إن تغير ذلك كله لا يجب أن يعنى النهاية، بل يعنى ببساطة الولوج إلى شيء أن يعني الله جديد، ومن هذا هدفت فكرة وابي سابي للنظر للتحولات بشكل عام على أنها جزء جديد من الجمال يحتفظ بروح القديم، ويؤمن بأن لا نهاية حتمية لأى شيء سوى بالموت.

تطبيق عملي

تحكى المفكرة الأمريكية جريتشن روبرت والتي اعتنقت مؤخرا مبادئ وابی سابی آن منزلها كان به داربزين يقود للطابق العلوي، وقد تعبت من تتبع آثار أصابع أطفالها عليه لتنظيفها كل يوم، إذ إن رؤية تلك الآثار تذكرها بهذا الجهد الإضافي الملقى عليها دائما. وبعد تبنى المبدأ الياباني أخذت تعيد النظر عبر التقدير فكرة الجمال غير المثالي، ومن ثم أصبحت آثار الأصابع التي كانت تنهكها لتنظيفها تعنى رحلة

أولادها اليومية صعودا وهبوطا حتى ينتهي بهم

الوقت بالخلود إلى فراشهم.

لعل في هذا التطبيق العملي تفسيرا مبسطا يشرحالفلسفة التي تحتفى بالنقص مقابل السعي للكمال وكان هناك نموذجا آخر غير النموذج الكلاسيكي المتعارف عليه في النظر للجمال... لذا عرف المفكر لیونارد کورين هذا التكوين الجديد القائم على ثلاثة أسس هم لا شيء يدوم كل شيء في حالة تغير دائم، لا شيء ينتهى تماما بعد اكتماله) على أنه صرخة قوية في مواجهة البحث الحثيث عن الكمال فللنقص أيضا جمالية لا ترى بالعين المجردة وتحتاج إلى تجرد.

والحق أن هذا الاعتراف المتأخر من الغرب لم يكن سوى القديم كان بمثابة ردة فعل ظهرت في نهايات القرن ١٤ وشكلت تيارا مضادا في هذا التوقيت أمام انشغال المجتمع الياباني بالجماليات الزائدة المعنية بالجمال الظاهري، حتى أن آثار ذلك التأنق قد برز في زخرفة الأواني الخزفية التقليدية البسيطة فأصبحت تحاكي هي الأخرى الجمالية المبهرة. وذلك في ظل حقيقة تقول إن البيئة اليابانية معرضة دوما لخطر الكوارث الطبيعية، وبالأخص الزلازل المدمرة.. لذا كان التيار المضاد للجماليات الزائدة يدعو إلى محاولة التصالح مع فكرة الزوال أو تغير الحال، وقد كانت تلك المحاولة مقامرة تكسر التقليد المتوارث السائد انذاك من أجل تصالح النفس البشرية مع مسألة التغير ومسار الزمن وقصة الهدم بما أنه لا يمكن مهادنة الطبيعة أو مجابهتها.

جمالية النقص وإبريق الشاي

تحكى الأسطورة أن امبراطورا أرسل فنجان الشاي الخاص به والذي كان يفضله على غيره إلى الصين الإصلاحه بعد انكساره، لكن الفنجان عاد وقد تشوه بعد أن سد المرممون النقص به بعجينة .. فغضب الامبراطور وأرسل مستشاره الشخصي إلى اليابان لأن جماعة هناك تصلح الأشياء وتعيدها بأجمل مما كانت، وبالفعل كانت عملية الترميم هذه المرة عبارة عن مكب الذهب المنصهر على أماكن التصدعات والتشققات فتحول الفنجان إلى تحفة تحتفظ بالقديم وتجعل من الناقص فيه حالة من حالات الكمال.. هنا لم يلغ الناقص بل بفلسفة الاحتفاء بالنقص خرجت فكرة نقض ملل الكمال والخروج من قصة الكسر إلى شيء جديد رائع.

لعل تلك الفلسفة جاءت في مواجهة مع ما تنتجه الآلات الصناعية كل يوم في برود حتى وإن كان دقيقا، وقد بات واضحا أن منتجات المصانع تنفذ صحيح إبداع وخيال البشر بشكل دقيق، لكنها لا تتفوق بأي حال على عمل اليد أو "الهاند ميد".

فالجمال هنا ينتج من ذلك الشعور الحميمي بين اليد البشرية والشيء الذي تنتجه، وهذا لأن الإنسان يضع جزءا من روحه فيما يفعله تسمى اللمسة الفنية الإنسانية، وهي ما يتضاءل أمامها أي منتج صناعي مهما بلغت دقته وجماله.

مواجهة بين الاحتفاء بالنقص والسعى للكمال

يقول فتست فان جوخ إن الدافع الكبير الذي يسيطر عليه حين يرسم لوحاته هو كيفية تصوير الناقص وليس في توصيل الكامل...

ولعل في أوساط الفن التشكيلي ما يطرح دائما حول العبقرية الصارخة الموجودة في عمل ما دون غيره، وعلى رأس هذا كمثال ما يبدعه فان جوخ حيث يتضح للمتأمل لأعماله بجلاء حالته النفسية والموجودة في كيفية رؤيته الأشياء وبخاصة ما يصوره من الطبيعة حتى أن بعضهم اتهمه بالمرض العقلي، وأن هذا المرض يؤثر في إبداعه الفني فيجعله يبدو فريدا ومجنونا ومدهشا، وذلك لا يأتي إلا من لحظة عظمة ملهمة أو من مس من الجنون.

ربما مصدر الحيرة هنا يأتي من قوة فان جوع في بحثه عن النقص وليس سعيه لإدراك الكمال بحيث لا يمكن أن تبدو أي لوحة من أعماله كأنها نسخة مكررة من الواقع، وكأن أعماله تبغى الاختلاف والتفرد من النظر للعيوب والنواقص، والفكرة هنا تقول إن السعى للكمال يخرج أعمالا مملة، لأنها تحاكي الموجود بالفعل ليكون المبدع في هذه الحالة أشبه بمصور فوتوغرافي ناقل الأشياء لا متخيل لما ليس موجودا بها، وهذا بالطبع ليس قصورا في الإبصار بل رؤية مختلفة عن الواقع المنظور، ولعل من ذلك ولد تيار المدرسة الانطباعية في الفن التي تضيف العمل الفنى خصوصية تأتي من النظرة غير المألوفة لما حولنا... لهذا تعتبر لوحة "عربة القشر" لجون كونسيتال لوحة عبقرية فهي لم تصور الريف الإنجليزي بجماله الذي يدفع للهدوء والاسترخاء كما يبدو الأمر للوهلة الأولى بل على الفنان أن يكون شاهدا ومنذرا ومتنباً على تأكل هذا الريف أمام الثورة الصناعية بداية القرن 19 حينما رسم بلوحته تفصيلة تظهر عربة تجرها الأحصنة من المفترض أن تحصل كالعادة القش، بينما هي تحمل الألواحالحديدية وتحاول المرور بها عبر نهر يجري أمام منزل امرأة ريفية تباشر عملها المنزلي وقد أعطت ظهرها للريف الذي يغطيه الخضار الباهت.

وهم الكمال

وكما يبدو أن تمة مسائل فكرية وفلسفية خرجت من لوحة أو أسطورة أو حكاية فحركت جديدا عن تصور الإنسان لنفسه وأنه حقا ذو طبيعة فطرية ناقصة الكمال، وأن السعى للاكتمال محض خيال ووهم تلبسه ينحو به المثالية الكاذبة، وهو عكس مثلا ما تصوره فيلسوف مثل نيتشه عندما عكس منطق قوة الإنسان ليصبح سوبر مان أو إنسانا خارقا قادرا على مواجهة أي شيء، وهي فكرة تلقاها الغرب بخاصة الأمريكي، فروج لها بمجموعة أفلام هوليودية تسوق هذا الوهم على أنه حقيقة تعكس عن جد الواقع، متجاوزة حدود فكرة النقص الإنساني الترفعه إلى مكانة يمكن من خلالها عمل كل شيء.

ولا ريب أن هذا التصور الذي أراد الغرب تقديمه للشرق يصطدم مع الواقع المعاش ويحيل الإنسان رغم كل تطوره إلى حالة من الشك في قدراته الحقيقية، مما يربك ويشوش العقل.. ذلك أن الإنسان بهذه الحالة يناطح ذاته وما حوله .. عله أيضا يلوي ذراع طبائع الأمون ما يجعله يجرى وراء احلام مطلقة بطموح جارف لا راحة فيه أو الوقوع في تصورات سوداوية تجبره يفكر بشكل سلبي عن سر وجوده وسط هذا الكم من العبث، فيشعر حينها بألم مربع من عدم التحقق، وبالطبع كلا التصورين هو مهلكة عقلية لا منجى منها سوى بتقبل النفس الحقيقة نقصها وأن السعى نحو الكمال له حلوه و مره، وأن التصالح مع هذه الحقيقة تعنى فهم الإنسان لذاته بلا زيادة أو نقصان.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م