رئيس هيئة الكتاب يُشرِّح «صورة اليهودى فى التراث الشعبى»

كتاب للدكتور خالد أبو الليل صدر 2012 ويستحق أن يعاد إصداره إسرائيل استغلت إهمالنا فسرقت تراثنا الشفاهى وهوَّدته ونسبته لنفسها «حطوا الحية واليهودى فى كيس.. طلعت الحية تستغيث» «مثل مصرى»

لا أعرف كيف تكون مقبلين على مرحلة عصيبة من الصراع مع العدو الإسرائيلي من دون أن نجهز المجتمع المصرى والعربي على أفضل نحو ممكن - بالمعرفة العلمية بهذا العدو، ولو بمنطق اعرف عدوك»، وأعتقد أن هذا الكتاب صورة اليهودي في الأدب الشعبي العربي للدكتور خالد أبو الليل - أستاذ الأدب الشعبي والفولكلور ووكيل كلية الآداب جامعة القاهرة السابق والرئيس الحالي للهيئة. المصرية العامة للكتاب - سيكون على رأس قائمة الكتب التي يجب أن نقرأها، لنتعرف إلى تصور أجدادنا لطريقة التعامل مع اليهود واليهودية، سواء في الماضي البعيد حين كانت اليهودية لا تزال دينا من بين الأديان، أو في الماضي القريب بعدما تحولت اليهودية منتصف القرن العشرين من دين إلى دولة مسلحة ومغتصبة للأرض والتاريخ والجغرافيا والتراث الشعبي الفلسطيني والعربي. لذلك نحن بحاجة إلى نشر هذه المعرفة على وجه السرعة، في ظل ما تراه من ذوبان الهويات في العالم كله، وما تعرفه جميعاً عن أطماع تلك الدولة الدينية الجشعة المتمثلة في مشروع توسعى متكامل يحمل اسم «إسرائيل الكبرى».

أنتهز هذه الفرصة لأطالب وزارة الثقافة وتحديداً المجلس الأعلى للثقافة بإعادة طبع كتاب صورة اليهودي في الأدب الشعبي العربي . طبعته الأولى صدرت العام ۲۰۱۲ وأنا شخصيا قرأته في نسخة مقرصنة، كما أطالب الوزارة بتوفيره للقارئ المصرى والعربي على نطاق واسع وبسعر زهيد. نظرا لخطورته وأهميته وضرورته في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ المصريين والعرب.

أعتقد . وقد كنت طفلاً في حرب ۱۹۷۳ أن من الطبيعي أن يعرف أبناؤنا اليوم وعلى اعتاب هذه المواجهة جزءاً من ترات أجدادهم بخصوص اليهود. وبغض النظر عن أن اليهود في عالمنا المعاصر بينهم قلة لا تزال منصفة ومنحازة إلى الحق الفلسطيني مثل المفكر نعوم تشومسكي، إلا أننا تربينا على تلك الأمثلة الشعبية التي تنفر بفطرتها من اليهودي، مثل: «لو كان دراعك يهودی اقطعه» و «زی ترب اليهود بياض على قلة رحمة، وقد أورد الباحث شيئا منها خلال حديثه عن صورة اليهودي في تراثنا.

ما أريد قوله، إنه إذا كانت الإدارة السياسية المصرية ممثلة في رأس الدولة ووزارة الخارجية تتمسك بالرفض القاطع لسياسة التهجير القسري للفلسطينيين، وتعمل على توجيه الرأي العام الدولي في هذا الاتجاه، فأنا أعتقد أن من واجب وزارة الثقافة والهيئة الوطنية للإعلام أن يقوما بالدور المنوط بهما في توعية جماهير الشعب المصرى بحجم السرقة التي تعرض لها تراتهم الحضاري والإنساني على أيدي متخصصين من اليهود والإسرائيليين في مجال التراث الشعبي، وفي توجيه الرأي العام المصرى والعربي نحو حقيقة ما تطمع إسرائيل في اغتصابه منا، فمن يغتصب القصص الشعبي المصرى ويقوم بتهويدها يمكنه أن يغتصب الأرض ليقوم بتهويدها أيضاً.

يقدم الباحث خالد أبو الليل - الحاصل مؤخرا على جائزة الدولة في التفوق في مجال الآداب - كتابه الذي هو أول دراسة أكاديمية عربية متخصصة تتناول صورة اليهودي في الأدب الشعبي العربي يمثل شعبي يقول: حطوا الحية واليهودي في كيس... طلعت الحية تستغيث، حيث لا يكتفى الباحث بالبحث في سلبية أو إيجابية صورة اليهودي، بل يقارن بين صورة اليهودي في الأدب الشفاهي غير المدون وصورته في الأدب الشعبي أي في المدونة الشعبية، ومدى التغير الذي لحق بهذه الصورة بين الماضي والحاضر.

ينقسم الكتاب إلى عدة فصول أولها: اليهودي في التاريخ والأدب الشعبي حيث يفحص صورة اليهودي بين التراث والتاريخ، ويطرح السؤال: هل صورة اليهودي في الإبداع الشعبي العربي أصابها التغيير جراء الظروف السياسية المستحدثة في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، أم أن هذه الصورة اتسمت بالثبات على مر العصور في معزل عما يحيط بها من عوامل مختلفة؟ وكذلك مدى التقاء هذه الصورة مع صورته في التاريخ العربي الرسمي؟

أما الفصل الثاني صورة اليهودي بين الأدب الشعبي المدون والشفاهي فهو يقرأ هذه الصورة في الحكايات الشعبية الشفاهية والقصص الغنائية خصوصاً في «ألف ليلة وليلة»، ومنها صورة اليهودي في حكاية مسرور التاجر مع معشوقته زين المواصف. كما في حكايات على الزيبق المصرى كما في شخصية «عذرة» اليهودي. أحد هؤلاء الذين احتالت عليهم دليلة المحتالة وابنتها زينب النصابة، حيث كان الطمع والحقد والحسد أهم صفاته.

كما أن مهنته كصائغ أو جواهرجي هي من المهن المرتبطة باليهود منذ قديم الأزل حتى وقتنا الراهن، كما أن شخصية عذرة بأطماعها لا تحركها أي دوافع دينية ضد المسلمين، فهو يعيش في حمى المسلمين وخليفتهم وعندما لحقه أذى من دليلة المحتالة راح يستجير بالمسلمين أدركوني يا مسلمين، ويقول الكاتب في ختام هذا الفصل: الملاحظ أن الصورة السائدة. عن اليهودي في الليالي سيئة وسلبية وتسيطر عليها رغبة عارمة من الراوي الشعبي ومن تم من الجمهور العربي في القضاء على اليهود واليهودية. ويتبدى ذلك في أن معظم الشخصيات اليهودية التي تلتقيها في الليالي تنتهي بالإبعاد عن المجتمع العربي، سواء كان إبعادا يفعل الموت أو يفعل الحبس والسجن».

في هذا السياق يقرأ أبو الليل صورة اليهودي في حكاية الكريم والخواجه والديب والحية، وفي حكاية اللي هيزعل ها سلخ وشه»، وفي قصة الجمل والغزالة، وقصة حكاية اليهودي والإمام الشافعي، وفي قصة حكاية السيد البدوى والخضرة الشريفة»، وفي هذه القصة يتم تصوير اليهودي المغتصب للأرض والعرض والشرف.

تهويد التراث العربي

خصص الكاتب الفصل الثالث الموضوع سرقة إسرائيل للتراث الشعبي العربي، ضمن مشروعها لاغتصاب حق العرب في تراثهم، مشددا في الفصل الذي يحمل عنوان تهويد التراث الشعبي العربي بحثا عن هوية. إسرائيلية، على أن غفلة الوعى العربي عن قيمة التراث الشعبي العربي الشفاهي سهلت مهمة إسرائيل في تهويد ذلك التراث، ويضع لنا ملامحالمشروع الإسرائيلي في نهب تراثنا الشعبي لتحقيق مصالحها من أجل اختلاق هوية تراثية لشعبها الذي تم جمعه من كل جهات الأرض، يقول أبو الليل:

ذلك بعد أن تقوم بجمعه من أفواه رواة عرب في بلدانهم، أو يجمعه من رواة عرب يعيشون في إسرائيل. فاعتبرت ذلك التراث العربي الأصل ترانا إسرائيليا، بوصفه زوى على أرض إسرائيل، رغم أن رواته عرب، بغض النظر عن يهوديتهم. فقامت بضم هذا التراث العربي إلى ارشيف الفولكلور الإسرائيلي، وليتها توقفت عند هذا الحد، إذ إن هذا التراث وبحكم جذوره العربية والإسلامية يتغنى بأمجاد العرب والمبادئ العربية الإسلامية النبيلة ذات البعد الإنساني، وإنما قامت بتهويد هذا التراث الشعبي العربي. أي أضفت عليه الطابع اليهودي ( من حيث مبادئ اليهودية، عادات المجتمع الإسرائيلي وتقاليده ومعتقداته) ....

في هذا الفصل يلفت الباحث إلى ظاهرة تحظى باهتمام كبير من الدارسين أسماها الراحل الدكتور أحمد مرسى في كتابه الفولكلور والإسرائيليات باسم الظاهرة الإسرائيلية، ذلك أن الهدف النهائي الذي يراد الوصول إليه من سرقة التراث الشعبي العربي من قبل إسرائيل هو إيجاد ذاتية قومية المجموعة متفرقة من البشر جاءوا مختلفي العادات والتقاليد وأساليب التعبير واللغات، ويراد بهم أن يكونوا شعبا وليس هناك شيء يجمعهم إلا الدين ومجموعة العادات الدينية المرتبطة بطقوس العبادة».

يشير المؤلف إلى الأهداف التي تبتغيها إسرائيل من ذلك وهي تشويه صورة مصر والمصريين مقابل الإعلاء من شأن اليهودي على نحو ما يتبدى في عدد من القصص الشعبي الإسرائيلي بالإضافة إلى تشويه صورة الإسلام.

علما بأن هناك قصصاً شعبية عربية تمت سرقتها بالنص من القصص الشعبي العربي مثل قصة أمير الشرق وأميرة الغرب، وقصة القرش الحلال يرق ولا يتقطعش».

يهود شكسبير

أما في الفصل الرابع والمعنون بـ صورة اليهودي بين شكسبير والأدب الشعبي العربي فيقدم واحدا من اكتشافاته البحثية اللامعة، حيث يكتشف أن صورة اليهودي في إحدى مسرحيات الكاتب الانجليزي وليام شكسبير ( ١٥٦٤ - ١٦١٦) لا تختلف كثيرا بل تتشابه مع نظيرتها في الأدب الشعبي المصري. ويرى أن صورة اليهودي في التاريخ الاجتماعي العربي لم تكن بمعزل عن صورته في المجتمعات الأوربية، حيث اختار واحدة من أشهر مسرحيات شكسبير التي بلورت صورة عالمية أو نمطاً عالمياً لشخصية اليهودي. وهي مسرحية «تاجر البندقية» التي قدمت نموذج اليهودي شايلوك» والمقابل العربي لهذه المسرحية عبارة عن حكاية شعبية عربية شفاهية، قام الباحث بجمع روايتين لها من مصر ويقول عنها:

هي حكاية بلورت لنا رؤية شعبية تلتقى مع مسرحية شكسبير في بلورتهما لصورة اليهودي في كل منهما. إن هذه الحكاية الشعبية العربية ذات الروايات المتعددة، سواء داخل مصر أو خارجها، تتجاوز كونها مجرد عمل شعبي يقدم رؤية عن اليهودي إذ إنها تمثل نسخة عربية شفاهية للموذج شايلوك» لا نستطيع الحسم معه عما إذا كان نموذج شكسبير يمثل الأصل له الذي أثر في كل النماذج التالية عليه. أو العكس هو الذي حدث، أي أن الأصل الشعبي الشفاهي سابق على مسرحية شكسبير، ومن ثم تأثر شكسبير في مسرحيته بهذا الأصل.

ومين بين أولى ملاحظات الباحث مثلا أن صورة اليهودي المحب للمال وهي صورة لا تتضمن ولا تعنى سوى عدم انتماء اليهودي إلى مكان بعينه، بل يتمثل انتماؤه الوحيد إلى المال، وبالتالي لم يكن لليهودي انتماء المصر التي يعيش فيها، على عكس المسيحيين الذين تحتفظ لهم الذاكرة العربية بمواقف تاريخية كثيرة دافع فيها المسيحيون إلى جانب المسلمين عن مصر والعالم العربي، وبالتالي عومل اليهودي في بلاد العرب كشخص لا يعرف الانتماء الوطني، وربما تلك كانت مشكلتهم مثلا مع المجتمع البريطاني قبل عدة قرون، حيث اتهم اليهود دائما بالانعزال وعدم الرغبة في الاندماج مع المجتمع البريطاني، الأمر الذي أدى إلى حرمانهم من كثير من الحقوق لعدة قرون.

أختم مقالي بهذه الأبيات الشعرية التي تعكس موقفا مصريا أصيلا من اليهود في الإبداع الشعبى. وقد وردت ضمن الكتاب والأبيات روتها سيدة امتنعت عن ذكر اسمها من عزبة البرنس مركز اطسا في محافظة الفيوم، تقول:

في حال إلى.. على طبخ لي حلاوة في حال للى وأنا من صغر سني في مصر یعنی

طلعت علي اليهود بالسيف هتقتلني حزنت على شوارع مصر والستات

أمي تقول دا غرق وأختى تقول دا مات وبنت عمى تقول دا فحضن غیری بات اللسمر خطبتي واللبيض قبض الجنيهات».

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص