حين كتب نجيب محفوظ: يوسف جوهر يســـــــتحق نوبــــــــل حكاية عم عبد الله الذى ألهم جوهر قصة فيلم «البيه البواب» سر خلاف أبى مع حسن الإمام الذى بسببه لم يكمل سيناريو وحوار الثلاثية طه حسين اشترط ألا يكتب سيناريو وحوار «دعاء الكروان» و«الحب الضائع» سوى يوسف جوهر
هذا الرجل هو مبدع استثنائى بكل المقاييس.. استطاع أن يحجز لنفسه مكانا بين عمالقة الأدب والإبـــــــداع المصـــــرى قاصا وروائيا معروفا، كما كان واحدا ممن أسهموا فى صناعـــة الســــينما المصريــة.. مؤلفاً وكاتب سيناريو وحوار شهيراً.. كتب القصة والسيناريو والحوار لعدد هائل من الأفلام الخالدة فى تاريخ السينما مثل "دعاء الكروان والأيدى الناعمة وبين القصرين والحب الضائع ويوم من عمرى وزمان يا حب والبيه البواب والرجل الثالث"، وغيرها من أهم أفلام السينما المصرية حتى أطلق عليه لقب (ملك السيناريو) وأديب السينما.. إنه الأديب القاص والروائى الكبير يوسف جوهر.. الذى تحدثنا عنه فى هذا الحوار ابنته الدكتورة سهير يوسف جوهر - أستاذ اللغة الألمانية - المتفرغ بكلية التربية بجامعة عين شمس.
سألت الدكتورة سهير عن نشأة والدها وبداياته فقالت: ولد يوسف جوهر عطية بمدينة قوص بقنا فى ديسمبر عام ١٩١٢، وكان وحيد والديه اللذين كان ابنهما الوحيد هو الحياة بالنسبة لهما فاهتما بتربيته وتنشئته وتعليمه منذ صغره، وقد قضى مع والديه بقوص سنوات طفولته الأولى ثم انتقل مع أسرته الصغيرة إلى طنطا، بعد أن نقل والده جوهر عطية خريج الكلية الإكليريكية القبطية إلى كنيسة طنطا كواعظ للكنيسة، وكان ابنه يوسف آنذاك فى عمر الخامسة، وهناك فى طنطا تلقى يوسف جوهر تعليمه، نشأ أبى بين والده ووالدته طفلا وحيدا محاطا بحنان الأب والأم، وأكمل تعليمه فى طنطا حتى التحق بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة).
بين الأدب والسينما
تواصل د. سهير: فى بداية حياته الإبداعية كان والدى يكتب القصة القصيرة، ويعشق هذا الفن الأدبى عشقا كبيرا، وقد أرسل وهو طالب بالفرقة الثانية بكلية الحقوق عام ١٩٣٢ قصة إلى مجلة الرسالة التى كان يرأس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل فنشرها، وفوجئ أبى حين كان يجلس فى قاعة المحاضرات بكلية الحقوق فى انتظار محاضرة الأستاذ محمد عطية الإبراشى أستاذ اللغة العربية ـ بأن الإبراشى يدخل القاعة متهللا وبيده عدد مجلة الرسالة الذى نشرت به القصة، وينادى يوسف جوهر باسمه ثم يطلب منه أن يجلس مكانه ويقرأ على زملائه قصته المنشورة، وهكذا كان الكبار فى ذلك الزمان، ومنذ تلك اللحظة الفارقة بدأت انطلاقة أبى مع الكتابة والإبداع، وكان يقرأ قصصه على أستاذه، واستمر الإبراشى فى تشجيعه ليوسف جوهر، و قد رأى فيه مشروع أديب كبير، ولم يكن عطية الإبراشى فقط هو من احتفى بموهبة يوسف جوهر وتحمس لها، فقد احتفى به أيضا الكبار محمود تيمور وأحمد حسن الزيات ود.محمد حسين هيكل ومحمد فريد أبو حديد وأحمد الصاوى محمد.
وتواصل د. سهير: بعد أن تخرج أبى فى كلية الحقوق عمل بالمحاماة لمدة عامين أو ثلاثة أعوام، وذلك بمكتب محام شهير بطنطا آنذاك اسمه سامى حبشى، وفى تلك الأثناء أرسل يوسف جوهر قصة جديدة له إلى مجلة (مجلتى) برئاسة تحرير أحمد الصاوى محمد الذى نشر القصة وكتب لها مقدمة تقول "هذه قصة المحامى يوسف جوهر من طنطا ونتوقع له مستقبلا كبيرا إن شاء الله، ثم حدث بعدها أن تلقى أبى رسالة من الأستاذ مصطفى أمين يطلب منه فيها لقاءه لكى يتفق معه على نشر قصصه بآخر ساعة، وحين التقيا رحب يوسف جوهر بالطبع بعرض مصطفى أمين، وقرر أمين أن يعطيه جنيها واحدا نظير كل قصة، وهو مبلغ كبير بمقاييس تلك الأيام، وبتوالى قصص يوسف جوهر المنشورة بآخر ساعة التفت إليه بعض السينمائيين فطلبه حسين سعيد باشا ـ رئيس ستوديو مصر - آنذاك عن طريق المخرج إبراهيم عمارة لكى يتحدث إليه فى إمكانية أن يدخل عالم السينما عن طريق كتابة السيناريو والحوار بعد أن رأى فى قصصه موهبة مؤلف واعد، ولم يكن أبى يعرف وقتها ما هو السيناريو، فبدأ يعكف على دراسة هذا الفن دراسة عميقة ومتواصلة، وبعدها التقى أبى بصديقه الطبيب ألفونس بشارة، الذى أخبره أن الفنانة آسيا فى إحدى زياراتها لعيادته طلبت منه أن يعرفها على صديقه الكاتب يوسف جوهر ليكتب لها فيلما مأخوذا عن قصة مدام اكس تزمع إنتاجه، وكان جوهر وقتها قد فهم وعرف فن السيناريو جيدا لتبدأ مسيرة أبى فى السينما بكتابة فيلم المتهمة لآسيا عام ١٩٤٥، وفى تلك الفترة كان جوهر لا يزال فى بدايات عمله بالمحاماة، وكان طبيعيا أن يدرك أنه منذور للأدب وللسينما، وأن المحاماة هى محطة عابرة فى حياته، فبدأ يتفرغ بشكل كامل للأدب والسينما وترك المحاماة بشكل نهائي.
وأسأل د. سهير عن تأثير هذا التحول فى حياة والدها وتركه للمحاماة وتفرغه للأدب لتجيب:
كما ذكرت أدرك أبى أن المحاماة ليست طريقه وكثيرا ما كان يقول: رأيت ظلما كثيرا أثناء عملى كمحام، وأدركت أننى لن أستطيع أن أستمر كمحام، ثم إن حبى للأدب والقصة القصيرة استولى تماما عليّ، فعزمت أمرى وقررت أن أتفرغ للأدب و للكتابة رغم صعوبة التكسب من الأدب وحده آنذاك.. غير أن دراسة يوسف جوهر للقانون وعمله بالمحاماة أكسباه خبرة بالحياة واطلاعا على كثير من أزمات ومشاكل وأحداث إنسانية كثيرة ساعدته بشكل مؤكد بعد ذلك عندما صار التأليف للسينما وكتابة السيناريو والحوار مهنة أساسية فى حياته.
وتضيف د. سهير: بعد أن ترك يوسف جوهر المحاماة وتفرغ بشكل كامل للأدب اتجه كلية إلى نشر قصصه فى مجلات آخر ساعة والرسالة والثقافة ثم فى اخبار اليوم، ولم يكن ينظر أبدا إلى الصعوبات المادية التى يخلفها التفرغ فقط للأدب.
هل لهذا السبب المادى اتجه يوسف جوهر لكتابة السيناريو؟
تقول د. سهير: كان أبى يقول أمامنا دائما إن القارئ المصرى لا يقرأ كثيرا، ويرى أن من لا يقرأون هم الغالبية، واهتمامه كان أكبر بتلك الطبقات التى لا تقرأ وكثيرا ما قال: إن المواطن العادى عندنا يفضل أن يشاهد فيلما على أن يقرأ كتاباً، وهذا الأمر هو أحد أهم أسباب اهتمامه بكتابة السيناريو، وقد كان من أهم كتاب القصة والسيناريو والحوار فى تاريخ السينما المصرية، حتى إنه لقب بملك السيناريو وأديب السينما، كما كان من أكثر كتاب السيناريو والحوار غزارة.. على امتداد فترة زمنية طويلة جدا منذ أول أعماله وهو فيلم المتهمة بطولة آسيا داغر وزكى رستم ويحيى شاهين.. وإخراج بركات، وبذلك يكون بركات هو أول مخرج يتعاون مع يوسف جوهر، وليستمر هذا التعاون بعد ذلك فى فيلمين من أهم أفلام السينما المصرية وهما دعاء الكروان والحب الضائع.
وتواصل د. سهير: فى نفس الوقت لم يترك يوسف جوهر الأدب ولا القصة ولا الرواية فهو أديب مفطور على الأدب وكتابته، والمحور الأساسى فى كتاباته أنه كان ينشد الإنسان والإنسانية ويهتم بالناس ويراقبهم وكأنه يستمد منهم زاد الكتابة والإبداع.. وكثيرا ما قال أمامنا : إن الإنسان البسيط والمطحون هو همى الأساسى عندما أكتب، ولأنه ورغم البداية السينمائية المبكرة ككاتب سيناريو فى فيلم المتهمة، وكان آنذاك فى الثلاثين من عمره..إلا أن إبداعه الأدبى كان سابقا بسنوات حين بدأ كتابة القصة، وهو طالب بكلية الحقوق فى النصف الأول من الثلاثينات ثم الرواية من بعدها ليفوز بعد ذلك بجائزة مجمع اللغة العربية عام ١٩٤٢ عن روايته (عودة القافلة)، وهى المسابقة التى تكونت لجنة تحكيمها من العقاد وطه حسين ود. محمد حسين هيكل ومحمود تيمور ومصطفى عبد الرازق، وقد طبعت الرواية بعدها بسنوات واختار لها أبى اسما جديدا هو (جراح عميقة).
مع نجيب محفوظ وطه حسين
وربما كان حب يوسف جوهر للبسطاء والمهمشين هما إنسانيا مشتركا جمعه بالكبير نجيب محفوظ، لذلك كان من أصدقائه القريبين. أسأل وتجيب د. سهير:
نعم جمعت أبى صداقة وطيدة بنجيب محفوظ.. وكان جارا له مع توفيق الحكيم بالطابق السادس بالأهرام، فكان مكتب واحد يجمع هؤلاء الثلاثة الكبار.. واذكر أنه حين توفى أبى أننى ذهبت إلى الأهرام لأخذ متعلقاته الخاصة من مكتبه فوجدت ورقة كبيرة على مكتبه موقعة بخط يد نجيب محفوظ وقد كتب فيها: هذا الرجل يستحق جائزة نوبل وفى هذا تكريم عظيم من نجيب محفوظ ليوسف جوهر.. وكثيرا أيضا ما التقى الرجلان فى رحلات الصيف وقضاء المصيف بالإسكندرية، ولهما صور تجمعهما أمام شاطئ البحر، ومن المصادفات الغريبة أن يوسف جوهر كان عازفا مثل نجيب محفوظ عن أن يكتب السيناريو والحوار للأفلام المأخوذة عن رواياته أو قصصه باستثناء فيلم أمهات فى المنفى، ولا أنسى هنا أن علاقة يوسف جوهر بتوفيق الحكيم جاره أيضا فى مكتب الطابق السادس بالأهرام كانت علاقة صداقة ومحبة، وقد كتب جوهر أيضا للحكيم سيناريو وحوار فيلمى "الرباط المقدس والأيدى الناعمة".
ولماذا لم يكمل يوسف جوهر كتابة السيناريو لثلاثية محفوظ وكتب فقط.. فيلم "بين القصرين"؟
تجيب د. سهير: لانه حدث خلاف بين جوهر وحسن الإمام مخرج الفيلم لأن والدى اعترض كثيرا على طريقة إخراج حسن الإمام للفيلم، فقد أدخل كثيرا من الكلمات التى خرجت عن سياق القصة على الحوار فحدث الخلاف ولم يكمل يوسف جوهر سيناريو الثلاثية.
مع طه حسين
وربما حدث العكس تماما عندما كتب يوسف جوهر سيناريو وحوار عملين من أعمال عميد الأدب العربى طه حسين هما "دعاء الكروان والحب الضائع" حين وضع طه حسين شرطا هو أن يكتب يوسف جوهر سيناريو وحوار العملين لكى يوافق على تحويلهما للسينما؟
تجيب د. سهير: كان طه حسين مؤمنا بموهبة يوسف جوهر ويقدره جدا، وتجمعهما علاقة محبة كبيرة، وكثيرا ما جمعتهما أحاديث تليفونية وكنت أسمع أبى وهو يكلم عميد الأدب العربى فى التليفون وأدرك من سياق الكلام أنه يتحدث إلى طه حسين، لذلك فإن طه حسين قال بالحرف حينما سعت السينما إليه لتحويل بعض أعماله إلى أفلام (مش عايز أى حد يعمل أفلامى إلا يوسف جوهر) وفى هذا شرف كبير بالطبع لوالدى، وقد أدرك طه حسين بحسه الأدبى والإنسانى العبقرى أن يوسف جوهر هو أستاذ كبير فى فن كتابة السيناريو والحوار.. لذلك اندهش كثيرون من صناع السينما من قدرة جوهر على الصياغة الحوارية المدهشة لدعاء الكروان الذى كان تحويله إلى سيناريو وحوار سينمائى أمرا شديد الصعوبة، وكذلك لقصة الحب الضائع التى تدور أحداثها كما كتبها طه حسين فى الريف الفرنسى فمصَّرها يوسف جوهر بذكاء شديد..
وهنا أقول أيضا إن علاقة فنية وإنسانية كبيرة أيضا جمعت بين يوسف جوهر وبركات مخرج دعاء الكروان والحب الضائع وقبلهما فيلم المتهمة لجوهر كانت من أهم أسباب نجاح الفيلمين نجاحا كبيرا.
البيه البواب
وبمناسبة السينما أسأل د. سهير: كيف كتب يوسف جوهر فيلم "البيه البواب" بهذه الحرفية الشديدة ليكون أحد أسباب ما حققه من نجاح هائل؟
تقول د. سهير: أبى كان يراقب الناس ليستمد منهم إبداعه.. قصة فيلم "البيه البواب" بدأت حينما كان أبى يجلس كثيرا فى شرفة بيتنا بالمعادي، وفى جلساته هذه راقب جيدا بواب إحدى العمارات المواجهة لنا واسمه عم عبد الله البواب، وعم عبد الله هذا كان شخصا نعرفه جميعا.. راقبه أبى كثيرا فى كلامه ومشيته وعلاقته بسكان العمارة التى يحرسها، وعلاقته بأهل المنطقة بشكل عام ليخرج لنا بهذه القصة الرائعة التى نجحت نجاحا هائلا كفيلم سينمائى أبدع فيه أحمد زكى .. وأقول إن دقة المراقبة والملاحظة التى تميز بها يوسف جوهر هى السبب فى كتابة البيه البواب الذى رصد فيه كثيرا من التغيرات التى اجتاحت المجتمع المصرى مع ظهور الانفتاح الاقتصادى وتراجع الطبقة الوسطى.
ظاهرة الانفتاح الاقتصادى والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية التى صاحبها ظهور قيم غريبة على مجتمعنا المصرى ناقشها يوسف جوهر كثيرا فى أعماله، ومنها على سبيل المثال رواية أمهات فى المنفى التى تحولت لفيلم بنفس الاسم من بطولة عادل إمام وأمينة رزق وماجدة الخطيب.. أسأل د. سهير عن الرواية والفيلم لتجيب: هذه الرواية كتبها والدى وترصد التحولات التى طرأت على المجتمع المصرى فى فترة السبعينات، وتجسد فيها الأم قيم التضحية والشرف، استمدها و استلهمها يوسف جوهر أيضا من واقع الحياة، ومن حكاياتها ومن صعوبات المعيشة.. وكيف يمكن أن يتنكر الأبناء لآبائهم وأمهاتهم فى سبيل أن يحققوا المال، وهى توضح إلى أى مدى كيف يكون المال نقمة على أصحابه، وتدور أحداثها فى أسرة عائلها رجل قانون وله ابن طالب بكلية الطب وثلاث بنات، يرحل الأب والابن وتهاجر إحدى البنات مع زوجها إلى أمريكا، بينما تتزوج الثانية من موظف بسيط ويعيشان بشبرا وتتزوج الثالثة من موظف بالجمارك بالإسكندرية، وتعيش الأم وحيدة فى بيتهم القديم مع ذكرياتها، بينما يستولى الطمع والجشع على الابنتين لتقررا بيع البيت الذى تسكن به الأم..غير عابئتين بأى قيمة أخلاقية لتجد الأم نفسها فى بيت للمسنات.. هى رواية تناقش تلك القيم الطفيلية التى طغت فى مجتمعنا منذ سنوات بعيدة، وكأن أبى كان يدق من خلالها ناقوس الخطر، وقد تم تحويل الرواية إلى فيلم قام ببطولته عادل إمام وأمينة رزق وماجدة الخطيب وإسعاد يونس عام ١٩٨١.. ونتيجة المشاكل والصعوبات المادية التى تعرض لها العمل، و حين عرف أبى بهذه الصعوبات طلب تصوير الفيلم فى بيتنا بالمعادى توفيرا للنفقات، وهو ما حدث بالفعل لينجح الفيلم رغم كل الصعوبات والمعوقات.
لماذا لم يكتب يوسف جوهر أعمالا تليفزيونية كثيرة كما فعل مع السينما؟
تجيب د. سهير: أبى كان يحب الكتابة للسينما بشكل كبير، ولم يهتم بالكتابة للتليفزيون فقد كان يكره مسألة التطويل فى الدراما التليفزيونية، ومع هذا فقد كتب مثلا للتليفزيون الفيلم التليفزيونى الطقم المدهب وأنتجه قطاع الإنتاج عام ١٩٩٠، وهو فيلم اجتماعى خفيف يتناول مشكلة اجتماعية عن مشاكل الحموات قام ببطولته ليلى طاهر وأبو بكر عزت وشريف منير وفايزة كمال، وله أيضاً مسلسل الساقية تدور وأيام الحب والغضب، كما أنتج له بعد وفاته القاهرة منفلوط وبالعكس.
وأنتج له بعد وفاته أيضاً مسلسل شخلول وشركاه عام ٢٠٠٦، و الذى يتناول ظواهر مجتمعية كثيرة مثل ظواهر الطمع والاحتكار وغيرها، وبشكل عام فإن الظواهر الاجتماعية المختلفة، وما كان يلحظه يوسف جوهر من متغيرات شكلت الهم الأساسى لكتاباته سواء الأدب أو للسينما والتليفزيون.
وبشكل عام كان يوسف جوهر يرى ويعتقد أن السينما هى أكثر الفنون التى يستطيع ككاتب أن يصل من خلالها للناس، وقد قال هو هذا المعنى بصراحة فقال بالحرف الواحد: (السينما هى التى تساعدنى أكثر فى توصيل الكلمة للناس، لأن السينما هى الكلمة الجديدة فى حياتنا الحاضرة، ففى مصر هناك نسبة من الأميين، وبالسينما نستطيع أن نوصل الكلمة والصورة لقطاع كبير من المشاهدين، ففى القاهرة مثلًا فى العروض الأولى للسينما دخلها مليون ونصف المليون متفرج، ولم يكن بمصر فى ذلك الوقت مليون ونصف المليون قارئ).
رغم إسهاماته السينمائية الكثيرة التى تمثلت فى تأليف وكتابة القصة والسيناريو والحوار يظل الإبداع الأدبى حاضرا وأساسيا، وربما الرقم الأهم فى المعادلة الإبداعية لدى يوسف جوهر.. أسأل وتجـيب د. سهير: هذا الرأى صائب تماما فيوسف جوهر بدأ قاصا وروائيا قبل أن يكون مؤلفا سينمائيا، وكانت القصة القصيرة هى الأهم فى منجزه الإبداعى فكتب ونشر عددا غير قليل من المجموعات القصصية مثل "الحياة قصص وسميرة هانم ودموع فى عيون ضاحكة وأمهات لم يلدن أبدا وابتسامات حية رقطاء وغيرها، كما كتب الرواية وأبدع فيها مثل أولى رواياته "عودة القافلة" التى فازت بجائزة مجمع اللغة العربية، ورواية أمهات فى المنفى و دوامات فى نهر الحب والصعود إلى قمة التل والناس الأكابر وشخلول وشركاه وغيرها، فأبى ظل طوال الوقت محتشدا بالكتابة الأدبية سواء فى القصة أو الرواية.
وعن أعماله الأدبية فاز بجائزة الدولة التقديرية عام ١٩٨٤ وقد تميزت أعماله بشكل عام باللغة السهلة المفهومة وكذلك قدرته على إدخال كلمات عامية فى متن إبداعه، ولكن لغته العربية تتميز بأسلوب فريد سهل جميل.
وهكذا كان يوسف جوهر أديبا حقيقيا لم ينس لحظة أنه أديب رغم أنه كرس كثيرا من وقته ليس فقط فى مجال الكتابة للسينما، ولكن أيضا فى وظائف ومواقع تتصل بها مثل مشاركته فى تأسيس معهد السينما، وأنه كان أستاذا بمعهد السينما ورئيساً لتحرير مجلة المسرح والسينما، كذلك مقرر لجنتى القصة والسينما بالمجلس الأعلى للفنون والآداب الذى أصبح فيما بعد المجلس الأعلى للثقافة.
وأسأل د. سهير.. لماذا لم يأخذ والدك حقه لدى النقاد وهو أديب كبير حقا لتجيب: كان أبى مخلصا للكتابة فقط، ما يهمه هو أن يكتب سواء كتابة إبداعية فى القصة أو الرواية أو كتابة سينمائية، ولم يهتم كثيرا بأن يكتب عنه الآخرون، وهنا أتذكر ما كتبه عنه الكاتب الراحل الكبير وديع فلسطين حين قال (من المفارقات الغليظة - أن يكون حظه - يقصد يوسف جوهر – من عناية الدارسين والنقاد حظ التواضع، إن لم يكن محاولة منهم لإهماله وجحد فضله، وكنت أعزو هذا إلى افتقاره إلى أسلحة "العلاقات العامة" وترفه عن مطاردة النقاد والمشرفين على الصفحات الأدبية لكى يقوموا "بتلميع" اسمه وتسليط الأضواء عليه، هذا فى الوقت الذى كان فيه الدكتور طه حسين يصر على ألا يكتب سيناريو رواياته التى حولت إلى أفلام سينمائية إلا يوسف جوهر وحده، اطمئناناً من عميد الأدب العربى إلى تفرد يوسف جوهر بالقدرة التامة على نقل النص المكتوب إلى عمل سينمائى يخلو من التشويه، مع استخدام لغة للحوار يرتاح إليها طه حسين.
أخيرا.. نريد أن نتعرف على يوسف جوهر من قريب؟
تقول د. سهير: كان أبى رجلا راقيا جدا، و منظما فى حياته، يحب البسطاء ويحسن التعامل معهم.. كنا نراه جالسا على مكتبه طوال الليل يكتب، بعدها ينام قليلا ثم يصحو ليباشر حياته وأعماله، وتعجبت كثيرا من قدرته على التوفيق بين موهبته فى كتابة السيناريو وموهبته الأدبية، ثم إنه كان أبا مثاليا.. أصر على تعليمنا نحن أبناؤه الخمسة فى الخارج وبأقل الإمكانيات عن طريق المنح والبعثات.. أنجب ثلاث بنات وولدين، حصلنا على شهاداتنا من الخارج.. وأصبحنا جميعا أساتذة بالجامعات.. هذا الرجل الذى رحل عام ٢٠٠١ عن تسعة وثمانين عاما كان رجلا استثنائياً بكل المقاييس مبدعا وإنسانا.. رحمه الله.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...
مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...
اختلاف الثقافة يعمّق الإحساس بالاغتراب.. والألم لا جنسية له