عبد العزيز فهمى.. أول رئيس لمحكمة النقض وأبو الدستور المصرى

شخصيات لها تاريخ «75» مــن مواليد كفر المصيلحة ـ منوفية وتعلم فى كُتاب القرية والجامع الأحمدى فى طنطا والجامع الأزهر ومدرسة الحقوق شارك فى الوفد المصرى مع سعد زغلول للمطالبة بالسفر إلى فرساى لعرض القضية المصرية على مؤتمر الصلح المنعقد فيها وكانت مهمته كتابة دستور للبلاد وصدّق عليه الملك فؤاد فى العام 1923 أقاله زيور باشا من وزارة الحقانية على خلفية معركة كتاب الإسلام وأصول الحكم الذى أصدره القاضى الشرعى على عبد الرازق لأنه رفض فصل القاضى بدون سند قانونى طالب بتغيير حروف اللغة العربية الحالية واستبدالها بحروف لاتينية وخاض معركة كبرى ضد المحافظين الذين اعتبروه عدوّاً للغة المقدّسة

هذا الرجل كان له مشوار حياة خصب حافل، بدأه من "كتاب" في قريته "كفر المصيلحة" في مديرية المنوفية، ثم مدينة طنطا، حيث التحق بالجامع الأحمدى، ليتعلم القراءات العشر التي يكتمل بقراءتها حفظ القرآن الكريم، ومنه إلى الجامع الأزهر في القاهرة، ثم قرر والده إلحاقه بمدرسة الحقوق ونبغ في دراسة القانون، وتخرج ووظفته الحكومة في وظيفة - معاون إدارة - في مديرية الدقهلية، ولكنه ضاق بالحياة في هذه المديرية، وانتقل إلى طنطا ليعمل في وظيفة كاتب بالمحكمة، وعمل في محكمة إسنا ونجع حمادي وبنى سويف، والتقى أحمد لطفى السيد في بنى سويف، وهجر الوظائف الحكومية وافتتح مكتب محاماة في - العتبة - بالقاهرة فى العام 1903 ، وتوالت خطوات حياته من المحاماة والقضاء إلى السياسة والحكم، فكان من ضمن الوفد المصرى مع سعد زغلول، وكان المكلف بوضع مشروع دستور للبلاد، ثم أصبح وزيراً ورئيساً لمحكمة النقض، ورئيساً لحزب الأحرار الدستوريين، وفى العام 1940 تفرغ للعمل الخيري في قريته وما حولها من قرى وعزب، وكانت له تجربة أدبية، فكتب الشعر وكتب في قضايا اللغة العربية.

حياة عبد العزيز فهمى دالة على حالة مصر نفسها في القرن التاسع عشر، والقرن العشرين فهو من مواليد كفر المصيلحة . منوفية، في ۲۳ ديسمبر ۱۸۷۰ وتوفى في ١٩٥١ أي أنه ولد في عصر إسماعيل، ومات في عصر فاروق، حفيد إسماعيل وآخر حكام عائلة محمد على، وينتمى إلى أغنياء الريف، والغنى هنا لا يعنى امتلاك مئات أو آلاف الأفدنة وحسب ما أورده - أحمد زكريا الشلق . في كتابه الأحرار الدستوريون، فإن ما كان يملكه - عبد العزيز فهمى - لا يزيد على السبعين فدانا، والحزب الذي تولى رئاسته هو حزب كبار الملاك أفقرهم يملك آلاف الأفدنة، وهذا هو التناقض في حياة الرجل، فالثروة التي يملكها تجعله قريبا من معسكر - سعد زغلول - لكنه اختار اللحاق بالمعسكر الآخر معسكر عدلى یكن - وأصحاب المصلحة الحقيقية وأبناء البيوتات - الذين لا يريدون لمصر الاستقلال التام، بل يريدون حصة من السلطة والثروة يريدون الثلث ليكونوا مثل - السلطان . والمعتمد البريطاني، وهم ليسوا من الثوار، ولا يستعجلون الاستقلال هم يريدون حصتهم من الثروة والسلطة.

الثورة الوطنية

ومن المهم العودة إلى الصراع الذي شهدته مصر بين معسکری سعد زغلول، وعدلى يكن، وهو صراع بين معسكر الثورة الوطنية ومعسكر الإصلاح التدريجي وبقاء الاحتلال، والصراع بين المعسكرين، هو ما عبرت عنه الأيام، فظهر - حزب الوفد - معبرا عن الثوار الفلاحين الوطنيين دعاة الاستقلال، وحزب الأحرار الدستوريين - معبرا عن كبار الملاك الذين لا يضايقهم وجود الاحتلال، إنما يضايقهم التهميش وعدم الحصول على نصيبهم من الثروة والسلطة، والكاتب الراحل أحمد بهاء الدين أورد في كتابه أيام لها تاريخ التفسير القوى الواضح لمعسكرى سعد زغلول وعدلى يكن، فهو يقول:

كل منهما جاء من نبع، وسار في واد كل منهما كان يمثل تياراً معيناً، فاتفاقهما تحالف بين التيارين وخلافهما صراع بين القوتين، يكتب فيه النصر لتيار والهزيمة لآخر.. عدلى سليل الأسرة التركية وربيب الطبقة الحاكمة وابن الذوات الذي ولد ليجد كل شيء مهيئا لاستقباله، التعليم الرفيع، الآفاق الأوربية الحديثة الصداقات الكبرى التي تمهد سبل الوصول السريع، فإن حدث وذهب إلى الريف، فهو يذهب إلى أملاكه لا إلى بلدته، وسعد الفلاح ابن الفلاحين، الذي نجد بين إخوته من يحملون أسماء شلبي وستهم وفرحانة، وإن كان من طبقة متوسطة ميسورة الحال.

ورجال - عدلی یکن - هم رجال حزب الأمة، وعنه يقول أحمد بهاء الدين

أما الحزب الثاني فهو - حزب الأمة - كان رئيسه محمود سلیمان باشا، وفيلسوفه ورئيس تحرير لسان حاله - الجريدة - هو أحمد لطفى السيد، وقد تكون هذا الحزب - كما قال لطفى السيد في الجريدة - من سراة البلاد وأعيانها وأذكيائها، أو بالتعبير الاقتصادي من كبار التجار والملاك الزراعيين فيها، وهذه الفئة ذاتها هي التي قادت حركة المطالبة بالدستور في أواخر عصر إسماعيل، حتى نشبت الثورة العرابية وغاية هذه الحركة كانت وضع أداة الحكم في أيدى المصريين، فلا تفرض الضرائب إلا بموافقتهم ولا تعقد التسويات المالية مع الدول إلا برأيهم، فهم أصحاب الثروة الزراعية في البلد الثروة الوحيدة في ذلك الوقت، وهم بناء على ذلك دافعو الضرائب الذين يتحملون مغبة سفاهة الحكومة المالية وعسف الأتراك فهم يعودون إلى التجمع في - حزب الأمة – ويدعون دعوتهم القديمة مصر للمصريين ليست للإنجليز وليست للأتراك، ويطالبون بنفس المطالب القديمة وضع الدستور ونشر التعليم وتمصير الإدارة الحكومية ثم الاستقلال التام، وأحمد لطفى السيد كان فيلسوف هذا الحزب وكان لكتاباته في الجريدة - آثار عميقة جدا، حددت إلى حد كبير الكثير من اتجاهات السياسة المصرية، خلال نصف قرن تقريباً، فهو كان يرى أن في مصر سلطتين السلطة الشرعية - أي الخديو عباس - والسلطة الفعلية أى الإنجليز وأن نظام الحكم استبدادی مطلق: الأمير فيه مطلق فيما له من السلطة والمعتمد البريطاني وأعوانه أكثر إطلاقاً فيما سلطتهم عليه من القوة من الإدارات المصرية، والأمة أمام هاتين السلطتين المطلقتين تجرى بها الأقدار يوماً إلى اليأس ويوماً إلى الرجاء، إذن لا بد أن تقوم سلطة ثالثة تقضى على استبداد هاتين السلطتين هي الأمة... وما هي الأمة في رأيه ؟.. هل هي عامة الشعب ... كلا الأمة لا تتكون من الأفراد، بل تتكون من العائلات والأعيان هم رؤساء الأمة الطبيعيون، لأنهم رؤساء العائلات، فالأمة بهذا المعنى، بمعني أنها الملاك الزراعيون يجب أن تتخذلها مركزا ثابتا بين السلطتين... وما هي الطريق التي تتبع لتحقيق هذه الغاية ؟.. الطرق السلمية المشروعة التي لا تمس مصلحة الأجانب، ولا تجعل للإنجليز ذريعة جديدة لتثبيت مركزهم في مصر أما التطرف من جانب - الجمهور - فالحزب لا يوافق عليه، لأنه يؤدى إلى العناد والقسوة من جانب الاحتلال القوى، فحزب الأمة إذن هو حزب الأعيان، وهو إذا كان صاحب الفضل في شن الهجمات على سلطة الخديو، والمطالبة بالدستور، إلا أنه لم يكن يتحرق كراهية للإنجليز، ولم يكن يطلب الجلاء، ولكن التدرج والدستور كان يطلبه ليكون وسيلة يشترك بها الأعيان في حكم البلاد، جنبا إلى جنب مع الخديو والإنجليز.

ضد الحماية

وكان الصراع بین معسکری سعد زغلول وعدلى یکن حول حقوق مصر السياسية وأهمها إلغاء الحماية البريطانية على مصر، وإلغاء كل ما ترتب على هذه الحماية، وتحوّل الصراع إلى انقسام أثناء المفاوضات مع بريطانيا، وكان - عبد العزيز فهمى مع سعد زغلول فى اليوم الذي توجه فيه - الوفد . إلى المعتمد البريطاني وطلب السماح بالسفر العرض القضية المصرية على مؤتمر - فرسای - عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، وفى مرحلة لاحقة ترك . فهمى - معسكر سعد زغلول، وانضم إلى معسكر عدلى يكن الذي اختير رئيسا للحكومة ورئيسا لوفد التفاوض مع بريطانيا بهدف إلغاء الحماية البريطانية والحصول على الاستقلال التام لكن - عبد العزيز فهمى - ورد ذكره في كتاب: الأحرار الدستوريون، للكاتب والباحث . أحمد زكريا الشلق، واخترت هذه المواضع الدالة على أهمية دور - فهمى - في المشهد السياسي المصري في سنوات ما قبل ثورة ۱۹۱۹ وما بعدها

والمعروف أن - لطفى السيد - اشترك مع سعد زغلول وعبد العزيز فهمى فى وضع مشروع اتفاق بين مصر وبريطانيا في أغسطس ۱۹۱۷ ومع أن المشروع لم يقدم بشكل رسمى إلا أن نصوصه قد تسربت إلى السلطات البريطانية، لأنه يكاد يكون هو الأساس الذي بني عليه - مشروع اللورد ملتر عند محادثاته مع الوفد المصرى فيما بعد.

وكان حديث - محمد محمود - إلى سعد زغلول في ۲۰ ديسمبر ۱۹۱۷ حول وضع مصر بعد الحرب، وضرورة اتحاد جماعة من أهل الرأى للتفكير في هذه المسألة ثم مناقشة المسألة في اجتماع بمنزله ۲۸ فبراير ۱۹۱۸ حضره على شعراوى ولطفى السيد وعبد العزيز فهمى

وروى عبد العزيز فهمى محاولة أخرى لمحمد محمود وطلبه تأليف وقد ليسافر للمطالبة بحقوق البلاد وكان ذلك في سبتمبر ۱۹۱۸ ، وإن كان - سعد زغلول - قد خوفه، بأن الوقت غير مناسب نظرا لانتصار الإنجليز.

الأمة بين سعد وعدلى

يروى أحمد بهاء الدين في كتابه: أيام لها تاريخ، حقيقة الصراع بين - سعد زغلول وعدلي يكن - فيوضح ما نقص من رواية - دكتور محمد حسين هيكل - في مذكراته التي اكتفى فيها بذكر عيوب شخصية - سعد زغلول - وعلى رأسها الرغبة في التحكم والسيطرة واعتبر - هيكل - هذا العيب الشخصي السبب الذي أدى إلى انقسام الوفد، وها هي رواية أحمد بهاء الدين التي تشرح موقف سعد زغلول من عدلى يكن

إن الوزارة في مصر لا ينتخبها الشعب، بل معينة من الحاكم، من قبل عظمة السلطان، بل بعبارة أصح من قبل المندوب السامي.. إن عظمة السلطان يمثل سلطة الحماية المضروبة عليكم رغم أنوفكم، وسياسة مصر الخارجية بيد الدولة الحامية، ورئيس الوزارة موظف من موظفي الحكومة الإنجليزية، يسقط ويرتفع بإشارة من المندوب السامي، وهو بهذه الصفة لا يمكن أن يكون بإزاء رئيسه وزير خارجية إنجلترا حراً في الكلام، لأنه مدين له بمركزه.

وهذا ما جعل - سعد زغلول - يطلب رئاسة وفد مصر في المفاوضات مع بريطانيا، لكن الذي حدث هو خروج فريق من الوقد وهم على شعراوي و محمد محمود وحمد الباسل وعبد اللطيف المكياتي وأحمد لطفى السيد ومحمد على علوبة وعبد العزيز فهمي وحافظ عليقي وعبد الخالق مذكور وجورج خياط، وبقى في معسكر سعد مصطفى النحاس وعلى ماهر وواصف عالي وسينوت حنا وويصا واصف.

وكان عدلي يكن يتفاوض مع الإنجليز، وسعد زغلول يرفض ما هو أقل من الاستقلال التام . وكانت النتيجة اعتقال السلطات البريطانية - سعد زغلول - ونفيه إلى سيلان في محاولة لتحطيم معنويات القوى الثورية. بتذكيرهم بما وقع على أحمد عرابي بعد فشل وهزيمة الثورة العرابية، وتوالت الأحداث وصدر تصريح۲۸ فبراير ۱۹۲۲ الذي كان ثمرة توافق بين - عبد الخالق ثروت، والإنجليل وفى التصريح إعلان واضحبالتهاء . الحماية البريطانية على مصر ولكن مؤرخي الأحرار الدستوريون يرون أن هذا التصريح - ثمرة من تعار رجال حزبهم وعلى رأسهم عدلى يكن - وهنا يتساءل - أحمد بهاء الدين - بوضوح

لمن كان الفضل في هذه الخطوة ... للساسة الدين قاموا بالاتصالات مع الإنجليز حتى صدور تصريح ۲۸ فبراير؟ أم للزعيم الذي يسكن سيشل ... إله قطعاً الذي يسكن سيلان أو سيشل، ولا أقصد بذلك أن الفضل يعود له شخصيا، ولكن يعود إلى الجماهير التي يمثلها، فلو كان الأمر للمعتدلين القبلوا تنظيم الحماية دون أن تنشب ثورة أو يراق دم، والإنجليز عندما أصدروا هذا التصريح لم يكونوا واقعين تحت ضغط الساسة المعتدلين، ولكن تحت ضغط الجماهير التي تقاطع بضائعهم، وتقتل موظفيهم، وترهب المستوزرين إذا طافوا بمقاعد الحكم.

حرية الملك

ويقول بهاء الدين - بعد أن يسود ما حدث من حوادث حتى تأسيس حزب الأحرار الدستوريين: إن عبد العزيز فهمي فوجئ هو و رجال الحزب بنتائج الانتخابات التي أجريت وفق هذا الدستور الذي صدر في العام. ١٩٢٢ ويضيف:

كان الأحرار الدستوريون يعتقدون حتى ساعة المعركة أنهم فائزون فيها، فأنهلتهم النتيجة، وحتى ذلك الوقت كانوا على غير بيئة من ظهور القوة الجديدة، أو من الصورة الجديدة للأمة، فكانت دهشتهم بالغة عندما وجدوا أن الذين نجحوا في الانتخابات ليسوا هم الأعيان ورؤساء العائلات وأصحاب الأطيان، ولكنهم الثوار والمحامون الشبان الذين رأسوا لجان الأقاليم وتزعموا الشعب وجمعوا التوقيعات، ولم يفز من غير. حزب - سعد سوى عشرة سنة من حزب الأحرار وأربعة من الحزب الوطني.

ويقول - عبد العزيز فهمي - بعد مولد دستوره - بسنتين إنه كان يظنه مناسباً لبلادنا ولكن العمل أثبت أنه توب. فضفاض، وتستقيل وزارة سعد زغلول بعد حادثة مقتل سردار الجيش البريطاني، ويكلف ، الملك فؤاد. أحمد زيور بتأليف وزارة جديدة، ويحل البرلمان، وتجرى انتخابات جديدة، وبعد انعقاد البرلمان الجديد بساعة واحدة يتبين للجميع أن الأغلبية مازالت إلى جانب . سعد فيحل البرلمان الجديد بعد ساعات قليلة من مولدة، والأحرار الدستوريون يؤيدون هذا كله، ومن وزراتهم في هذا العهد - عبد العزيز فهمي - الذي أقبل من وزارة الحقانية بسبب قضية كتاب: الإسلام وأصول الحكم، لمؤلفه الشيخ على عبد الرازق، القاضي بمحكمة - المنصورة - الشرعية، وهذه القصة رواها . دكتور محمد حسين هيكل - في مذكراته، لكن قبل أن ترجع إلى ما رواه من المهم أن يعرف القارئ أن "الأحرار الدستوريين تحالفوا مع حزب "الاتحاد" الذي هو حزب - القصر بهدف القضاء على سعد زغلول والوفد وكل من عارض فريق - عدلى يكن والملك . وكان من تعار التحالف انضمام ثلاثة وزراء إلى حكومة - أحمد زيور التي حلت محل وزارة سعد زغلول التي استقالت عقب وقوع حادث مقتل سردار الجيش البريطاني في السودان، وطلبت بريطانيا - من الحكومة المصرية تعويضا ماليا قدره نصف مليون جنيه مصری و حصلت عليه، وطلبت سحب الجيش المصري من السودان والتوسع في زراعة القطن في السودان لحسابها.

ورفض ، سعد سحب الجيش واستقال، وكان الوزراء الثلاثة من أعضاء - الأحرار الدستوريين - هم عبد العزيز فهمي ومحمد على علوبة وتوفيق دوس، وكان موقع عبد العزيز فهمي السياسي هو - رئيس حزب الاحرار الدستوريين - ووزير الحقانية - العدل في حكومة . زیور باشا - وصدر كتاب الإسلام وأصول الحكم الذي ينسف فكرة الخلافة - ويعتبرها بعيدة كل البعد عن جوهر الشريعة الإسلامية، والزعج - الملك فؤاد الذي كان يجهز نفسه ليكون خليفة المسلمين، بعد أن ألتي .

مصطفى كمال أتاتورك - الخلافة العثمانية، وأصبح . عبد العزيز فهمى - وزير الحقانية في الحكومة القائمة في البلاد في العام ١٩٢٥ في موقف محرج للغاية، لأن الشيخ على عبد الرازق ينتمى العائلة - أن عبد الرازق . التي تمثل أحد الأعمدة القوية التي يعتمد عليها حزب. الأحرار الدستوريين، ولما أصدرت هيئة كبار العلماء قرارها بعزل على عبد الرازق من زمرة العلماء وسحبت منه شهادة العالمية، كان المطلوب فصل . عبد الرازق - من منصبه الخاضع لوزير الحقانية حيث إنه يعمل قاضيا في محكمة المنصورة الشرعية، ومن جانبه حاول فهمي - السير في طريق قانوني يحمى الشيخ على عبد الرازق ولكن رئيس الحكومة كان الأسرع والأقوى في تلبية مطلب الملك فؤاد فأقال . عبد العزيز فهمى - من الحكومة لأنه لم يصدر قرار فصل الشيخ على عبد الرازق من محكمة المنصورة، وهنا تعود إلى مذكرات . دكتور محمد حسين هيكل - لنقرأ تداعيات هذا القرار وانعكاسه على حزب الأحرار الدستوريين

كان عبد العزيز باشا فهمي رئيس حزب الأحرار الدستوريين إذ ذاك هو وزير الحقانية - العدل . وهو لذلك الوزير المسئول عن على عبد الرازق، وكانت أسرة عبد الرازق من الأساطين التي يعتمد عليها حزب الأحرار الدستوريين، فأقل حقوقها على رئيس الحزب أن يحميها في حدود القانون، وهذا ما اتجه إليه الرجل بكل نزاهة وأمانة واحترام للقانون، ولهذا الغرض شكل لجنة لتنظر الموضوع ولتشير عليه فيه، فليس يجوز في نظام الدولة أن يفصل موظف من وظيفته إلا بحكم من مجلس التأديب المخصوص أو بقرار من مجلس الوزراء، ولا يمكن أن يفصل مجلس الوزراء موظفاً إلا إذا طلب الوزير الذي يتبعه هذا الموظف فصله وكان عبد العزيز باشا يبحث عن طريق اللجنة التي شكلها عن مخرج من هذا الموقف المتناقض مع حرية الرأى وما قرره الدستور من كفالتها، لكن - يحيى باشا إبراهيم - رئيس الوزراء بالنيابة، كان يلح كل يوم طالباً فصل - على عبد الرازق - وكان عبد العزيز باشا يستأنى ويستمهل، يريد أن ينقذ موقفاً لا يدرى أحد ما عسى أن يؤول إليه أو يترتب عليه من نتائج، وإنني لجالس إلى مكتبى، مساء السبت من أوائل شهر سبتمبر لتلك السنة - ١٩٢٥ - إذ تحدث إلى متحدث في التليفون يقول إن عبد العزيز باشا فهمى أقيل من منصب وزير الحقانية، وإن على باشا ماهر عين مكانه، وكذبت الخبر فور سماعه، فلم تجر العادة في بلد دستوري بإقالة وزير من الوزارة، بل جرت أن تعدل الوزارة كلها.

واجتمع حزب الأحرار الدستوريين اجتماعاً حاشداً وطلب من وزيريه محمد على علوبة وتوفيق دوس الاستقالة من حكومة - زيور باشا - تضامناً مع . عبد العزيز باشا فهمى، واستقالا بالفعل، ولكن عبد العزيز فهمى لم يكتف بهذا القدر من المعارك السياسية، منذ أن كان عضوا في الوفد المصرى الذي تشكل للقاء المعتمد البريطاني بهدف طلب الإذن بالسفر إلى - فرساي - لطرحالقضية المصرية على مؤتمر الصلح عقب الحرب العالمية الأولى، وهو الرجل القانوني الذي تخرج في مدرسة الحقوق وعمل في كل الوظائف القضائية والقانونية وهو الذي أسس محكمة النقض، أكبر وأعلى محكمة في مصر، وهو نفسه الذي خاض معركة استبدال الحروف العربية الحالية بحروف اللاتينية، والمعركة لم تكن سهلة، وهو نفسه كان عضواً في مجمع اللغة العربية واتهمه المحافظون بالتنكر للغة العربية وهو من ناحيته قدم الردود الوافية، وأصدرها في كتاب، وفي السنوات العشر الأخيرة من حياته، اعتزل الحياة السياسية والقانونية واستقر في قريته "كفر المصيلحة" وتفرغ للأعمال الخيرية، ولقى ربه في العام ١٩٥١، وله تراث إبداعي شعرى منه قصيدة مساجلة شعرية مع الشاعر العوضى الوكيل - نشرتها الأهرام في ٦ مارس ١٩٥٠ وأخرى مع الشاعر - محمد المفتى - وترجم إلى العربية مدونة جوستنيان فى القانون الروماني، وكتب سيرته الذاتية بعنوان: هذه حياتي نشرتها - دار الهلال - في العام ١٩٦٣ ونال من النياشين والأوسمة: الوشاح الأكبر من نیشان محمد على، ورتبة الامتياز من الدرجة الأولى، ونال من التكريم المعنوى الكثير منه إطلاق اسمه على شارع فى مصر الجديدة، وعلى عدة مدارس في القاهرة والمنوفية.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شخصيات لها تاريخ «63». محمد صالح حرب.. يا بهية وخبِّرينـى عَ اللى قتل
محمود
النحاس

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص