الثروة آخر ما يشغله.. وكان شعارة الدائم «الحاجة اللى غيرك يعرف يعملها بلاش أنت تعملها» عاشق متيم بمصر وأرضها وناسها صعيدها ودلتاها، قلبها وحواريها هوانمها وبنات البلد بالملاية اللف، فلاحيها وعمالها وموظفيها قادتها وبسطائها ومجاذيبها
عندما تكتب سناء البيسى عن منير كنعان فعليك أن تنتبه جيدا لكل حرف ولكل سطر، بل لما بين الحروف والسطور، ذلك لأن الكلام هنا يصل فى روعته إلى سحر الشعر، ويخرج من قلب وقلم امرأة متورطة فى العشق، وما أدراك ما معنى أن تكتب امرأة عاشقة عن حبيبها، وما أدراك ما معنى أن تكون هذه العاشقة لها قلم وبلاغة وسحر سناء البيسى! تعرف سناء البيسى أصول النقد الفنى وقواعده، ويمكنك أن تقرأ مثلا دراستها البديعة عن بيكاسو وأعماله وتجاربه المجنونة، أو عن "شاجال" شاعر الرسم وقُبلة النار الطويلة بين الأصابع واللوحة، ولكنها فى حالة منير كنعان تنسى قواعد النقد وأصوله أو تتناساها، ولا يحكمها إلا قلم عاشقة تكتب عن حبيب ارتبطت به وتعلقت، سكنها وسكنته، وقالت فيه وعنه ما يرقى إلى قصائد الغزل.
"اكتشفت أن تأثيره وآثاره حاضرة دوما فى ساحة خلفيتى الحياتية، وما أنطق به وما أنظر إليه، وما أنتقده وما أفتقده، وما أسعى إليه وما أحبه وما أهفو إليه.. كلها عائدة إليه، عبر أنفاق موصلة وروافد سارية جارية إلى نقطة بدايته، إلى منبع إرساله واستقباله.. وبديهى أن أكون تلك، وطبيعى أن تدمغنى بصمته، ومن غير المعقول ألا أكون مرآته وأن أغدو بمثابة ظله على الأرض"..
لماذا كل هذا يا ست سناء؟.. تجيب بلا تفكير:
"ألم أذهب إليه وأنا فى السادسة عشرة؟.. ألم يأخذ بيدى عند بداية تسلقى لجدار المعارف؟.. ألم يقودنى لاكتشاف آفاق المجهول فى الحب والحرب؟.. ألم يصحبنى لاقتحام شرنقات النقاش وسنين الحوار وعالم الكبار؟.. ألم أتعرف معه على خرائطى وسهولى وجبالى ورخات أمطارى وبرقى ورعدى ومواسم جفافى وتحاريقى وعندما يأتى الربيع؟.. ألم يكن الأول والبداية والغلاف والبوابة والمستهل؟.. ألم أطل من نافذته وسلمته مفاتيح أبوابى؟.. ألم يرسم على وجهى الابتسامة والعبرة والغضبة واللهفة وحُمرة الخجل وتهويمة الشجن؟.. ألم يعلمنى قسوة الحدة بين الأبيض والأسود ويهدهدنى فى ألوان الباستيل، ويلهو بى فوق أرجوحة قوس قزح، ويُجنبنى الأحمر الدامى، ويذيقنى عصارة الكرز ورحيق الياقوت، ويسافر بى فى حُمرة الفجر وساحة الغروب ومواكب الشفق وخدود الورد؟..".
فما الذى فعله منير كنعان لتكتب عنه زوجته وشريكة رحلته بكل هذا العشق الساحر الساخن؟
إن قصة سناء البيسى مع كنعان جديرة بأن نستعيدها، ومن خلال تفاصيلها سترى "منير" بصورة جديدة مختلفة وكأنك تقرأ عنه لأول مرة، لأنك ستراه بعين "سناء"..الحبيبة كما رأت الحبيب الفنان.
(1)
عرفته سناء وهى فى سنة أولى جامعة، طالبة بضفائر طويلة فى مقتبل العمر وأول سنين الصبا، فى حين كان هو على مشارف منتصف الثلاثينات من عمره، يحمل اسما لامعا كرسام وكمشرف على أقسام الإخراج والتوضيب فى مؤسسة "أخبار اليوم"، ينتظر القراء أغلفته فى "آخر ساعة"، وفى كل مرة يفاجئهم بغلاف بديع، مبتكر، مذهل..
وكأن يدا غامضة كانت تقود التلميذة إلى الرسام، فعندما حصلت الطالبة سناء حسين البيسى على شهادة التوجيهية بتفوق من مدرسة العباسية الثانوية، فإنها قد جهزت أوراقها لتقديمها إلى كلية الحقوق بجامعة عين شمس، لكن لقاء جمعها بالصدفة مع زميلة لها على سلم العمارة غيّر خططها.. ومصير حياتها.
على السلم عرفت سناء أن كلية الآداب بجامعة القاهرة افتتحت قسما جديدا للصحافة، وهو الخبر الذى فجّر بداخلها شغفها القديم بالكتابة والقراءة والرسم، فذهبت لتلتحق بالقسم الجديد.. وفى سنتها الدراسية الأولى جاء نجم الصحافة مصطفى أمين ليلقى محاضرة على صحفيى المستقبل، وطلب من كل واحد فيهم أن يكتب تقريرا صحفيا عن المحاضرة، وكانت سناء البيسى من المميزين الذين اختارهم الأستاذ للتدريب فى "أخبار اليوم".. رغم أنها الوحيدة التى امتلكت الجرأة لتقول له: لم أفهم أغلب ما قلته بسبب دخان سجائرك!
كفراشة راحت سناء تتنقل بين الأقسام، تكتشف وتتعلم وتمتص الرحيق، إلى أن قادتها قدماها إلى مكتب كنعان، ومنذ اللحظة الأولى أحس الرسام العبقرى أنه أمام وجه نادر غير مألوف يستحق أن يجلس أمامه ليرسمه، إنها فتاة غلافه القادم، ستجلس وفى يدها باقة من الزهور ليكون الغلاف مناسبا لموضوع بداخل المجلة عن معرض أزهار الربيع..
وبلا تردد وافقت سناء، إن شيئا ما يجذبها لهذا الرجل الغامض المهيب، وفى هذا اليوم من شهر مارس 1956 ارتدت "بلوفر" أسود ووضعت على رقبتها "إيشارب" أصفر، وعلى شعرها طاقية فاحمة السواد، وفى إصبع يدها اليمنى كان هذا الخاتم الذهبى ذو الفص الأسود ساحر البريق.. وجلست أمام ريشة كنعان مستجيبة لطلبه بأن تحتضن فازة بنية اللون يخرج منها أفرع زهر المشمش.. لنتركها تحكى لنا بأسلوبها الشاعرى باذخ المتعة عن لوحة الغلاف التى كانت سببا فى اشتعال شرارة الحب العظيم:
"الحبيب الفنان.. من التقيته فى سنة أولى جامعة فيستشعر بداخلى جمالا التقطته عيناه، فيطلب منى تسجيله فى لوحة غلاف، فأطعت منساقة لأجلس أمامه موديلا أحتضن فروع زهر المشمش، وظهرت لوحة كنعان غلافا لمجلة "آخر ساعة".. ومشيت أدّب على الأرض مرحا وتفاخرا لظنى أنى قد أصبحت الجيوكندة.. وأدمنت الجلوس أمامه ليرسمنى، ساعات تمضى فى تحجرى داخل وضع معين مرهق أعانى جاهدة - كى أفوز برضاه- ألا يهتز لى طرف أو أرعش عينى.. وهو منصرف عنى تماما مستغرق فى استكمال رتوش اللوحة والتطلع إليها وليس لى، لكنى ماضية للتصنم أمامه مادام حبيبى يجد عندى شعاعا لإلهامه.. مادام هناك بين لوحة وأخرى متسع للحوار والوئام والتفاهم والتراحم والحب والوصال"..
ألقت الفتاة الوديعة بنفسها فى بحر كنعان العاصف غير عابئة بالعواقب.. بالعقل والمنطق فإن قصة الحب تبدو غير منطقية، إذ ما الذى يدفع فتاة جميلة نابهة وموهوبة إلى الاقتران برجل أكبر منها بضعف عمرها، حياته كلها منذورة للرسم والألوان، ومتعته كلها فى أن يقف بفرشاته أمام لوحاته من السادسة صباحا حتى منتصف الليل، يمارس هوايته الوحيدة التى لا يعرف غيرها؟.. ثم إنه يملك نوعا غير معتاد من الصراحة قد تبدو مزعجة لفتاة حالمة.. بل لأى فتاة كانت؟
الإجابة يمكن أن نلخصها فى كلمتين اثنتين لا غير: جنون الحب!
إنه "الجنون" الذى تم توثيقه فى شكل عقد زواج رسمى مساء يوم الخميس 11 من ديسمبر 1962، وأعلن العروسان عن سفرهما إلى بور سعيد لقضاء شهر العسل، فى حين كانا هناك فى مرسم كنعان بالقلعة هاربان من مراسم الزواج !
(2)
منذ ديسمبر 1962 (تاريخ الزواج)، وحتى ديسمبر 1999)تاريخ رحيله)، ظلت سناء البيسى هى الملاك الحارس لكنعان، الزوجة والصديقة والشريكة والحبيبة والحضن والموديل وأم ابنه الوحيد هشام.. ولا أجد وصفا لهذا "القرب" أصّدق ولا أبلغ مما كتبه الأستاذ هيكل عن كنعان بعد رحيله:
"طوال رحلة استكشاف منير كنعان من جديد كان معى سؤال واحد: ترى هل يعرف أن زميلة عمره التى شاركته حياته واستثارت رؤياه ورعت إلهامه، كانت واقفة وسط الساحة الفنية العربية ترعى الفن والقيمة وتفتح الباب لذلك الزمان الذى جاء بعد غياب صاحبه"..
ولذلك فإننا عندما نرى كنعان بعيون سناء نكون أمام شهادة معتبرة ومهمة - إن لم تكن الأهم – عن هذا الفنان الرائد والرسام العبقرى..
وحتى لا نتوه فى التفاصيل يمكننى أن ألخص هذه الرؤية وتلك الشهادة دون إخلال ولا تحريف، اعتمادا على كتابات سناء البيسى الموثقة:
الرسم هو حياته، يأكل ويشرب وينام ويصحو ويحيا به ومن أجله، اللوحة أقرب إليه من أعز الناس لديه، بل أقرب إليه من حبل الوريد.. يمكنه أن يقف ثمانى ساعات متواصلة أمام لوحته دون كلل ولا ملل ولا وهن، كأنه فى موعد غرامى مع معشوقته.. ولذلك فإن موعد رحيله لم يكن هو ذلك المدون فى شهادة وفاته، بل الصحيح أنه مات حينما خانته صحته وعجزت يده عن الإمساك بريشته والوقوف أمام لوحاته.
يتعامل مع لوحاته كأنها أولاده وحتة منه، يحاورها ويحنو عليها ويهفو إليها ويهدهدها ويتحسس سطحها.. تتكدس فى مرسمه فيفسح لها مكانا فى غرفة نومه حتى تحف بسريره.. وكان حلمه الكبير أن يعثر على شقة واسعة فى عمارة قديمة من ذوات الحوائط العالية ليتمكن من التجول بحرية بين جدارياته العملاقة، ولكن مضى العمر وضاع الحلم..
حالته المزاجية تتوقف وترتبط برباط متين مع علاقته بلوحاته الجديدة، فإذا ما منحته أسرارها ومكنته من ضبط إيقاعها، فإنه يكون فى أسعد حالاته وأبهجها، تكسو وجهه الابتسامة ولا يكف عن مداعبة زوجته وابنه، بل ربما تستبد به النشوة فيصدح بأغانى عبد الوهاب التى يعشقها ويتألق فيها صوته: يا وابور قل لى رايح على فين.. أما إذا بان على وجهه البؤس وصب جام غضبه على الجميع فاعلم أن لوحته الجديدة غضبانة عليه!.. المؤشر والترمومتر عندها تستشفه عندما يناديها، فإذا استخدم لقب التدليل المحبب "يا ماما" فهو السعادة كلها.. أما إذا ناداها باسمها تعرف وتدرك أنه يوم "مالوش آخر".
متجدد كرسام، لا يقف عند مرحلة مهما كان نجاحه فيها وتألقه، ما إن يثبت نفسه وموهبته وريادته حتى يبحث عن مغامرة جديدة.. عن منطقة بكر لم تطأها ريشة رسام قبله.. لا يحب التقليدى ولا المعتاد، شعاره الدائم ونصيحته المزمنة: "الحاجة اللى غيرك يعرف يعملها بلاش أنت تعملها".. لم يكن يكرر لوحة مرتين، ظل حريصا على أن تكون جميع لوحاته طازجة لكل منها شخصيتها داخل مرحلتها العمرية.. كان قادرا على أن يفعل مثل غيره ويصنع من كل مجموعة لوحات متشابهة حدوتة، أغلب الرسامين الكبار فعلوا ذلك واستفادوا ماليا وجنوا ثروات وربحوا الملايين..
أما هو فكانت الثروة هى آخر ما يشغله، حدث بعد أن تألق وذاع صيته وثبتت براعته فى البورتريهات ومرحلة الموديل أن جاءته هوانم مصر وسيدات صالوناتها يعرضن عليه أن يجلسن أمامه ليرسمهن، وكانت كل واحدة مستعدة أن تدفع له ما يطلبه من مقابل، ولكنه اعتذر عن الملايين مع سبق الإصرار.. وجاءته مرة زوجة سفير بريطانيا العظمى إلى بيته لتشترى منه لوحة بعينها رأتها فى معرض له وتعرف أنه يعلقها فى صالون البيت، وقبل تشريفها بدقائق أدخل اللوحة إلى حجرة نومه واعتذر لزوجة السفير الإنجليزى أن اللوحة المطلوبة بيعت، وكانت مستعدة أن تدفع فيها أى ثمن.. وأى ثمن يمكن أن يغرى فنانا وجد نفسه محاصرا وسط المظاهرات العارمة فى يناير 1977، وانشغل فى عمله بأخبار اليوم ولم يكلف نفسه بأن ينزل لينقذ سيارته الجديدة التى اشتراها من أيام ثلاثة فقط والمركونة أمام الدار، ولما نزل فى الفجر وجد المتظاهرين قد أشعلوا فيها النيران، فقطع المسافة إلى بيته سيرا على الأقدام، ولما سألته زوجته عن السيارة رد ببساطة وبابتسامة: أخدت الشر وراحت!..ثم دخل لينام!
يتميز بصراحته الدامية، التى لم يسلم هو شخصيا منها.. رجل لا يعرف الكذب ولا يتقنه.. يذهب إلى معرض جديد ويدخل من الباب وما أن يلقى نظرة على اللوحات حتى يمسك فجأة بيد زوجته ويجرها ليخرج بها مسرعا من الباب الآخر، فتسأله معاتبة: إزاى نمشى كده من غير ما نسلم على صاحب المعرض ونقول له كلمة مجاملة؟، فيرد بلا تحفظ: كده أحسن ما أقول له يروح يبيع كشرى ويبطل الرسم!.. وذهبت إليه زوجته – حبيبته ورفيقته وأم ابنه – لتريه رسوماتها وهى متهللة بانجازها، وفوجئت به يلقيها بعصبية وقسوة وغضب بعدما اكتشف أنها مجرد تقليد ساذج لرسوماته ولوحاته، وقال ناصحا: لازم يكون لك بصمتك الشخصية.. اوعى تقلدى حد.. كده ح يقولوا جوزها هو اللى بيرسم لها!.. وحتى أمام لوحاته كان يقف متشككا وغير راض وكأنه يريد أن يصل بها إلى الكمال المستحيل!
يعشق موسيقى بيتهوفن ورسومات بيكاسو..سيمفونيات بيتهوفن هى رفيقته اليومية المزمنة، يصحو عليها وينام، يحلق مع أنغامها أثناء اندماجه فى الرسم وكأنه يستمد منها الإلهام..وحاول كثيرا أن ينقل هذا العشق أو العدوى إلى زوجته ويحرضها على سماعه، ولأجل خاطره حاولت .. وفشلت بجدارة.. لكن عدوى عشقه لبيكاسو أصابها رزازها، ومن خلال حكايات كنعان التى لا تنتهى عن السيد "بابلو" وجنونه ومغامراته ولوحاته وغرامياته، أصبحت عارفة بتفاصيل حياته وكأنها عاشتها.. وكانت سناء البيسى جادة غير هازلة عندما كتبت: وكثيرا ما احتوتنى قناعة بأنى قد تزوجت يا إما بيتهوفن أو بيكاسو، إذا لم أكن قد اقترنت على أرض الواقع بضلعهما الثالث، من نلت قسمتى ووعدى ونصيبى معه".
عاشق متيم بمصر، أرضها وناسها، صعيدها ودلتاها، قلبها وحواريها، هوانمها وبنات البلد بالملاية اللف، فلاحيها وعمالها وموظفيها، قادتها وبسطائها ومجاذيبها.. ريشته كانت حاضرة دوما فى كل أحداثها الوطنية، بل يمكنك أن تؤرخ لها فى لوحاته وكأنه جبرتى ثورة يوليو بكل حوادثها وأحداثها وقضاياها ومعاركها وانتصاراتها وانكساراتها.. جاءه مرة عرضا للعمل خارج مصر بمرتب خيالى يدير الرؤوس، لكنه رفض ببساطة وبلا تردد أن يترك مصر، وكان سبب الرفض والاعتذار: لو سافرت بعيدا عن مصر..أين أجد هواء "درب اللبانة"؟.. إن منطقته الشعبية التى فيها عاش وبها مرسمه هى جنته التى يمكن أن يضحى من أجلها بكنوز الدنيا!
مقياس الزمن عنده بالرسومات لا بالسنوات، بعدد اللوحات التى تحمل توقيعه لا بعدد ما يحمله على ظهره من أيام.. وكأنه يسابق الزمن، يرسم ويرسم حتى لو تكسدت اللوحات فى مرسمه، المهم أن يفعل ما يحب، أن يترك بصمته فى الدنيا حتى ولو تأخر تقدير الناس له ولها.. كان على قناعة بأن الرسامين هم أكثر الموهبين عذابا، وعليهم أن يشقوا ويتعذبوا ويموتوا حتى يعرف الناس قيمة أعمالهم ويشتروها بالملايين!
(3)
المؤكد أن نظرة ورؤية سناء البيسى لكنعان هى الباب الإجبارى إلى عالمه وسيرته وشخصيته، صحيح إنها نظرة بعين الرضا، بعين العاشقة، بعين الحبيبة والزوجة والرفيقة، بعين التلميذة، ولكنها تظل الأكثر صدقا وقربا، لأنها فى فرادتها تجمع بين الجانب الإنسانى اللصيق والحس الفنى العميق..
هى النظرة الأصدق لكنعان مثلما هو الحال فى الوصف الشاعرى الذى اختاره أحمد الشهاوى لتجربته: الرائد الزاهد..
أما الريادة فيكفيه شهادة بيكار:
"إن الريادة والمغامرة ومتعة الكشف والتنقيب من خصائص كنعان، الذى كان من أوائل الذين ارتادوا مجاهل "التبقيعية" ومتاهات "البوب" و"الكولاج"، وبسط أمامنا تجاربه على مذبح المعاناة عرقا ودما وتمزقا، وحماسا تذوب اصداؤه فى صخب فرشاته المتمردة التى لا تعترف بالاستقرار".
ومن نقاد سيرته من ذهب إلى القول بأن عدم تلقى كنعان لدراسة علمية أكاديمية كان من أسرار تميزه وتفرده وريادته، وكان وراء جرأته وقفزاته الخطيرة بين تجارب فنية مختلفة، وتمرده على الأطر والبراويز والكليشيهات والسائد والمألوف، وكانت تجربته الحياتية الثرية - على ما فيها من معاناة- هى أكبر معلم له، صقلته ومنحته خبرات هائلة فأصبح هو فى حد ذاته أكاديمية فنية من لحم ودم..
أما الزهد، فكان ميزة أخرى فى كنعان، قلما تتوافر فى فنان تحيط به الأضواء والمغريات، بل كانت فى متناول يده وقطوفها دانية ..ولكنه – كما يقول الشهاوى – قرر منذ البدء أن يكون فردا واحدا متعددا، عبقريته فى تجليه وتخليه وركوبه رأسه وقيادته قلبه.. لم يمش خلف النقد بل جعل النقد تابعا لإنجازه الفنى.. اعتزل الناس.. لأنه رأى فى اللوحة ملاذا ومأوى ، رأى فيها حياة حقيقية بلا زيف ولا خداع.. بل رأى فيها خلودا وتحققا.
كان على قناعة بأنه صاحب رسالة، وعليه أن يقوم بها وينجزها على أكمل وجه، دون أن يبحث عن ربح أو يسعى إلى غنيمة..
كان النجاح "التجارى" متاحا أمامه ومكاسبه مضمونة وبريقه يزغلل العيون، ولكنه فضّل القيمة على المكسب، و"العظمة" على النجاح..وكأنه تجسيدا حيا لمعنى النجاح الذى قصده المفكر الكبير خالد محمد خالد وكتب عنه فى "قصتى مع الحياة"، فى معرض تعليقه على مقولة الأديب الفرنسى الكبير " جورج ديهاميل": "احذر النجاح.. فإنه القبر المذهب للموهبة"، وقال الأستاذ خالد مفسرا: ولا بد أنه – ديهاميل- يعنى الإفراط فى طلب النجاح وشرائه بأى ثمن وتسخير الموهبة له، بدلا من استثمارها فى البحث عن الحقيقة والتبتل لنشرها والدفاع عنها.. وأما النجاح الذى يجيء ثمرة الجهد الصادق والمتزن والقنوع والمترفع فهو مثوبة الله للذين يحققونه، ومن ثم يكون لهم عروشا لا نعوشا.. وإذا كان مهما أن تكون ناجحا فإن الأهم أن تكون عظيما.. والعظمة تعنى أن تكون متفوقا على نفسك وأطماعها وعلى إغراءات الحياة وهتافاتها.. تعنى أن تكون ناضجا صابرا متفانيا مكبا بكل وقتك.. مقبلا بكل طاقتك على ما تصلح له..وحاذروا على أنفسكم من العُجب والخيلاء والافتتان بالموهبة".
وفى ظنى أن الأستاذ خالد لو قرأ تجربة كنعان لهتف من قلبه وقلمه: إنه التطبيق العملى.. إنه ما أقصده بالضبط متجسدا..
عاش كنعان متسقا مع نفسه ومبادئه، عزوفا عن الأضواء والمظاهر والنجاح التجارى، باحثا عن الجديد والتجديد، مهووسا بالمغامرة والتمرد على القيود، متفوقا على نفسه وأطماعها ومغريات الحياة، ساعيا إلى العظمة لا الشهرة..
ربما كان هو الرسام الوحيد الذى لا يضع تسعيرة للوحاته، لأن كل لوحة رسمها يعتبرها قطعة من روحه وعصارة موهبته، كل لوحة عليها توقيعة لها تاريخ وذكرى وبمثابة مرحلة من حياته..ولذلك فلوحاته فى معزة أولاده، يليق بهم أن يضعهم فى متحف لا أن تباع لمن يدفع.. حدث مرة أن عثر على لوحة له فى مزاد، تذكر أن صديقه مصطفى أمين قد اقتناها منه قبل دخوله السجن سنة 1965، وصمم على أن يستعيدها، ودخل المزاد عليها، وراح يزيد فى السعر حتى حصل عليها وأعادها – بتعبير سناء البيسى زوجته التى رافقته فى المزاد وحضرت الواقعة- إلى موطنها الأصلى..!
كان يحتضن لوحاته كأنها حبيباته، وكان فى غاية الجدية – رغم ابتسامته - عندما قال لسناء يوما: مش باقى غير إنى اشترى لوحاتى بنفسى ليتحقق لى الاكتفاء الذاتى المطلق"!
ولذلك صدقت سناء عندما قالت بأن كنعان مات يوم أبعده المرض عن لوحاته وفرشاته.. أدركت أنها النهاية وأنه لن يتحمل الفراق.. وهى أكثر من يعرف أن اللوحة هى الحب الأول والأخير لهذا الرسام .. "الذى كان يتركنى غارقة فى استقبال صخب ضيوف معرضه، بينما يتسلل هو إلى هدوء مرسمه ليبدأ لوحة جديدة"..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لا تبحث في الصورتين عن الرؤوس أو الوجوه، فقد اختفت في "الجواكت" في ظروف غامضة!
سلماوى يسجل تاريخ القضية فى قصة حب عاصفة قصة غرام «إيمان» و «عمر» تبدأ بمظاهرة لنصرة غزة 2006 وتنتهى ب...
عاون فاروق حسنى وتولى رئاسة أربعة أجهزة ثقافية كبيرة ألقى الضوء على رواد السريالية ومؤسسى جماعة الفن والحرية فى كتابه...
أصدرت 3 دواوين وتكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر ليس وزنًا وقافية بل أن ترى العالم بعين أكثر انتباهًا حضور المرأة...