«منتصف الشمس» تناولت الجانب الإنسانى للحرب كنت أتعامل مع أدب الجريمة بوصفه كتابة من الدرجة الثانية الكتابة أقرب لعملية الغزل.. والصنايعى الماهر يخفى طرف الخيط
مريم العجمى روائية وقاصة شابة، قدمت كتابة مليئة بالمشاعر، ولغة رشيقة ومعبرة جدا، وحققت روايتها السابقة "صورة مريم" نجاحا لافتا على المستويين النقدى والجماهيرى، ووضعت اسمها بقوة ضمن جيل جديد من الكاتبات الموهوبات، ومؤخرا صدرت روايتها الأحدث "منتصف الشمس"، والتى سبق أن فازت بالمركز الأول فى الرواية بمسابقة المواهب الأدبية للشباب، كما حصلت على عدة جوائز، منها الجائزة المركزية للهيئة العامة لقصور الثقافة عن مجموعتها القصصية الأولى "مصفاة هائلة تحملها الملائكة". عن روايتها الأحدث وعوالمها كان لنا معها هذا الحوار.
ما الدلالة التى قصدتها من عنوان روايتك "منتصف الشمس"؟
الشمس رمز للوضوح والحقيقة فى الكون، لكن النظر لها بشكلٍ مباشر يشوِّش الرؤية، فنستدل على الحقيقة من خلال أثر الشمس، رمية الأشعة على الأشياء، وليس النظر المباشر، وهى تيمة استخدمتها فى العمل، فالراوى يستدل على الحقائق من خلال أثرها، لأنها فى ذاتها مشوشة.
الرواية كانت نتاج عمل ورشة كتابة أدبية، ما تفاصيل هذا المشروع؟
الرواية نتاج ورشة كتابة بعنوان "رواية الجريمة الأدبية" تحت إشراف الروائية منصورة عز الدين، وكنت ضمن سبعة مشاركين فى الورشة، استمر العمل 6 أشهر، مقابلات حية لشهرين، ومواصلة العمل ومتابعته لأربعة أشهر.
الرواية تصنف كأدب جريمة، لماذا اخترتِ هذا النوع؟
كان شرط الالتحاق بالورشة أن تدور أحداث الرواية حول جريمة، لم أكن بالحماسة الكافية لمثل هذا النوع، لكن الكتابة تجربة، واسم منصورة عز الدين مشرفة على الورشة شجعنى على التقديم، والقبول دافع للاستمرار فى التجربة.
لماذا يتعامل النقاد مع أدب الجريمة على أنه أدب من الدرجة الثانية؟
أنا أحد من تعامل مع أدب الجريمة بوصفه كتابة من الدرجة الثانية، لم يتضح لى الفارق بينه وبين الكتابة البوليسية الخفيفة، حتى بدأ العمل على الأفكار، مع مناقشة روايات كتدليل على أدب الجريمة، بداية من رواية "الوعد" لفريدريش دورنمات، وأعتبرها ترسيخا لمفهوم أدب الجريمة، والفارق بينه وبين الكتابة البوليسية، مرورا برواية "قصة موت معلن" لماركيز، ورواية "الغريب" لألبير كامو، ورواية "كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك" لعمارة لخّوص. هذه نماذج غيّرت مفهومى تجاه كتابة الجريمة الأدبية، فهى تمزج الإيقاع السريع المشوِّق للعمل دون التخلى عن عناصر العمل الأدبى، من رسم المكان والشخصيات وخصوصية اللغة. الأمثلة السابقة، وغيرها، ينتفى عنها مفهوم الكتابة الخفيفة، ومعرفة من الجانى وانتصار الحق على الباطل فى النهاية. الخروج عن هذا الإطار الضيق، وتوسيع التجربة، وإضافة عنصر جذب القارئ، مع احترام تفكيره، دون تعالٍ ومباشرة.
تصنيف أدب الجريمة قد يحصر العمل فى إطار محدد كيف تعاملتِ مع القالب؟
الكتابة خروج عن التصنيف، عن الإطارات والقوالب الجاهزة، الجريمة جانب من الجوانب البشرية. منذ بداية الخلق، عرف الإنسان الجريمة والندم ومعاودة الكرّة. نعرف جميعا قتل قابيل لهابيل، لكن الأدب يجعلنا نفكر فى زوجة هابيل، أخت القاتل وزوجة القتيل، هل سترضخ لأخيها، أم ستنتقم لزوجها، ماذا فعلت هذه المسكينة، يجعلنا نعيد التفكير فى جوانب الحكاية، ونضع أبعادا مختلفة، بعيدا عن الأبيض والأسود والغوص فى الرمادية.
الرواية يمكن تصنيفها أيضا ضمن أدب الحرب، فكيف مزجتِ بين نوعين من الأدب؟
الكتابة محاكاة للحياة، والواقع متعدد الأوجه، لا يسير على وتيرة واحدة، ما بين الحرب والحب والجريمة والخيال. لا يشغلنى التصنيف، الحرب أحد جوانب الرواية، أو الحكاية الإطار، وتناولت الحرب من الجانب الإنسانى، القريب للنفس، بعيدا عن الحكايات المكررة والجاهزة. شغلتنى فكرة الحرب بالأساس، وحرب أكتوبر المجيدة أحد روافدى، وأقرب حدث عظيم مررنا به، شغلنى البحث عنها، فلا بيت يخلو من عائد عاصر الحرب، أو شهيد، أسطورتنا الجمعية الخاصة، شغلنى تقديمها من الزمن الحالى.
الرواية، رغم صغر حجمها، بها تداخل أزمنة وتعدد أجيال، فكيف تناولتِ هذا فيها؟
الزمن لا يسير على خط واحد، يمكنك الطواف حول ذكريات الماضى القريب والبعيد، واستعادة حياة الآباء والأجداد، والتخطيط للمستقبل فى ثوان. الزمن نسبى غير ممسوك، ويشكل البناء الفنى للحكاية، كيف تمسك بالحدث ومن أية نقطة تحكى. ولا تنقطع حكاياتنا عن حكايات الأجداد، قد يؤثر فى حياتك حدث مرّ منذ مائة عام، دون أن تدرى، نحن تمرير الماضى للحاضر، وصلته بالمستقبل.
الرواية بها تعدد الرواة، وليس راويا واحدا، كيف كانت رؤيتك لهذا التعدد؟
ما أريده من الكتابة هو أن من يقرأ يصدّق. والأقرب للثقة هو أن يحكى الحدث من عاشه، فكلما كان الراوى أقرب للحدث نصدقه بسهولة. قد يصنع التعدد تشويشا، أو يكوّن نسيجا، فالكتابة أقرب لعملية الغزل، لا تتضح الرسمة قبل النهاية، وبخطوات محددة محسوبة من تضفير الأحداث ومزجها ببعضها، والصنايعى الماهر يخفى طرف الخيط.
ما أهم المراجع التى اعتمدتِ عليها، وتحديدا فى الجزء الخاص بحرب أكتوبر؟
تنوعت المراجع بين كتب عسكرية تناولت الحرب من أعلى، مثل كتاب "أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية" لجمال حمدان، و"حرب أكتوبر دراسة ودروس" محمد فوزى، و"المعارك الحربية على الجبهة" لجمال حماد. وكتب تناولت الجانب الإنسانى للحرب، مثل "عين الصقر" للفنان أحمد نوار، وكتاب "مذكرات جندى مصري" لأحمد حجى. بالإضافة إلى أعمال أدبية تناولت هذه الفترة، مثل "حكايات الغريب" لجمال الغيطانى، و"غضب الغربان" لفؤاد حجازى. مع بعض أحاديث حية لأبطال الحرب سواء فى المعارف أو منصات الفيديو على الإنترنت. بعض الشهادات كانت تنقل الحدث كأنك تراه، كحديث قائد معركة جبل المر اللواء محمد الفاتح كريم، وهو شخص ملهم بفعله وكلامه.
صلوحة، وسبيلة، ومنى، ثلاث نساء تعرضن للعنف والقهر، رغم تفاوت الفترات الزمنية بينهن.. هل العنف واحد أم يختلف عبر العصور؟
العنف والقهر واحد عبر العصور، على اختلاف أشكال ممارسته، قد يتجسد فى ضرب وتعذيب، وقد يكون بنظرة وكلمة أو حتى هجر. العنف ضد المرأة عنف وقهر ضد الإنسانية، ليس شرطا أن من يعنِّف أو يقهر هو الرجل، كثيرا ما تمارس المرأة العنف ضد المرأة، وضد نفسها، بتنازلها وإنكارها لحقوقها.
أعمالك تجسد هموم ومعاناة المرأة، ما الذى يجذبك لهذه المنطقة؟
الكتابة فى الأساس بحث عن الحرية، والحرية لا تفرّق بين رجل وامرأة، كل يبحث عن معناها، هى فكرة إنسانية دون تصنيف، الكتابة عمل بشرى لا يشغله النوع. كونى امرأة، فهذه منطقتى التى أعرف أعانى ما تعانيه، والمعاناة شكل آخر للكتابة، ربما لولا المعاناة ما كتبنا، وفكرة حرية المرأة قُتلت كتابة وتحليلا، الأمر بالنسبة لى لا يتعدى كونه طرح تفاصيل، والحرية هى الأساس للفن والإنسان.
الرواية قدمت الريف المصرى وموروثاته الشعبية، لماذا اخترتِ أن يكون مسرح أحداث الرواية فى الريف؟
الريف نواة المجتمع المصرى، وأصله زراعى وهو مصدر تشكيل الوعى الغالب، والأزمات وما يستقر فى الأذهان من خرافة ووهم يشكل الخدعة الكبرى فى العقول، هذا الخليط لا ينفصل عن هُوية الشخصية فى الرواية والتركيب الدرامى للأحداث.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة