ينظر دوما للإنسان كأنة المخلوق الوحيد الذى يتحدى الفشل ولا نلتفـت إلـى وجود مخلوقات أخرى
الاستسلام يبدأ أولا من أعماق الإنسان وعقله الباطن، وحينما يترجم الأمر إلى الإدراك، يتخذ القرار ويحدد المسار إما نجاح أو فشل، فالأفعال هى مفرزة ما يقره العقل، وهى التى تبشر بصمود يؤدى إلى تقدم أو نقص ذريع يفرغ الأمل.
يختبر الذهب بالنار، ويمتحن الإنسان بالصعاب والتحديات ويمر بمراحل فشل كثيرة، ولعل فى قصة المزارع الهولندى "فان كلويفرت" ما يخبرنا عن كيفية التحدى وعدم الاستسلام، تبدأ القصة حين باع الرجل مزرعته القديمة فى وطنه و اشترى بدلا منها أخرى بجنوب أفريقيا، لكنه فوجئ بأن المزرعة التى اشتراها ما هى إلا وكرا للثعابين الكبرى وغير صالحة للزراعة، لكن "كلويفرت" لم يتملكه الندم أو الإحساس بالحسرة والغضب والحزن والخوف و لم يشعر بالفشل، بل فكر على الفور فى كيفية تحويل خسارته الواضحة إلى مكسب، وبالفعل استخدم الأرض لإنتاج مصنع أمصال مضادة للسموم، وأنقذ ما يقرب من ١٠٠ ألف شخص يموتون يوميا حول العالم من لدغات الثعابين، والفكرة هنا لا تحتاج فى دلالاتها لشرح، فهى تتحدث عن قدرة الإنسان على الانتصار، ولو كان عمق خيبة الأمل كبير جداً.
النحل والنمل والطيور
الاستسلام عجز ويأس يحولان الإنسان الى أسير لعدم الثقة، وبالتالى ينظر دوما للإنسان كأنه المخلوق الوحيد فى الكون الذى يتحدى الفشل أو يشعر به، وقد لا نلتفت إلى وجود مخلوقات أخرى فى الحياة بحاجة إلى النجاح وتحدى الفشل، منها مجتمع النحل مثلا، وهو النموذج الأروع لتحدى الاستسلام، فخلية النحل الواحدة تتكون من ٥٠ ألف نحلة، ولو أذعنت للاستسلام لصارت فوضى عارمة، لكنها لا تستكين، وبدقة متناهية تعمل وتتكاثر وتنتج، وهو ما ينطبق بشكل آخر على مجتمع النمل الذى لا ينتج مثل النحل لكنه يعمل طوال الوقت بدأب لجمع غذائه وتخزينه وإخفائه عن العيون، والطيور التى تطير من مكان لمكان كذلك بحثا عن الأمان والغذاء وتجهيز الأعشاش لفراخها، ولو ملت هذه الكائنات أو ركنت لليأس لانقرضت هذه الجموع الغفيرة على الفور.
السؤال: كيف تواجه الكائنات غير الإنسان اليأس؟
إن الإحساس بالفشل يبدأ فى الإنسان المميز بالعقل دون غيره، حيث يتجه عقب كل فشل أو بعد محاولات يائسة إلى الاستسلام، وكأن فشله هو نهاية العالم.
الراية البيضاء
الاستسلام هو لفظ دال على حالة سلمية لوقف نزيف خسارة ما متتالية، وهذه الحالة يرمز لها بجملة واحدة هى "رفع الراية البيضاء"، وفى الحقيقة أصبح رفع هذه الراية بذلك المعنى الدلالى عرف أتبع منذ القدم، وذلك بعد حروب كثيرة مرت بها الحضارات القديمة، لكن المؤرخ "تاسيتس" يؤكد أن الرومان كانوا أول من استخدم هذا الرمز عام ١٠٩م، عند استسلامهم عقب حرب مع عدة دول مجاورة، وكان قبل ذلك ترفع الدروع فوق الرؤوس للدلالة على معنى الاستسلام.
أما فى القرون الوسطى بأوروبا فكان اللون الأبيض قد استخدم عموما للإشارة إلى أن شخص ما معفى من القتال، وكانت طلائع الفرق العسكرية المستسلمة تحمل الصولجانات ذات اللون الأبيض، كما أن الأسرى كانوا يميزون بإرفاق ورقة بيضاء أعلى قبعاتهم أو خوذاتهم العسكرية، أما الحاميات التى تستسلم فى مياه فكانت توعد بالمرور من جهة إلى جهة بعد أن تحمل هراوات بيضاء دليل على نهاية القتال والاستسلام، وهكذا أصبح الاستسلام مرتبطا باللون الأبيض ورفع ما يؤكد ذلك، وبات الاستسلام من يومها يعرف بقبول الأمر الواقع، رغم عدم اليقين بأنه الحل المرضى للنفس البشرية، كما عنى التخلى عما يملكه الإنسان أو يسيطر عليه ويتحكم به، ومن ناحية عسكرية يعرف الجنود المستسلمون، سواء طواعية أو بأوامر من قياداتهم، بأسرى حرب الاستسلام، وذلك بالمفهوم السياسى والعسكري، لكن على الرغم من ذلك يظل الاستسلام فى أحوال كثيرة حلا لتجنب مزيد من العواقب الوخيمة الأكثر قسوة التى قد تصنع تأزما لا يمكن تحمل وزره.
الاستسلام النفسى
"الاستسلام النفسى" هو أقوى المشاعر النفسية قسوة على الإنسان، فهو الذى يعنى على الفور عدم القدرة على التقين من الحاضر والمستقبل معا، كما أنه دليل على انخفاض الروح المعنوية التى تؤدى لعدم التركيز حتى على وضع خطط جديدة أو بديلة، سواء بشكل تكتيكى أو استراتيجي، ومن ثم لا بد أن يعترى الإنسان بعد ذلك عدد من الانفعالات السلبية، مثل الشك والإحباط والخوف واليأس والإحساس بالعجز والحزن والغضب والخدر ونقص الهمة، وجميعها أحاسيس تضعف البنية الجسدية، كما ضعفت الحالة النفسية، حتى تؤدى فى النهاية إلى أعراض نفسجسمية لا يمكن تخطيها.
طاقة التسليم
قوة فكرة الاستسلام و تأثيرها سابق الذكر على النفس والروح والجسد، أصبحت مفهوما عميقا يدعونا للأسف إلى التنازل فى لحظة ما مريرة عن أفكارنا ومشاعرنا وخططنا وأحلامنا وطموحنا والاعتراف بأن ليس فى الامكان أحسن مما كان، لكن جميع الأديان والشرائع السماوية تخبرنا أن فى نفس لحظة هذا الاعتراف الأخير بعدم قدرة الإنسان على الاستمرار فى طريق أراده بقوة إنما ينم فى الحقيقة على الاعتراف بقوة مشيئة الله التى تتفوق حتما على مرادنا الشخصى، فالاستسلام من المنظور الدينى ليس له هذه الدلالة على الضعف بل هو تجديد فى أحلك الظروف ينطلق من الثقة بالخالق وحكمته، ففى إنجيل لوقا ٢٣- ٩ يتحدث السيد المسيح مباشرة لتلاميذه عن فكرة الاستسلام وجوهرها قائلاً: "من أراد أن يكون تلميذى فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعنى"، وهنا قد تكشف تلك الكلمات القليلة على أن الاستسلام ليس فكرة تأتى فى العمر مرة، بل هو تحد نواجهه كل يوم و التزام مستمر بوضع كل ما نريد من رغبات تحت إرادة الله، فالخالق لديه الصورة دوما كاملة عن الماضى والحاضر والمستقبل، وهى صورة بالتالى غير منقوصة، وهو يعلم المعلوم والغيبى وأسبابه فى المنع والمنح، ولا بد أنها أمور مصممة لخير الإنسان، ولو لم يكن العبد متأكدا من ذلك، ومن ناحية أخرى، ورجوعا لمعنى التخلى فى حقيقة الاستسلام، يجب علينا محاولة السيطرة على كل التفاصيل بصورة كاملة وتامة ومثالية والسماح هنا للذات العليا بإرشادنا، فنحن لا نعلم جميع الحقائق ولا نملك جميع الأدوات، ومن هذا المنظور يحتاج الإنسان إلى خطوة شجاعة وإرادة قوية تدل على فرط الإيمان بالقضاء والقدر، وهذا ما ينزل عن كاهلنا كبشر عبء محاولة تنظيم كل جانب من جوانب حياتنا مهما حاولنا وذلك ثقة فى الله كخير مرشد.
النفس الطويل
يعنى الاستسلام لدى الكثيرين أن نفس الإنسان قصير فى مواجهة المصاعب، بينما النجاح يحتاج بالطبع إلى إتباع سياسة النفس الطويل، وهو ما يقصد به تماما الصبر مع الإيمان والجزم بأن الزمن كفيل بإصلاح بعض الأمور، لذلك يقال إن الصبر لغة الأقوياء، حيث يقول الحكيم لقمان لابنه فى سورة لقمان بالقرآن الكريم: "يا بنى أقم الصلاة وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك فإن ذلك من عزم الأمور"، لأن الصبر ليس طريقا سهلا، والجميع يشكو من قلة الصبر، لذلك يقول المولى فى محكم آياته "إن الإنسان ولد هلوعا إذا مسه الشر جزوعا"، وهو أمر طبيعى جدا لأن الإنسان كائن لا يعلم الغيب ولا كيف وأين ومتى يأتيه الخير، لكن لكل إنسان ما سعى، وأن سعيه سوف يرى فيجزى عنه.
قال "جيريمى جودوين" أستاذ أبحاث الجودة العليا للنفس فى حلقته البحثية ببود كاست التى خصصها للحديث عن الاستسلام: إن أبسط تعريف للاستسلام يأتى من قاموس أكسفورد، وهو التوقف عن المقاومة، أو ببساطة التصالح مع ما لا يمكن تغييره والسيطرة عليه، لذلك فالحديث هنا عن مقاومة التأثير القوى للأشياء علينا بامتلاكها، هو واحد من أكثر الأمور شيوعا، ويسهم بلا أدنى شك فى معاناة البشر فى كل لحظة بالعمر، وربما نقصد بالأشياء كل ما هو خارج عن سيطرة الإنسان بشكل مباشر باستثناء ما يختاره بنفسه من قول أو فعل، وهذا ما سيقودنا إلى ما نعنيه بكلمة الاستسلام، وهى عكس ما يتصوره العامة من أنه مجرد وقف قتال بشكل دائم ومستمر، وذلك لأن موضوع القتال طويل الأمد للحصول على ما نريد فى كل الاتجاهات أمر صعب المنال، وهنا يجب أن نبرز بطاقة مكتوب عليها "اختر معاركك".
إذا كنت قد استنفدت كل طاقتك ووقتك وجهدك ومالك، ومع ذلك لم يتغير الأمر، فإن الاستمرار فى هذا الطريق هو استنفاد لما تمتلكه، ولن يؤدى هذا الاستمرار إلا فقط إرهاق النفس فى التمنى دون جدوى، لذلك فتحويل التركيز على ما فى اليد أو شيء آخر يمكن أن تمتلكه بدون كل هذا العناء أمر جيد، إننا نشعر أن بإمكاننا دوما التحكم فى جميع الأشياء من حولنا، بل ونسعى إلى هذا التحكم، لكن الأمر قد يحتاج أحيانا للنظرة الواقعية، وهنا يلعب الاستسلام دورا هاما فى حياتنا، حيث يعمل على إدراك ضرورة التوقف فى الوقت المناسب عن مواصلة التمني، مما يقلل الشعور بهذا اللهاث ويقود إلى مزيد من راحة البال، ويقلل التوتر والشحن المستمر، كما يمنحنا فى ذات الوقت القدرة على الصمود فى مواجهة ما يمكن أن نفعله فى أمر آخر نحصل عليه، وبالتالى الاستسلام فى هذه الحالة قوة وليس ضعفا، وقد يساعدنا على حل بعض المشكلات التى لم نكن نفكر بها، فالاستسلام أحيانا يكون شكلا من أشكال العناية بالذات، ونيل قسط من الراحة، فيقال عن هذه الحالة "استراحة محارب"، كما أن الاستسلام من ناحية أخرى يجعلنا نلتفت الى أخطاء معينة فى حياتنا، وطريقة لتغيير أفكارنا أو تجديدها وتطوريها للأفضل، لذلك يجب التفكير دائما فى فاتورة أو سعر المقاومة، وهل هو أمر يستحق التضحية؟، ويجب قبول الأمر الواقع بعين الاعتبار، فلا انتصار دائم ولا هزيمة دائمة، وهذا يعنى أن نتخلص بشكل فورى عن رفع سقف التوقعات، فبعض الإحصائيات قد تكون خاطئة، وأخيرا الاستسلام فى بعض المشكلات قد يضعنا أمام فكرة هامة، وهى التواضع والتسامح مع النفس والبعد عن جلدها بالندم والحسرة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد