الصهيونية والرياضة..أولمبياد اليهود (2)- ماكس نوردو.. ونظرية العضل الصهيوني

نوردو: «اليهودي القوي خير وأفضل عند الصهيونية من اليهودي الضعيف»!

كان جابرييل سودفيلد أحد حاخامات اليهود الفقراء في مدينة بروسيا الألمانية، لكنه قرر أن يرتحل إلى مدينة بودابست المجرية بحثا عن فرصة عمل جديدة يزيد بها من دخله، وعمل مدرسا بإحدى مدارس العاصمة المجرية. وفي التاسع والعشرين من شهر يوليو أنجب هذا الحاخام أو المدرس ولدا سماه ماكس نوردو، وحاول أن يلقن ابنه هذا تعاليم التوراة ومبادئ التلمود، لكن الفشل كان حليفا لهذا الحاخام في تحقيق حلمه بتنشئة ابنه تنشئة دينية يهودية، وأصبح «باب النجار (أو الحاخام سودفيلد) مخلع»، وذلك لأن هذا الولد (ماكس) لم يرث من والده إلا حب الشعر وعشق الأدب، أما التعمق في دراسة الدين فلم يكن له منه أي نصيب، حيث قام بعد ذلك بدراسة الطب.

والتحق بالعمل كطبيب وجراح عسكري في الجيش المجري، لكن عشقه القديم للأدب جعله يترك العمل في الجيش ويتجه للعمل بالصحافة والكتابة المسرحية، وعمل مراسلا لإحدى الوكالات الصحافية الألمانية في فرنسا، وتقابل في هذه الأثناء مع زميل صحافي وكاتب مسرحي مجري الجنسية ونمساوي الأصل يدعى تيودور هرتزل، حيث نشأت بينهما صداقة متينة قامت على أكثر من قاسم ثقافي وأيديولوجي مشترك بينهما.. حيث كان «الشابان» هرتزل ونوردو يتفقان في الرأي في كثير من القضايا، التي كان في مقدمتها ضرورة الاستفادة من العداء الطبيعي لليهود في كل المجتمعات التي يعيشون فيها، وتحويل هذا العداء إلى طاقة دفع بخارية جبارة تدفع قاطرة اليهود في العالم أجمع لإنشاء وطن قومي لهم، ولم يكن هذا التفكير المشترك بين نوردو وهرتزل سببه إيمانهما بتعاليم التوراة أو اتباعهما لسنة نبي الله موسى أو أحد أنبياء بني إسرائيل، حيث كان الاثنان يتفقان على الإلحاد والكفر بالتوراة والتعاليم الموسوية، وكان نوردو يقول عن نفسه: «عندما بلغت الخامسة عشرة من عمري تركت دراسة التوراة وتعاليمها، وظلت هذه الدراسات عالقة في ذهني كمجرد ذكرى، ومنذ ذلك الحين وأنا أشعر دائما بأنني لست يهوديا، وأنني مجرد مواطن ألماني فقط»، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن كتاب صديقه هرتزل «الدولة اليهودية» يجب أن يحل محل توراة موسى لدى الشعب الإسرائيلي في يوم من الأيام!

عبد الوهاب المسيري

وتقول المصادر الصهيونية إن الشابين هرتزل ونوردو لم يجدا بدا من اللجوء للحل الصهيوني لإقامة دولة لليهود، وذلك بعد وقوع حادثة درايفوس، وهي الحادثة التي اتهم فيها ضابط يهودي من أصل ألماني في هيئة الأركان الفرنسية بتهمة الخيانة العظمى للجيش الفرنسي، حيث اتهم بتسريب رسوم وتصميمات لمدفع فرنسي جديد إلى الملحق العسكري الألماني في باريس. ويرى الدكتور عبد الوهاب المسيري، في موسوعته عن «اليهود واليهودية والصهيونية»، إنه قد ثبت عن هرتزل أنه كان مقتنعا بضلوع الضابط اليهودي درايفوس في هذه الجريمة الشنعاء، وإنه لم يصدق أنه بريء من تهمة الخيانة، لكنه سرعان ما غير رأيه هو وصديقه المقرب نوردو وركبا موجة الدفاع عن درايفوس مثلهما في ذلك مثل كل المثقفين والأدباء اليهود الذين تزعمهم الكاتب اليهودي الشهير إميل زولا، وظهرت ولأول مرة قوة الآلة الإعلامية اليهودية في أوروبا، والتي أجبرت السلطات الفرنسية على فتح باب التحقيق من جديد مع الضابط الخائن الذي كان قد حكم عليه بالنفي إلى «جزيرة الشيطان» (Devil Island) في الساحل الأفريقي، وتمت إعادة محاكمته من جديد أمام إحدى محاكم الاستئناف، والتي برأته من تهمته في عام 1906.

وقرر الثنائي هرتزل ونوردو استثمار بزوغ قوة اليهود في أوروبا، وازدياد موجات الكراهية لهم في كل أنحاء العالم، وتم عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية في عام 1897، وذلك بعد أن رفضت الحاخاميات اليهودية في ألمانيا عقد هذا المؤتمر في مدينة ميونيخ الألمانية، وذلك خوفا من ازدياد حملات الكراهية لليهود في أوروبا، ولعدم اقتناع المؤسسة الدينية اليهودية في ألمانيا بنوايا هرتزل وصحبه من المروجين للأفكار الصهيونية. ووقف هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول يدعو لوضع حجر الأساس لوطن قومي لليهود.

وفي المؤتمر الثاني في مدينة بازل أيضا في العام التالي (1898)، بزغ نجم ماكس نوردو صديق هرتزل المقرب، والذي حاول بدءا من هذا المؤتمر ترجمة أفكار هرتزل إلى خطوات عملية لإقامة وطن صهيوني، وعرض نوردو على المؤتمر تقريرا حول «حادثة درايفوس» باعتبارها تمثل نموذجا صارخا لكراهية اليهود في العالم وتعرضهم الدائم للاضطهاد حتى في دول أوروبا الغربية الليبرالية، ونفخ نوردو في نيران التعصب الصهيوني في هذا المؤتمر، ولم يخف رأيه في حتمية نشوء قوة يهودية جديدة تعتمد على حيوية الشباب اليافع المشبع بالروح الصهيونية. وقد وقع اختيار نوردو على الشباب لبث روح التعصب الصهيونية العمياء فيهم ونشر دعوتها العالمية لإقامة وطن قوي لليهود، لأن هؤلاء الشباب لم يرتبطوا بأرض الشتات بالقدر الذي عاشه آباؤهم فيها، حيث عاش أغلبهم في بلدان أخرى وتطبعوا بطباع أهلها وأصبحوا مواطنين فيها يتمتعون بكل حقوق المواطنة مثلهم مثل أي مواطنين عاديين يدينون بديانة أخرى غير اليهودية، كما أن هؤلاء الشباب من السهل إثارة النزعات العصبية والنعرات الدينية والقبلية بينهم. ولم ير ماكس نوردو أفضل من الرياضة لإثارة همم وعزائم هؤلاء الشباب وتقويتهم وبث روح المنافسة بينهم، وبدأ يردد في المؤتمر الصهيوني الثاني لفكرته أو لنظريته التي أطلق عليها نظرية «العضل اليهودي»، وهو عضل ذلك الشباب الذي يجب أن يتم تقويته بشكل كبير لتحمل أعباء الحروب التي توقع نوردو أن يخوضها الشباب الصهيوني لإقامة وطن قومي لهم. وروج نوردو لنظريته التي تقول إن «اليهودي القوي خير وأفضل عند الحركة الصهيونية من اليهودي الضعيف!»، وذلك لأكثر من سبب، حيث إن ذلك الشاب اليهودي الرياضي سيتسلح بسلاح اللياقة البدنية العالية التي ستعينه على تحمل مشاق الانتقال إلى وطن جديد وانتزاع أرضه من أهله الأصليين، كما أن الرياضة ستغذي بداخله مشاعر الانتماء إلى دولة اليهود أو الكيان الصهيوني الجديد وستخرج بطاقاته الكامنة من «الجيتو» المحبوس فيه إلى عالم المنافسة الرياضية تحت علم مرسوم عليه «نجمة داود».

وسارع نوردو محاولا ترجمة فكرته أو نظريته عن العضل اليهودي إلى واقع ملموس، وذلك من خلال أحد أصدقائه، وهو خبير رياضة الجمباز العالمي اليهودي الديانة والصهيوني الهوى ميروسلاف تيريس (1832 - 1884)، وهو رائد المدرسة التشيكية في رياضة الجمباز لتدريب الشباب اليهودي والعمل على تأسيس عدد من الأندية الرياضية لشباب الحركة الصهيونية. ومن المعروف أن الأنشطة الجمبازية دائما ما يكون لها توجهان، الأول تربوي وصحي، والثاني تنافسي ورياضي.. أما الهدف الأول فسيدعم البناء الجسدي للشباب الصهيوني، وأما الثاني فسيحول طاقة هذا الجسد الصهيوني القوي إلى إضافة حقيقية في محرك القاطرة الصهيونية المتجهة إلى تحقيق حلمها بانتزاع وطن قومي لليهود من أيدي أصحابه، وبالطبع ستكون لغة القوة البدنية إحدى اللغات التي يجب على الشباب الصهيوني إجادتها في سبيل تحقيق حلم إقامة الدولة.

الصهيونية والرياضة أولمبياد اليهود

وبعد وفاة هرتزل في الثالث من يوليو عام 1904 ورث نوردو رئاسة المؤتمر الصهيوني، الذي ترأس دورته السابعة في عام 1905، ثم عاد ليترأس الدورة الثامنة منه في عام 1907، وفي هذه الدورة عادت المطالبة من جديد بالاهتمام بالحركة الرياضية الصهيونية وضرورة تبني ودعم نظرية «العضل اليهودي». وجاء في هذا المؤتمر أن الوقت قد حان لتكريس اهتمام الحركة بترجمة العلاقة بين الصهيونية والرياضة إلى واقع ملموس يتمثل في دعم الأندية الصهيونية وتنظيم البطولات الرياضية بين الشباب الصهيوني.. وبدأت تظهر على السطح الصهيوني أندية المكابي.

أحمد السباعى

أحمد السباعى

رئيس تحرير الموقع الرسمى للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...