البحث عن الهوية المفقودة فى روايات الطيب صالح

كانت روايات الروائى السودانى الكبير الطيب صالح موضوعا لرسالة ماجستير جرت مناقشتها، الأسبوع الماضى،

 فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، فقد حصلت الباحثة أمل السيد حلمى على درجة الماجستير بتقدير ممتاز عن رسالتها "تمثلات الراوى والمروى له فى روايات الطيب صالح"، وتكونت لجنة المناقشة من الدكتور خيرى دومة مشرفا ورئيسا، والدكتور محمود عبد الغفار مشرفا مشاركا، والدكتور شريف الجيار مناقشا، والدكتور أحمد عمار مناقشا. وقد اختارت الباحثة الكاتب السودانى الراحل "الطَّيِّب صَالِح"؛ لتكونَ أعمالُه الروائيَّة مَجَالًا تَطبيقيًّا لدراسة الرَّاوِى والمَرْوى له؛ محاولةً أن تجعلَ العَلاقَة بين الرَّاوِى والمَرْوى له مَدخلًا جديدًا مِن مَداخل التحليل السَّرْدى لروايات ذلك الكاتب الكبير.

تناولت الدراسة العلاقة بين الراوى والمَرْوى له فى أعمال الطيب صالح، بوصفِه مَدخلًا جديدًا مِن مَداخل التحليل السَّرْدى لرواياته؛ وركزت على أربع روايات، هى: "عُرس الزين"، و"مَوسم الهِجرة إلى الشَّمال"، و"بَندرشاه (ضو البيت)"،  و"بَندرشاه (مريود)"؛ لأنها تمثلُ عالمًا واحدًا.

هدفت الدراسة إلى الكشف عن خصوصية الراوى فى تلك الروايات، واكتشاف العَلاقَة بينه وبين والمَرْوى له فى الروايات، ومَعرفة تَأثير اختيار الرَّاوِى لزاوية رؤية بعينها فى استجابة المَرْوى له فى العمل، معتمدة على مَنهج البنيويَّة الشكليَّة فى كَشف العَلاقَة بين الرَّاوِى والمَرْوى له فى الروايات، مَع الاستعانة بمقولات عِلم السَّرْد التى صَاغَها الشَّكلانِيُّون والبِنيَويُّون.

اشتملت الدراسة على أربعة فصول، الفصل الأول: وهو بمثابة "المدخل النظرى" للدراسة، حاولت أن أعرض تعريفات النقاد لمصطلح" الراوي"؛ فالراوى هو المسئول عن الكيفيَّة التى يُقدِّم بها الخطابَ السردى؛ ومن هنا ظهرت أهمية دراسة الراوى كونه أحدَ مكونات الخطاب السردى، الذى يُسْهِمُ فى تشكيل بنية الخطاب الروائى، وقد تعدَّدت تعريفات النقاد للراوي، ورغم تعدد هذه التعريفات؛ فإنَّها لم تكد تختلف كثيرًا حول طبيعة هذه الماهية.

كما تناولت الدراسة مصطلحَ" الرؤية السردية" وعلاقتَها بالراوي، وقامت الدراسة بتتبع تطوره والتركيز على أهم التطوراتِ التى أصابت هذا المصطلح؛ فهذا المفهوم يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بأحدِ أهم مكونات الخطاب السردى وهو الراوى.

أما الدراسة التطبيقيَّة؛ فقد جاءت فى الثلاثة فصول التالية، وركز الفصل الثانى "الراوى والخطاب الروائى" على أربعة محاور رئيسية، هي: "الراوى الغائب وسَطوة الحكي" و"الراوى الشاهد وتَطور الوعى" و"الراوى المشارك وانشطار الذات" و"خصوصية الراوى عند الطيب صالح"، وأوضح هذا الفصل أبرزَ التحولات التى طرأتْ على هيئة الراوى عند الروائى الراحل، والتى ارتبطتْ بتحولات الوعى عنده.

وأوضحت الباحثة فى هذا الفصل أبرزَ التحولات التى طرأتْ على هيئة الراوى عند الطيب صالح، والتى ارتبطتْ بتحولات الوعى عند الطيب صالح، وهى..

- تعددت أنماط الرواة عند الطيب صالح، بين الراوى الغائب، والراوى الشاهد، والراوى المشارك، هذه الأنواع الثلاثة تتفاوت فى درجة علم الراوى؛ فالراوى فى رواية "عرس الزين" هو راوٍ غائبٌ كليُّ المعرفة، ثم قلَّت المعرفة أكثر حتى أصبحتْ معرفة الراوى مساويةً مع معرفة الشخصيات كما فى روايتى "بندر شاه" بجزأيها "ضو البيت ومريود"؛ أما فى رواية "موسم الهجرة" أصبحتْ معرفةُ الراوى أقلَّ من معرفة الشخصيات.

- تحولات الراوى ارتبطَت بتحولات وعى الكاتب بالعالم؛ حَيْثُ ظهر الراوى العليم الواثق بكلِّ شىء والذى يفرض أحكامَه وآراءه على المَرْوى له، فى أولى روايات الطيب صالح، وهى رواية عرس الزين، ثم انتقل إلى الراوى الشَّاهد الذى يكتفى بمراقبة العالم المتخيَّل وأعطى فرصة للشخصيات للتحدُّث عن نفسها، والذى ظهر فى رواية موسم الهجرة، ثم وصل إلى الراوى المشارك الذى يُعانى من انشطار الذات، ويبحَث عن هويته المفقودة من خلال البحث فى الماضى.

- ورغم تَعدد الرواة عند الطيب صالح؛ فإنَّها لم تخرج عن إطار الراوى المفرد، صاحب الصوت المُهيمن على السَّرد، الذى يَنفرد بالحَكى دون سائر الشخصيات؛ فجاءت الروايات منظورة من زاوية واحدة – فقط - هى زاوية الراوى، والذى يُقدم العالم الروائى من جانب واحد، ذلك الجانب الذى يُصوره الراوى ويلقى عليه الضوء، ولم نجدْ فى أعمال الطيب صالح الراوى المتعدد صاحب "الأصوات المتعددة" أو "الديالوجى"، الذى يقدم الحقيقة من كل جوانبها.

أما الفصل الثالث: "الراوى والزمان الروائى"، فقد انشغل بدراسة ثلاثة محاور رئيسة، هى: "الراوى الغائب والزمان الروائى" و"الراوى الشاهد والزمان الروائى" و"الراوى المشارك والزمان الروائى"، وركزت على كشف العلاقة بين الراوى والزمن الروائى داخل الروايات، وذلك من خلال دراسة الترتيب الزمنى للحكاية، والمفارقات الزمنية.

وخلص هذا الفصل إلى أن اتجاه السرد مع الراوى الغائب يأخذ الاتجاه التتابعى للأحداث، وتُعدُّ من أهم خصائص السرد الذى يتبع النظام التتابعى فى سرد الأحداث، والذى يخضع لمنطق السببية؛ حَيْثُ يكون السابق سببًا للَّاحق، ويكون اللاحق نتيجة لما سبقه؛ ممَّا يضفى نوعًا من التماسك بين مكونات السرد، وهذا النظام من أبسط أشكال القصص التقليدى.

كما توصل هذا الفصل إلى أن البنية السردية مع الراوى الشاهد جاءت قائمة على الاسترجاعات التى تتم داخل وعى الشخصية محور السرد، وليس على تطور الأحداث داخل السرد؛ حَيْثُ يعتمد السرد على الزمن النفسِى وتداعى الأفكار داخل وعْى الشخصية، ويحلُّ الزمن النفسى محلَّ زمن الأحداث، ويصبح ما يتداعَى داخل وعى الشخصية هو المُحرِّك الأساسى للسرد وليس تطور الأحداث؛ فالسرد يُبْنَى وفقًا لمنطق التداعى النفسِي؛ حَيْثُ تتناثر المادة الحكائيَّة فى الزمان، وتستعادُ من خلال رواة يلتقطونَ بعض أجزاء السرد، ولا تتضح مكونات السرد كاملة؛ إلا بعد أن يُعاد ترتيبُها فى ذهن المَرْوى له من جديد.

وأكدت الباحثة فى هذا الفصل أن البنية السردية مع الراوى المشارك لا تخضع للإحكام السردى والتماسك الروائى والعقلاني، فلم تَعد الرواية محكومةً بالمنطقِ السببى والتتابع المنطقى للأحداث، كما هو متعارف عليه فى الرواية التقليدية؛ حَيْثُ يأخذ السرد الاتجاه التتابعي، وتُرتَّبُ فيه الأحداث تبعًا لمنطق حدوثِها فى الواقع المتخيَّل؛ وإنَّما تتبع "نظام التداخل" حَيْثُ يُبنَى السَّرد فيه على نحو تتناثر فيه مكونات السَّرد فى الزمان، ثم يقومُ المَرْوى له بإعادة تنظيمِها وترتيبِها مرة أخرى؛ فالحدثُ السابقُ لا يكون سببًا للَّاحق؛ إنَّما يجاوره؛ فالوقائع تأتى متجاورةً فى السَّرد، ويقصر زمن السرد عن زمن الأحداث.

فى حين ركز الفصل الرابع "المَرْوى له فى روايات الطيب صالح"، على كشف العلاقة بين الراوى والمَرْوى له فى الروايات، وتحديد التِّقنيَّات التى يَستخدمُها الراوى فى التأثير فى المَرْوى له، وتحديد علامات المَرْوى له داخل السرد.

وتوصل هذا الفصل إلى أن الراوى فى رواية "عرس الزين" كان حريصًا على جذب انتباه المَرْوى له؛ فاستخدم العديد من الأساليب لجذب الانتباه، وقد قدَّم الراوى رؤيتَين داخل الرواية، رؤية حضارية تنتمى لراوٍ، ورؤية أخرى مغايرة تعتمد على تفسير الظواهر بطريقة غيبية، وكان الراوى حريصًا على توجيه السرد ونقل رؤيته الحضارية للمَرْوِى له، كما كان حريصًا على نقل الحياة الاجتماعية للقرية للمَرْوِى له، وما تَحتوى عليه من حبٍّ وعطفٍ وتعاونٍ.

وأوضحت الباحثة أن الراوى فى رواية "موسم الهجرة"، فقد اتَّخذ الراوى من المَرْوى له شريكًا له فى البحث عن شخصية مصطفى سعيد، وإشراكه فى رحلة البحث، وتقديم كل المعلومات التى يحتاج إليها المَرْوى له للوصول معًا لحقيقة مصطفى سعيد، وقد جاء صوت الراوى الشاهد ضعيفًا فى الرواية، مقارنة بصوت الراوى الغائب الذى يهيمنُ على السرد، وكان الراوى حريصًا على إمداده بالمعلومات التى تُساعِده على اكتشاف هذه الشخصية، كونه شريكًا له فى رحلة البحث.

أما الراوى فى روايتى "بندر شاه" فأصبح -حسب الباحثة- أكثر وعيًا وعلمًا، فلم يَعد يهتم بتصديق المَرْوى له للسرد أم لا؛ بل كل ما يَهتم به هو نقل العالم المسرود بكل ما فيه من تناقضات وتغيُّرات، وما تتميز به القرية عالم البسطاء من الجمع بين الواقعيَّة والخيال، كما قلَّ مع الراوى التقنيَّات التى يقدِّمها تفسيرًا للعالم المسرود.

وانتهت الدراسة إلى عددٍ من النتائج، وهى:

1- تعدد أنماط الرواة عند الطيب صالح، بين الراوى الغائب، والراوى الشاهد، والراوى المشارك، هذه الأنواع الثلاثة تتفاوت فى درجة علم الراوى.

2- أنماط الرواة ارتبطَت بتحولات وعى الكاتب بالعالم؛ حَيْثُ ظهر الراوى العليم الواثق بكلِّ شيء والذى يفرض أحكامَه وآراءه على المَرْوى له، فى أولى روايات الطيب صالح، وهى رواية عرس الزين، ثم انتقل إلى الراوى الشَّاهد الذى يكتفى بمراقبة العالم المتخيَّل وأعطى فرصة للشخصيات للتحدُّث عن نفسها، والذى ظهر فى رواية موسم الهجرة، ثم وصل إلى الراوى المشارك الذى يُعانى من انشطار الذات، ويبحَث عن هويتِه المفقودة من خلال البحث فى الماضي.

3- ورغم تَعدد الرواة عند الطيب صالح؛ إلا أنَّها لم تخرج عن إطار الراوى المفرد، صاحب الصوت المُهيمن على السَّرد، ؛ ولم نجدْ فى تلك الراويات الراوى المتعدد صاحب "الأصوات المتعددة".

4- إن اتجاه السرد مع الراوى الغائب يأخذ الاتجاه التتابعى للأحداث، وجاءت البنية السردية مع الراوى الشاهد قائمة على الاسترجاعات التى تتم داخل وعى الشخصية محور السرد، وليس على تطور الأحداث داخل السرد؛  أما البنية السردية مع الراوى المشارك فهى لا تخضع للإحكام السردى والتماسك الروائي، فلم تَعد الرواية محكومةً بالمنطقِ السببى والتتابع المنطقى للأحداث، وإنَّما تتبع "نظام التداخل".

5- تراجع زمن الحاضر لصالح الماضِى فى روايات الطيب صالح؛ فالحاضر السردى فى الروايات لا يتعدَّى إلا مَشاهد قليلة جدًّا، مقارنة بالماضِى الذى يطغَى عليه.

6- المقاطع الوصفيَّة قليلة جدًّا فى الروايات؛ حَيْثُ قام المؤلف بالاحتفاظ بالشخصيات وامتداد حضورِها فى الروايات؛ ممَّا جعل هذه الشخصيات معروفةً لدى المَرْويّ له، ولا حاجة للتذكير بها.

لقد حاولت الدراسة إظهار الجديد فى الروايات الأربعة التى درستها الباحثة، وقد استعانت الباحثةُ بالمنهج الشكلِى البنيوى لتلقِى الضوءَ على ما خفِى من جوانب شخصية الراوى والمَرْوى له فى هذه الروايات التى درستها الباحثة، وعلى الرغم من تَعدد الدراسات التى تعرَّضت لتحليل روايات الطيب صالح؛ فإنَّ ما توصَّلَت إليه الباحثة يعدُّ جديدًا من حَيْثُ دراسة العلاقة المقصودة بين الراوى والمَرْوى له، وهى محاولةٌ جديدةٌ لإعادة قراءة روايات الطيب صالح من منظورٍ جديدٍ لم يتطرَّق إليه الدارسونَ من قبلُ عند تناولهم لأعمال الطيب صالح.

Katen Doe

عمر شهريار

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

"وجوه على الطريق".. مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل

صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص