كان الفنان التشكيلى الراحل "خلف طايع حسين طايع" يشغل موقع "المدير الفنى" لمجلة الإذاعة والتليفزيون، وهى وظيفة مهمة وضرورية،
يحبها القارئ ولا يعرف دورها، هى الوظيفة التى لا يقوم بها إلا الفنانون، الذين يمتلكون الحس المرهف، فيجعلون الصور والكلام والبياض والرسوم تصنع بهجة يشعر بها القارئ وهو جالس فى المقهى أو فى البيت يتصفح المجلة أو الجريدة، وكان "خلف طايع" رساماً، يرسم البورتريه باقتدار، فهو تلميذ الفنان الراحل "كامل مصطفى" الذى شغل موقع عميد كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية، وكان الكاتب الكبير "أحمد بهجت" هو من استدعى "خلف" ليعمل فى المجلة، وكان الكاتب الراحل رئيسًا لمجلس الإدارة ورئيسًا للتحرير، فأصدر قراره بأن يُعيَّن "خلف طايع" رساماً ومديراً فنياً للمجلة.
فى هذه الأيام يشاهد عشاق الفن التشكيلى ومحبو أعمال الفنان الراحل دكتور خلف طايع أعماله فى معرض أقيم فى حى الزمالك بالقاهرة، بجهود السيدة "نادية" أرملة الفنان الراحل، وولديه الفنان الشاب "أحمد خلف طايع" رسام الكاريكاتير فى "اليوم السابع"، والصحفى "رامى خلف طايع"، وهذا هو الوفاء العظيم، فالرجل منذ أن رحل عن الدنيا وأسرته تسعى لإبقاء ذكره على ألسنة الناس، ونحن هنا فى مجلة الإذاعة والتليفزيون، كنا محظوظين بأن اقتربنا من الفنان الراحل، وجمعتنا به المواقف فى سنوات مضت، وعاش الرجل ومات، وبقيت ذكراه طيبة عطرة فى عقولنا وقلوبنا بما قدمه لنا من عطف صادق ومساعدة فى وقت كنا فيه نحتاج للمساعدة والدعم، ولى مع الفنان الراحل حكايات ومواقف طيبة، شاهدة على كرمه ونبل أخلاقه وهأنذا أحكى لكم ما تيسر منها.
«1»
جئت من "كوم العرب" قريتى التى تتبع مركز"طِمَا" فى محافظة "سوهاج"، وسعيت للحاق بعمل صحفى، طرقت باب مجلة "صباح الخير" وفى جيبى "كارت توصية" من الصحفى القناوى "محمود حامد" موجَّه إلى "رشدى أبو الحسن" مدير التحرير، وصلت مبنى "روزاليوسف" وبداخلى فرحة "الصعيدى"، الذى وجد نفسه فى "مدينة" لم يكن يعرف عنها سوى اسمها، ويتمنى لو عاش فيها يوماً، والمدينة التى قصدتها ليست "القاهرة" بل هى مدينة "روزاليوسف" التى عرفتها منذ سنوات طفولتى، فقد كان لى أخ يكبرنى، وكان يشترى أعداد "صباح الخير" و"روزاليوسف" وكنت أتصفح هذه الأعداد منبهرا بالرسوم المنشورة على صفحاتها، ولما شاءت الأقدار، وصعدت فى المصعد الكهربى إلى الدورالسابع فى مؤسسة "روزاليوسف" سألت عن "رشدى أبوالحسن" فجاوبنى "محمد بغدادى الرسام والشاعر الصعيدى الأصل" بتجهم وتكشيرة "مش موجود" فشعرت بخجل وحرج، وانصرفت ولم أدخل "صباح الخير" بعدها، حتى يومنا هذا، وهذه الحادثة كانت فى العام 1992، أى منذ اثنتين وثلاثين سنة بالتمام والكمال.
«2»
فى "زهرة البستان" قابلت الشاعر الصديق النبيل "ياسرالزيّات" وسلمت عليه، وشربت الشاى وقال لى:
تشتغل معانا "ديسك" فى مجلة الإذاعة؟
وتوالت الأحداث، والتحقت بالمجلة، وتعلمت من "ياسر" معنى "الديسك" وقبله لم أكن أعرف غير "الخبر والتقرير والحوار والتحقيق"، وكانت خبرتى محصورة فى تجربتى الصحفية المحدودة فى "الأهالى"، ولم يكن عندى إدراك للفارق بين الكتابة للجريدة الحزبية، والمجلة الفنية، وعلمنى "ياسر الزيات" قواعد هذه المهنة الشاقة، مهنة "المراجعة" واكتشفت أنها مهنة الأدباء الكبار الذين عملوا فى الصحافة ومنهم "سليمان فياض وعبدالوهاب الأسوانى وخيرى شلبى"، وكان "القسم الفنى" فى تلك الفترة له اتصال بقسم المراجعة، وعرفت الفنان "مدحت عبدالسميع"، وبعد فترة قصيرة ظهر"خلف طايع" وكان مسافراً خارج مصر، فى دولة الإمارات أو الكويت، وكان التعارف بينى وبينه على أرضية "سوهاج".
ـ أنا خلف طايع حسين طايع، من "الخنانسة" مركز "المنشاة" تسمع عنها؟
ـ المنشاة بلد صديق المنشاوى، معروفة طبعاً، وحضرتك أنا من "كوم العرب" مركز "طما" سوهاج.
وعزمنى الرجل فى بيته فى الحى العاشر فى مدينة نصر، كان البيت عبارة عن مرسم، لم تكن معه "الأسرة" ولكننى فى الطريق من "المهندسين" إلى "مدينة نصر" شكوت له كل المضايقات التى تعرضت لها منذ دخولى باب مجلة الإذاعة، وكان الرجل كريماً، سمعنى وطمأننى وهدّأ من روعى، ومنذ ذلك اللقاء نشأت بيننا مودة، وكان هو الأخ الكبير العطوف المعطاء.
«3»
كان الفنان خلف طايع حسين، على خلاف مع رئيس التحرير "محمد جلال عبدالكريم" وقضى سبع سنوات بعيداً عن المجلة، وأنجز خلال تلك الفترة "رسالة ماجستير"، وقطع شوطاً كبيراً فى "رسالة دكتوراه"، وعمل فى صحف عربية فى دول الكويت وعمان والإمارات، وجاءت "سكينة جمال فؤاد" وتولت موقع رئيس التحرير، وبعد فترة صدر حكم المحكمة الإدارية العليا بعزلها من الوظيفة، ومرت المجلة بلحظات قاسية، أنقذها المخلصون، وكان من هؤلاء "خلف طايع"، أبدع فى الإخراج، وجعل المسئولين فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون يكرمون الزميل "محمد الغريب" ـ مدير التحرير المكلف بمهام رئيس التحريرـ وفى تلك الفترة اقتربت من "خلف طايع" وتعلمت منه الكثير، فى الأدب والموسيقى، وفى الفترة ذاتها، سافرت إلى "الإسكندرية"، وكان هو موجوداً فى المدينة، حيث تقيم أسرته، وكان يسافر "كل أسبوع" أو أسبوعين ليقضى يومين أو ثلاثة أيام مع أسرته، ومن تليفون فى محل بقالة، اتصلت بالفنان، وجاءنى الرجل، وقضينا ساعات طيبة فى مقاهى وشوارع المدينة التى كان يعشقها، فهو من مواليد "الخنانسة" لكنه قضى حياته كلها فى الإسكندرية، ودرس الفنون الجميلة "قسم التصوير" فى كلية الفنون التى كان عميدها الفنان أحمد عثمان والفنان كامل مصطفى، وفى كل مرة يستضيفنى فى بيته القاهرى، يسمعنى أساطين الغناء "عبدالمطلب، عصمت عبد العليم، زكريا أحمد، رياض السنباطى وكانت عنده مكتبة موسيقية غنية، وعرفت منه أنه درس الموسيقى وتعلم العزف على آلة نفخ، مستعيناً برجل كان يعمل "صول" فى الموسيقى العسكرية.
«4»
التعيين ودخول "نقابة الصحفيين" كان الأمل وطوق النجاة، عملت من أجله وحلمت به، وكان الصديق "ياسر الزيات" هو من ساعدنى على العمل فى مجلتنا الغالية "الإذاعة والتليفزيون"، وكان "الفنان خلف طايع" هو من ساعدنى أنا وغيرى من الصحفيين الشبان على التعيين والتثبيت ضمن فريق الصحفيين فى المجلة، كان عضواً فى لجنة مديرى الإدارات، وكان له قلب طيب عطوف، وكنا فقراء فى حاجة إلى التعيين، وساعدنا الرجل على تحقيق الحلم، وكان باب التعيين مغلقاً "بالضبة والمفتاح" ويوم صدور قرار تعيينى أنا والزملاء "سميرالبرعى وفارس خضر و دعاء السنجرى" لم أصدق الخبر، فقد كان الأمر يبدو بعيد المنال، ولكن "خلف طايع" و"محمد الغريب" و"ياسر الزيات" حققوا هذا الحلم الذى من أجله هجرت كوم العرب، وركبت قطار "العصر" من "محطة طما" وفى جيبى مائة وخمسون جنيها، وحقيبة بها "هدومى" التى تبقت من مرحلة الدراسة الجامعية، وطوال سنوات اقترابى من الفنان الراحل، كان يعطف على كل محتاج، سواء فى المجلة أو فى "البلد" وكان بين الحين والآخر يرسل مساعدات مالية لقريبة له فى إحدى قرى المنشاة رحمه الله بواسع رحمته.
«5»
فى محطة قاسية من محطات حياتى، محطة مرض أختى الكبرى "رحمها الله" بمرض السرطان، بعد وفاة والدى ووالدتى، أجبرتنى الظروف على السفر إلى "كوم العرب" لأكون قريباً من هذه الأخت، هى أخت سيئة الحظ وقليلة البخت، تزوجت فى سن صغيرة، وتعرضت لظروف صحية، حرمتها من نعمة الولد، وعاشت سنوات عمرها مريضة، حتى أصيبت بسرطان الثدى، ثم سرى المرض اللعين فى جسدها كله، وكان "دكتور خلف طايع" كالعادة، هو الداعم والمعين على الشدائد، وكان دعمه لى خير معين على تجاوز المحنة، وكانت لنا لقاءات فى وسط القاهرة، وحكمت الظروف علىّ بالانقطاع عن هذه اللقاءات، إلى أن كان اللقاء الأخير، كنت جالساً فى "بوفيه النصر" الذى يملكه صديقنا "أشرف فتحى" وهو فى الوقت نفسه زميلنا فى إدارة المجلة "شارع منصور"، وفجأة رأيت "دكتور خلف" ماراً، فناديته، ودعوته للجلوس وفهمت منه أنه كان فى طريقه إلى محل "البراويز" المجاور لسينما أوديون، وجلس بجوارى وشربنا "الشاى" وقال لى معاتباً:
ـ اسأل علىَّ.. ماعادش فيه وقت
واعتذرت له بالظروف التى أمر بها، ولكننى عرفت من الصديق "دكتور فارس خضر" أن الفنان الأخ الكبير ـ رحمه الله ـ كان مصاباً بالمرض اللعين، ساعتها فهمت معنى قوله "ماعادش فيه وقت".. ورحل الفنان النبيل وبقيت ذكراه طيبة فى قلوبنا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة